مَسْألَة: صلاة الفَذِّ خلف الصف وحدَه باطلة:
نص عليه في رواية الأثرم 2، وعبد الله 3، وأبي الحارث 4، وحنبل (4)، .................................................1
الجزء: 2 - الصفحة: 442
وصالح 5، وهكذا إذا وقف على يسار الإمام، وليس عن يمينه أحد، نص عليه أيضًا في رواية أبي طالب 6، فقال: إذا صلى على يسار الإمام، يعيد الصلاة؛ لأنه خالف فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -.
وقال أبو حنيفة 7، ومالك 8، والشافعي 9 - رضي الله عنهم -: صلاته صحيحة.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن زياد بن أبي الجعد 10 عن وابصة بن معبد الأسدي - رضي الله عنه - قال: رأى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيد الصلاة 11.
الجزء: 2 - الصفحة: 443
وروى أيضًا بإسناده عن هلال بن يساف 12 عن وابصة 13 بن معبد قال: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن رجل صلى خلف الصف وحده؟ قال: "يعيد الصلاة" 14. وروى أيضًا بإسناده عن محمد بن الحنفية - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا قد صلى وحده خلف الصفوف، فأمره أن يعيد 15. وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن علي بن شيبان 16 عن أبيه قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ورجل قد صلى خلف الصف، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "استقبل صلاتك، لا صلاة لفرد خلف الصف" 17، فمن = لابن رجب (5/ 23)، والتنقيح لابن عبد الهادي (2/ 497).
الجزء: 2 - الصفحة: 444
هذه الأخبار دليلان:
أحدهما: أنه أمره بالإعادة، والأمر بذلك يدل على الفساد ووجوب الإعادة.
والثاني: أنه علل في حديث علي بن شيبان 18، فقال: "لا صلاة لفرد خلف الصف".
فإن قيل: فقد روى الأثرم بإسناده عن علي بن شيبان عن أبيه - رضي الله عنهما -: أنه صلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم -، فانصرفَ ورجلٌ يصلي خلف الصف، فوقف النبي - صلى الله عليه وسلم - حتى انصرف الرجل، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "استقبل صلاتك، فلا صلاة لفذ خلف الصف"، قالوا: فلولا أن الصلاة صحيحة، لم يقف عليه حتى يتمها.
قيل له: يحتمل أن يكون وقوفه عليه حتى يفرغ القوم من ركوعهم، فيقع البيان لهم عامًا، لا لأن صلاته صحيحة، ويحتمل أن يكون انتظر حتى يفرغ؛ خوفًا أن لا يجيبه؛ كما رُوي أنه - عليه السلام - نادى أبا سعيد بن المعلى وهو يصلي، فلم يجبه 19.
فإن قيل: يحتمل أن يكون أمره بالإعادة في الوقت الذي كان يعاد فيه الفرض مرتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 445
قيل له: قوله - عليه السلام -: "فلا صلاة لفرد خلف الصف" تعليلٌ يقتضي أن الإعادة وجبت لكونك فذًا، وعلى ما قالوه وجبت الإعادة؛ لأن الفرض كان يعاد.
فإن قيل: يحمل قوله: "لا صلاة" كاملة.
قيل: يجب أن يحمل النفي على أصل الصلاة، لا على وصفها 20؛ كقوله: لا رجل في الدار، يقتضي نفيه أصلًا، لا نفي صفاته، ومثله أجابوا عن قوله - عليه السلام -: "لا نكاح إلا بولي" 21، ولأنه تأخر عن الإمام فيما أُخذ عليه متابعته فيه، فبطلت صلاته؛ كما لو تأخر عنه في المتابعة في الركوع والسجود، وذلك أنه مأمور بالوقف في الصف، أو عن يمينه، فإذا وقف فذًا، فقد تأخر عما أُمر به، ولأنه لو صلى قُدّام الإمام، لم تصح صلاته في قول أبي حنيفة، وأحد قولي الشافعي - رحمهما الله تعالى - 22،
الجزء: 2 - الصفحة: 446
والمعنى فيه: فيما أخذ عليه التأخر فيه، فإذا صلى فذًا، يجب أن تبطل أيضًا؛ لأنه تأخر فيما أخذ عليه التقدُّم فيه، ولأنه صلى فذًا عن الصف، فيجب أن تبطل صلاته؛ دليله: لو لم يقرأ خلف الإمام، أو وقف إلى جنب امرأة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو كان في الصف، بطلت صلاته، كذلك إذا كان فذًا.
