مَسْألَة: فإن افتتح الصلاة منفردًا، ثم صار إمامًا، فسدت صلاته في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية حمدان بن علي الوارق 1، والفضل بن عبد الله
الجزء: 2 - الصفحة: 399
الأصبهاني 2 3، وابن القاسم (1)، وإبراهيم بن الحارث (1)، وأبي طالب (1)، بألفاظ مختلفة: فيمن أحرم بالصلاة منفردًا لا ينوي أن يؤم أحدًا، فجاء رجل يأتم به، فلا يعجبني، وفي لفظ آخر: لا يجزئه ذلك في الفرائض، وأما في التطوع، فلا بأس، إلا أن يكون إمامَ حيٍّ يؤذن ويقيم، فإنه قد دعا إلى الناس.
فقد منع من ذلك في الفرض، وأجازه في النفل، وقوله: إلا أن يكون إمام حي، يعني به: إذا علم حين دخوله في الصلاة أن هناك من يأتم به، فنوى الإمامة، فيجوز؛ لأن تحريمته انعقدت على الإمامة، فأما إن لم يعلم أن هناك من يأتم به، لم تصح نيته، وقد تبين هذا في رواية أبي طالب، فقال (1): إذا أذن وأقام، ثم جاء رجل فوقف إلى جنبه، جاز، فإن صلى وحده، ولم يكن مؤذنًا ولا إمامًا، فجاء رجل فصلى معه، لم يجزئه؛ لأنه قد دخل في الصلاة وهو لا ينوي أن يؤم أحدًا، قيل
الجزء: 2 - الصفحة: 400
له: فإن نوى وهو يصلي، فإن جاء إنسان، أمَّه؟ قال: لا أدري.
ويتخرج رواية أخرى 4: جواز ذلك بناءً على إحدى الروايتين في المسألة التي قبلها، وهو إذا أحرم منفردًا، ثم ائتم بغيره: أنه يجزئه على رواية بكر بن محمد، كذلك ها هنا 5.
وبهذا قال أبو حنيفة 6، ومالك 7، والشافعي 8 - رضي الله عنهم -.
والدلالة على أنه لا يجزئه: أنه أحرم بالصلاة الفرض منفردًا، فإذا صار إمامًا في أثنائها، لم يجزئه؛ دليله: إذا أحرم منفردًا، ثم صار إمامًا في صلاة الجمعة، فإنه لا يجزئ، كذلك ها هنا، تبين صحة هذا: أن نية الجمعة يجب أن تقارن التحريمة، وكذلك عندنا نية الإمامة يجب أن تقارن التحريمة، وقد تأخرت عنها، فيجب أن لا تجزئه.
فإن قيل: إذا أتوا الجمعة، فقد نقل الصلاة من التمام إلى النقصان، وها هنا نقلها من نقصان إلى تمام.
قيل له: قد أجبنا عنه فيما تقدم 9.
فإن قيل: إن كان القياس عليه إذا أحرم بالجمعة منفردًا، ثم صار
الجزء: 2 - الصفحة: 401
إمامًا، لم تنعقد له تحريمة، فلهذا لم يبن عليها جماعة، وإن كان القياس عليه إذا أحرم بالظهر منفردًا، ثم صار إمامًا في الجمعة، فإنما لم يجز ذلك؛ لأن الظهر والجمعة صلاتان مختلفتان، فلهذا لم يبن إحداهما على الأخرى، وما اختلفنا فيه صلاة واحدة.
