مَسْألَة: فإن سبق الإمامَ الحدثُ، وقلنا: إن صلاة المأموم [لا تبطل] بحدثه (1)، فإنه يجوز له أن يستخلف غيره (2) في أصح الروايتين:
نص عليه في مواضع، فقال في رواية أبي النضر 3: إذا أحدث، فقدَّم رجلًا فاتته معه ركعة، صلَّى بالقوم ثلاثًا هي رابعةُ القوم، فإذا تشهد، قدَّم رجلًا من القوم - يعني: ممن أدرك أول الصلاة - يسلِّم بهم 4، فقد نص على جواز الاستخلاف في الحدث لمسبوقٍ لم يدرك معه أول الصلاة، وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه 5: إذا أحدث وهو في الصلاة؟ يستخلف، فإن استخلف رجلًا قد فاتته ركعة، فأراد أن يسلِّم،12
الجزء: 1 - الصفحة: 498
يقدم رجلًا يسلِّم بهم، قيل له: فالرجل يرعف في الصلاة؟ قال: يستأنف أحبُّ إليَّ.
فقد نص على جواز الاستخلاف، مع الحكم ببطلان صلاته في حقه.
وكذلك نقل عبد الله عنه 6: إذا أحدث، فقدَّم رجلًا يصلِّي بهم من حيث انتهى الإمام، فقد استخلف عمر 7، وعلي - رضي الله عنهما - 8، وإن لم يستخلف كما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلا بأس 9، وإن صلَّوا وحدانًا، فقد طُعن معاوية - رضي الله عنه -، وصلى الناس وحدانًا من حيث طعن أتموا لأنفسهم 10.
فقد نص على جواز الاستخلاف من جهة الإمام، ومن جهة أنفسهم، وأجاز ترك الاستخلاف، وأن يتموا صلاتهم منفردين.
الجزء: 1 - الصفحة: 499
وكذلك نقل صالح 11، وابن منصور 12: في رجل أَمَّ قومًا، فضحك في آخر صلاته بعد ما تشهد: يستقبل صلاتَه، ومَنْ خلفه يسلمون، تمت صلاتهم، أو يقدمون رجلًا، فيسلِّم بهم.
فقد أجاز الاستخلاف، ها هنا مع الحكم ببطلان صلاته في حقه بالضحك، وأجاز ترك الاستخلاف وأن يتموا منفردين، فقد ثبت بما روينا عنه جواز الاستخلاف.
وفيه رواية أخرى: لا يجوز 13، قال في رواية حنبل 14: إذا أحدث الإمام يوم الجمعة بعد ما يخطب، يقدِّم رجلًا يصلي بهم لم يصلِّ هذا المقدم إلا أربعًا، فإن أعاد الخطبة، صلى ركعتين.
وهذا يدل على منع الاستخلاف؛ لأنه قد نص على أن الجمعة قصرت لأجل الخطبة، وأنها قائمة مقامها، وقد منع من الاستخلاف فيها.
وقال أيضًا في رواية أحمد بن سعيد 15: في إمام صلى بقوم، ثم أحدث قبل أن يخرج من صلاته؟ يخرج فيتوضأ، ويستقبلون هم الصلاة، ولا يستخلف، كيف يستخلف من ليس هو في صلاة؟ إذا أمرته أن يستقبل،
الجزء: 1 - الصفحة: 500
أمرتهم أن يستقبلوا، فقيل له: روي عن عمر، وعلي - رضي الله عنهما -، فقال: لا يعجبني؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستخلف 16، فقيل له: ذكروا أنك ترى الاستخلاف، فتبسم، وقال: كنت أراه، وجنبت عنه.
وهذه الرواية لا تدل على أنه لا يرى الاستخلاف إذا حكم بصحة صلاة المأموم، وإنما منع في المواضع الذي حكم ببطلان صلاتهم بحدث الإمام، فلا يصح الاستخلاف في تلك الحال، والرواية قد اختلفت عنه في حدث الإمام هل تبطل صلاة نفسه، أم لا؟ على روايات ثلاث 17، وإذا حكمنا ببطلان صلاته، فهل تبطل صلاة المأمومين؟ على روايتين، فمنع من الاستخلاف على الرواية التي حكم ببطلان صلاتهم، قال: إذا قلنا: إن صلاة المأمومين صحيحة، فالذي نص عليه في رواية أبي [النضر] 18، وعبد الله 19، وصالح 20، وابن منصور (5): جوازه.
وبه قال أبو حنيفة - رحمه الله - 21، والذي نقل حنبل في الخطبة
الجزء: 1 - الصفحة: 501
يقتضي المنع 22. وللشافعي - رحمه الله - قولان، قال به في الجديد: يجوز، وفي القديم: لا يجوز 23. دليلنا: ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر - رضي الله عنه - في مرضه أن يصلي بالناس، فافتتح بهم الصلاة، ثم وجد النبي - صلى الله عليه وسلم - خفة، فخرج إلى المسجد وهو يُهادى بين اثنين، وتقدم وقعد بجنب أبي بكر - رضي الله عنه -، وصلى بالناس 24، فصار أبو بكر - رضي الله عنه - مأمومًا بعد ما كان إمامًا، فدل هذا على جواز الصلاة بإمامين، وهذه قضية مشهورة، يأتي شرحها على الاستيفاء فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
فإن قيل: فإن أبا بكر - رضي الله عنه - صار مأمومًا، والنبي - صلى الله عليه وسلم - إمامًا، فما الدليل على ذلك؟ قيل له: روي في الخبر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قعد عن يسار أبي بكر، فلو كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مأمومًا، لوجب أن يجلس عن يمينه، ألا ترى أن ابن عباس - رضي الله عنهما - لما قام عن يسار النبي - صلى الله عليه وسلم -، أداره إلى يمينه 25؟ = وإلى الاستخلاف ذهبت المالكية.