قيل له: لا نسلم هذا 23، بل نقول: لو كان في الصف، لم تبطل صلاته بترك القراءة، لا بوقوفه إلى جنب امرأة، وأجودُ ما يقال في ذلك: أنه قام مقامًا لا يجوز أن يقومه مع اختصاصه بالنهي لأجل صلاته، ففسدت صلاته؛ دليله: إذا قام قدام الإمام، ولا يلزم عليه إذا وقف إلى جنب امرأة؛ لأنه غير مختص بالنهي، بل هما مشتركان 24 فيه، وكذلك إذا وقف الإمام في وسط الصف، هو غير مختص بالنهي، بل الجميع مشتركون في النهي، ولا يلزم عليه 25: إذا وقف الإمام خلف المأمومين أن صلاته لا تفسد؛ لأن ذلك النهي ليس لأجل صلاته، وإنما نهي لأجل غيره، وهو أن ذلك يفسد صلاة المأمومين؛ بدليل: أنه لو كان منفردًا، وقف حيث شاء، ولو حذفنا الوصف الثالث، جاز؛ لأنه إذا صلى
الجزء: 2 - الصفحة: 447
خلفهم، أخرج نفسه من الإمامة، فتبطل.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر بإسناده عن أنس بن مالك - رضي الله عنه -: أن جدته - رضي الله عنها - دعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لطعام صنعته، فأكل منه، ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قوموا فلنصَلِّ بكم"، قال أنس: فقمت إلى حصير لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِس، فنضحْتُه بماء، فقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وصففت أنا ويتيم، والعجوزُ من ورائنا، فصلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ركعتين، ثم انصرف 26، قالوا: فوجه الدلالة: أن الصبي مع الرجل ليس بصف، ومع هذا، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد أقرهما على ذلك.
والجواب: أن هذا كان في صلاة النافلة؛ لأنه - عليه السلام - صلى بهم في دارهم، ولأنه صلى بهم ركعتين، وقد أجاز أحمد - رحمه الله - موقف الرجل مع الصبي في صلاة النافلة، فقال في رواية صالح 27 - وقد سئل: أيصلي الرجل وخلفه رجل وغلام؟ -، فقال: أما الفريضة، فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع، فلا بأس به.
وإذا كان كذلك، فقد قلنا بظاهره، وعلى أنه يحتمل أن يكون اليتيم بالغًا، وقد كانت العرب تقول: يتيم أبي طالب؛ يعنون: النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - 28.
واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن أبي بكرة - رضي الله عنه -
الجزء: 2 - الصفحة: 448
قال: أتيت المسجد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - راكعٌ، فركعت، ثم مشيت حتى دخلت الصف، فلما انصرف النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال: "من فعل هذا؟ "، قال: أنا، قال: "زادك الله حرصًا، ولا تعد" 29، فوجه الدليل: أنه صار فذًا في تكبيرة الإحرام، وأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك.
والجواب: أن أبا بكرة كان جاهلًا في حكم الفذ، وقد أجاز أحمد - رحمه الله - صلاة من جهل ذلك إذا كَبَّر دون الصف، ودخل في الصف، فقال في رواية مهنا 30 - وقد سئل عن رجل ركع ركعة، وسجد سجدتين دون الصف، ثم جاء الناس، فقاموا إلى جنبه في الثلاث ركعات؟ -، فقال: يعيد الصلاة كلها، ولو كان ركع وحدها، ولم يسجد السجدتين، لم يكن عليه إعادة، لأن أبا بكرة ركع دون الصف، ولم يسجد.