قيل له: اختلافهما لا يمنع البناء ها هنا، كما لا يمنع البناء عندك إذا خرج وقت الظهر، وهو في صلاة الجمعة، فعندهم: يبني عليها ظهرًا، ولأن صلاة الإمام مخالفة لصلاة المنفردين؛ لأن الإمام سُن له الجهر بالقراءة، والمنفرد لم يسن له عندنا، وعند أبي حنيفة - رحمه الله - 10، وقد حكينا كلام أحمد - رحمه الله - فيما تقدم 11 في رواية حرب: في رجل فاتته صلاة يجهر فيها بالقراءة في الجماعة، فصلى وحده، فإن شاء، لم يجهر؛ لأن الجهر في الجماعة، وكذلك لو فاتته صلاة بالليل مما يُجهر فيها بالقراءة، فصلاها وحده بالنهار، ونحو ذلك نقل الأثرم 12، ولأن الإمام يتحمل القراءة والسهوَ عن المأموم، والمأموم لا يتحمل القراءة والسهوَ عن غيره، والمنفرد لا تبطل صلاته من جهة غيره والإمام قد تبطل صلاته من جهة غيره، عند أبي حنيفة - رحمه الله -، وهو: إذا نوى إمامة المرأة، ووقفت بجنبه، بطلت صلاته 13، وإذا اختلفا في الأحكام
الجزء: 2 - الصفحة: 402
من هذا الوجه، لم يصح بناء إحداهما على الأخرى، كما قال أبو حنيفة، ومالك - رحمهما الله -: إذا أحرم بالصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره 14، وكما قالوا جميعًا 15: إذا أحرم بالظهر، ثم نوى بها العصر، أو الظهر، فنوى بها الجمعة، فإنه لا يصح، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بتُّ عند خالتي ميمونة - رضي الله عنها -، فقام النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل، فقمت فوقفت على يساره، فأدارني عن يمينه 16، فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد أحرم بالصلاة منفردًا، ثم صار إمامًا.
والجواب: أن تلك الصلاة كانت نافلة من صلاة الليل، ونحن نجيز ذلك، وخلافنا في صلاة الفرض.
واحتج: بأنها صلاة افتتحها فرادى، ثم صار فيها إمامًا، فصحت؛ دليله: صلاة النافلة.
والجواب: أنه يبطل به إذا أحرم بالظهر منفردًا، ثم صار إمامًا في الجمعة، وعلى أن القياس في النفل كان يقتضي أن لا يجوز، لكن تركنا
الجزء: 2 - الصفحة: 403
القياس هناك لحديث ابن عباس - رضي الله عنهما -، ولأن صلاة النفل تفارق صلاة الفرض فيما يرجع إلى الانتقال من النقصان إلى الكمال، ألا ترى أنه يجوز أن يحرم بالصلاة جالسًا نافلة، ثم يقوم فينتقل من نقصان إلى كمال، ولا يجوز مثل هذا في الفرض؟ فبان لهذا: أن حكم النفل أوسعُ في بابه من الفرض.
واحتج: بأن صلاة الإمام والمنفرد سواء، فيما يرجع إلى الواجبات، بل الإمام أكمل، فيجب أن يصح بناء الأكمل على الأنقص؛ كالإتمام على القصر.
والجواب عن هذا: ما تقدم في المسألة التي قبلها، وعلى أن الظهر والعصر سواء فيما يرجع إلى الواجبات، ولا يجوز بناء إحداهما على الأخرى، والفرض أكمل من النفل، ولا يجوز بناء الفرض على نية النفل، فبطل ما قاله.
فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى منفردًا، ونوى أنه إمام في أول صلاته، وليس معه أحد يؤمه؟
قيل: لا تجزئه صلاته، نص عليه 17 في رواية مهنا 18: في رجلين
الجزء: 2 - الصفحة: 404
أمَّ كلُّ واحد منهما صاحبه: ما أشبه أن تكون صلاتهما فاسدة.
فقد نص على فساد صلاتهما؛ لأن كل واحد منهما نوى الإمامة، ولأن معه من يأتم به.
فإن قيل: فما تقولون إذا نوى الإمامة (1) من يأتم به، ثم نوى الانفراد.
قيل: لا نعرف الرواية في ذلك، وقياس المذهب: أن صلاته لا تصح؛ للاختلاف الذي ذكرنا، والله أعلم.
110 -