ينظر: المدونة (1/ 145)، والمعونة (1/ 213).
الجزء: 1 - الصفحة: 502
ويدل عليه أيضًا: ما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى بني عمرو بن عوف ليصلح بينهم؛ فقدموا أبا بكر يصلي بهم العصر، ثم جاء النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقف في الصف، فتأخر أبو بكر، وتقدم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وصلى بالقوم بقية الصلاة 26.
فإن قيل: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مخصوصًا بذلك.
قيل له: كونه مخصوصًا بذلك حكمٌ من الأحكام يحتاج إلى دليل، وأيضًا: فإن صلاة الجماعة تفتقر إلى إمام ومأموم، ثم لا خلاف أن حكمها لا يتغير بتغير المأموم، وهو أن يحدث، ويجيء مأموم آخر، كذلك يجب أن لا يتغير حكمها بتغير الإمام.
واحتج المخالف: بما روي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح بالناس صلاة الفجر، ثم ذكر أنه جنب، فاغتسل، ولم يستخلف 27، فلو جاز، لفعل ذلك؛ لأن ذلك أولى من تأخير الصلاة، والانتظار فيها لغير عذر، وبهذا احتج أحمد - رحمه الله - في بطلان الاستخلاف.
والجواب: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يكن قد دخل في الصلاة، وكذلك القوم، وقد بينا ذلك فيما تقدم، وخلافنا: في إمام دخل في الصلاة، وافتتح القوم خلفه، ثم سبقه الحدث.
فإن قيل: روي عن علي - رضي الله عنه -: أنه خرج من صلاته، وقال: مسست
الجزء: 1 - الصفحة: 503
فرجي، ولم يستخلف 28.
قيل له: قد روى أحمد - رحمه الله - عن عمر وعلي - رضي الله عنهما - الاستخلافَ 29، وعلى أنا نجوِّز الاستخلاف، ولا نوجبه، وليس في هذه الأخبار دلالة على نفي جوازه.
واحتج: بأنه إمام استخلف على مأمومه، فوجب أن لا يصح، أصله: إذا أدرك المأموم الإمام في الركعة الأخيرة، فسلم الإمام: أنه ليس له أن يستخلف عليهم من يتم به الصلاة.
والجواب: أن الثاني يقوم مقام الأول، والأول ليس له أن يُتَمّم بالمسبوق صلاته، كذلك لا يجوز له أن يقيم غيره مقامه.
واحتج: بأنه مأموم اقتدى في صلاة واحدة بإمامين، فوجب أن لا يصح، دليله: المسبوق إذا صلى مع الإمام الركعة الآخرة، وسلم الإمام: أنه لا يجوز أن يقتدي بإمام آخر في بقية صلاته.
الجزء: 1 - الصفحة: 504
والجواب: أنه إنما لم يجز؛ لأن تحريمته اقتضت كونه منفردًا فيما يقضيه، فإذا اقتدى بغيره، بطلت صلاته؛ كالمنفرد إذا اقتدى بغيره، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن تحريمة القوم لم تقتض كونهم منفردين في بعض صلاتهم، فإذا سبق إمامهم الحدث، جاز أن يقدموا غيره، ويقتدوا به في بقية صلاتهم، ولأن صلاة الإمام قد كملت هناك، فلهذا لم يجز الاستخلاف؛ كالمسبوق في صلاة الجمعة لا يجوز الاستخلاف عليهم؛ لأن صلاة الإمام قد كملت، وليس كذلك إذا أحدث؛ لأن صلاتهم لم تكمل، على أن الحكم في المأموم إذا أدرك الإمام في الركعة الأخيرة، فسلَّم، هل يستخلف عليهم مَنْ يتم بهم الصلاة، أو يستخلف المأموم من يتم به؟ وفي المسافر إذا صلى بمقيمين، فسلَّم من ركعتين، هل يستخلف واحدًا منهم ليقتدوا به بعد فراغه من الصلاة، أو أرادوا أن يقدموا واحدًا منهم؟ ولا يجوز، نص عليه في رواية صالح 30: في مسافر صلى بمقيمين: يتم المقيمون أربعًا، قيل له: فيتقدم رجل منهم فيصلي؟ قال: لا، يتمون وحدانًا.
والوجوب فيه ما تقدم، وفرق آخر: وهو أن هذه الصلاة قد أقيمت بكمالها في جماعة، ومن أدرك معه بعضها، فقد أدرك فضيلة الجماعة، فلهذا لم يستخلف، وليس كذلك إذا سبقه الحدث قبل كمالها: أنه يستخلف ليصلي هذه الصلاة بكمالها في جماعة، فلهذا
الجزء: 1 - الصفحة: 505
جاز أن يستخلف، والله أعلم.
50 -