وكذلك نقل إبراهيم بن الحارث 31: في رجل كبر خلف الصف وحده، ثم ركع الإمام، فركع معه، فلحقه رجل، فدخل معه قبل أن يرفع الإمام، تجزئه صلاته، ولو لحقه بعد ما رفع الإمام، أعاد الصلاة، وكذلك نقل بكر بن محمد عنه (3): في رجل كبر خلف الإمام وحده، ثم جاء آخر: يجزئه، إلا أن يكون الركوع؛ يعني: فلا يجزئه، فقد نص على أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 449
إن أكمل الركوع خلف الإمام، لم تصح صلاته، وإن لم يكمل الركوع، لكنه كبر ووقف، ثم دخل في الصف في حال الركوع: أنه يجزئه، وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب الخبر.
واحتج: بما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: بتُّ عند خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث - رضي الله عنها - ليلةً، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - عندها، فقام يصلي من الليل، فقمت عن يساره لأصلي بصلاته، فأخذ بذؤابة كانت لي، أو برأسي، حتى جعلني عن يمينه 32، قالوا: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يحكم ببطلان صلاته، وقد كَبَّر عن يساره.
والجواب: أن هذا الخبر لا حجة فيه، لأنه ليس فيه أنه كبر، وإنما قال: قمت عن يساره لأصلي، ويحتمل أن يكون لم يكبر، ولو ثبت أنه كبر، فإنها صلاة نافلة، وقد حكينا عن أحمد - رحمه الله -: أنه يقف في صلاة النفل خلف الإمام مع صبي، ولأنا قد بيّنا أن تكبيرة الإحرام خلف الصف لا تمنع البناء، فلم يكن في هذا حجة، وعلى أنه حجة لنا؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أداره عن يمينه، كان فيه نهيٌ عن الوقوف على يساره، والنهي يقتضي فساد المنهي عنه.
واحتج: بأن هذا موقف مؤتم بحال، أشبهَ إذا وقف في الصف.
والجواب: أنه، وإن كان موقف مؤتم بحال، وهو إذا وقف إلى جنبه رجل، فليس هو في هذه الحال موقف مؤتم، ويجب أن يساوي
الجزء: 2 - الصفحة: 450
وقوفه قدام الإمام الذي ليس بموقف مؤتم بحال، ومثل هذا ما قلناه: إن العقد على المعتدة، والعقد على ذوات المحارم لا يصح، وهما سواء في فساد العقد، وإن كانا يفترقان في الجواز في حالة أخرى، وهو أن المعتدة تباح بحال، وهو بعد انقضاء العدة، وذوات المحارم لا تباح بحال، وكذلك لا يصح بيع الخمر، والبول؛ لأنهما نجسان 33 في الحال، وإن كان للخمر حالة يطهر فيها، وهو إذا زالت 34 الشدة، والبول ليس له حالة للتطهير، وكذلك قلنا نحن 35، والشافعي 36 - رحمه الله -: إن الولد لا يلحق للمشرقي 37 من المغربية، وقسناه على زوجة الصبي إذا جاءت بولد يعلمه أنه لا يمكن أن يكون منه، وإن كنا نعلم أن الصبي ليس له فراش أصلًا، والمشرقي له فراش في الجملة، لكن لما اتفقا في هذه الحالة، تساويا في نفي النسب، كذلك الفذ قد ساوى المتقدم على الإمام في الحال، وإن اختلفا من الوجه الذي ذكرته، ولأن المعنى في الأصل: أنه لم يخالف مسنون الموقف، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه انفرد عن الصف، أو نقول: ليس كذلك ها هنا؛ لأنه لم يتأخر عن الإمام فيما أُخذ عليه التقدم فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 451
واحتج: بأن مخالفة مسنون الموقف لا يبطل، كما لو وقف إلى جنب امرأة، أو وقف الإمام في وسطهم.
والجواب: أن الرجل لم ينفرد بالمخالفة، بل شاركته المرأة، ولم تبطل صلاتها، وكذلك أهل الصف لم يتفردوا بالمخالفة، بل شاركهم الإمام، ولا تبطل صلاته، وها هنا انفرد الفذ بالمخالفة والوقوف على يساره، فبطلت صلاته؛ كما لو وقف قدام الإمام.
واحتج: بأن الركعة من الصلاة، فإذا صلى فذًا، لم تبطل صلاته؛ دليله: تكبيرة الإحرام؛ فإنه قد نص على جواز ذلك، وكما لو كانا نفسين خلف الصف، فكبر أحدهما قبل صاحبه، فإن الصلاة صحيحة، نص عليه في رواية الأثرم 38، وإبراهيم بن الحارث: في رجلين وقفا خلف الإمام، فكبر أحدهما قبل صاحبه، يخاف أن يدخل في الصلاة خلف الصف؟ فقال: ليس هذا من ذاك، إنما ذاك في الصلاة بكمالها، أو ركعة كاملة، وما شابه ذلك.
والجواب: أنه لا يمتنع أن نقول: إذا استدام الانفراد عن الصف، أبطل، وإذا كان يسيرًا، لم تبطل؛ كما قلنا في كثير العمل في الصلاة يبطله 39، وقليله لا يبطل، ولأن هذا قياس المنصوص عليه، على المنصوص عليه وهذا لا يجوز؛ لأنه يؤدي إلى إسقاط أحد النصين،
الجزء: 2 - الصفحة: 452
وذلك حديث أبي بكرة - رضي الله عنه - يقتضي جواز التكبيرة، وحديث وابصة - رضي الله عنه - يقتضي ما زاد عليها، ففي صحة هذا القياس إبطال أحد النصين، وهذا لا يجوز.
وجواب آخر: وهو: أنه إنما تصح صلاته إذا كان جاهلًا بالحكم، والجاهل كالناسي عند مخالفنا في النهي عنه في المنهي، جاز أن يكون حكمه عندنا حكم الناسي في العفو في المأمورات ما لم يمنع دليل، ولهذا قالوا: لو تكلم في الصلاة جاهلًا، أو أكل في الصيام جاهلًا بذلك، لم تبطل صلاته، ولا صيامه، كذلك عندنا ها هنا.
واحتج بعضهم: بأنه لو وقف إلى جنبه غيره، صحت صلاته، فإذا وقف وحده، صحت؛ كالإمام، والمنفرد.
والجواب: أنه ليس إذا انضم إليه صحت صلاته، يجب أن تصح إذا انفرد؛ بدليل: الشاهد الواحد إذا انضم إليه غيره، قبلت شهادته، ولو انفرد، لم تقبل، وكذلك الإيجاب إذا انضم إليه القبول، صح، ولو انفرد، لم يصح العقد، ثم المعنى في الأصل: أنه أصاب مسنون الموقف، وها هنا قام مقامًا لا يجوز أن يقومه مع اختصاصه بالنهي لأجل، فهو كما لو وقف قدامه.
واحتج: بأنه لو وقف إلى جنب 40 صبي، صحت صلاته، والصبي ليس من أهل الصف، فدل على أن الفذ لا تبطل صلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 453
والجواب: أننا ننظر، فإن وقف إلى جنب صبي في صلاة الفرض، لم تصح صلاته، وإن وقف إلى جنبه في صلاة النفل، صحت، وكان المعنى فيه: أن الصبي لا يصح أن يكون إمامًا للرجل في الفرض، فلهذا لم يصافه؛ كالمرأة، وليس كذلك في صلاة النفل؛ لأنه يصح أن يكون إمامًا له فيها على إحدى الروايتين، فلهذا جاز أن يصافَّه، وقد نص أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية صالح: في الرجل يصلي، وخلفه رجل وغلام؟ فقال: أما الفريضة، فلا يصلي حتى يدرك، وأما التطوع، فلا بأس به 41.
وكذلك نقل أبو الحارث 42: إذا صلى رجل وغلام في الصف، لم يدرك الغلام؟ يعيد.
وإذا ثبت أن الصبي لا يصاف الرجل في الفريضة، فاين يقوم الصبي؟ فيه روايتان:
إحداهما: يقوم عن يسار الإمام، والرجل عن يمينه، نص عليه في رواية أبي طالب 43: في رجل صلى مع رجل، فجاء صبي لم يبلغ، فلا يقوم الرجل مع الصبي خلف الإمام، وليقُمْ عن يسار الإمام.
والثانية: أنه مخير، إن شاء أقامه عن يساره، وإن شاء أقامه عن يمينه مع الرجل، نص عليه في رواية حرب 44: في إمام حضره رجل وغلام ابن عشر سنين،
الجزء: 2 - الصفحة: 454
فإن قام في وسطهما، أو أقامهما عن يمينه، فلا بأس؛ فقد خير في ذلك.
واحتج: بأنه لو صلى إلى جنب محدِث، وهو لا يعلم بحدث نفسه، ثم علم، فإن صلاة من صلى إلى جنبه صحيحة، وإن كان فذًا.
والجواب: أن المذهب على هذا، وأن صلاته صحيحة، نص عليه في رواية العباس بن محمد بن موسى 45، فقال: إذا كان أحدهما محدثًا، يعيد المحدث، وصلاة الآخر تجزئه 46، وكان المعنى فيه: أنه يصح أن يكون إمامًا له على هذه الصفة، ولهذا جاز أن يصافه، وقد ذكرنا ذلك فيما تقدم، وأن المحدث إذا صلى بغيره، ولم يعلم بحدث نفسه: أن صلاة المأموم صحيحة، كذلك إذا صافه؛ لأن حال 47 الإمامة أكمل، وقد صحت كذلك ها هنا، ولهذا نقول: لو صلى إلى جنب كافر، وهو لا يعلم، ثم علم: أن صلاته باطلة؛ لأنه لا يصح أن يكون إمامًا له على هذه الصفة، وقد نص أحمد - رحمه الله - على هذا في رواية المروذي 48: = أبي داود رقم (295)، والمغني (3/ 40)، وبدائع الفوائد (3/ 965).
الجزء: 2 - الصفحة: 455
إذا صلى إلى جنبه جهمي، فلم يعلم حتى فرغ: يعيد، إنما كان وحده.
فإن قيل: أليس قد قال الخرقي 49: وإن أم أميًا وقارئًا، أعاد القارئ وحده، ومعلوم أنه إذا حكمنا ببطلان صلاة القارئ، حصل الأميّ فذًا، والفذ خلف الصف تبطل صلاته.
قيل: المسألة محمولة على أن الأمي عن يمين الإمام، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاته، أو يحمل على أنهما خلفه، ومع الأمي أمي آخر، فإذا بطلت صلاة القارئ، لم تبطل صلاة الأمي.
فإن قيل: فما تقولون فيه إذا صلى منفردًا عن الصف في صلاة النافلة؟
قيل له: صلاته باطلة كالفريضة، وقد نص أحمد - رحمه الله -: على أنه إذا وقف إلى جنب صبي في صلاة النفل، تصح صلاته؛ بخلاف الفرض، فيحتمل أن تجوز صلاة النفل فذًا؛ لأن النفل أخف، ولهذا يجوز على الراحلة.
فإن 50 قيل: فقد روى مهنا عن أحمد - رحمه الله -: في رجل صلى يوم الجمعة مع الإمام ركعة وسجدتين في الصف، ثم زحموه، فصلى الركعة الأخرى خلف الصف وحده: يعيد الركعة التي صلاها وحده 51.
الجزء: 2 - الصفحة: 456
قالوا: وهذا يدل على أن صلاته فذًا لا تبطل الصلاة من أصلها، وإنما يمنع الاعتداد بها، ويبني على تحريمته.
قيل له: قد صرح بالبطلان في رواية الأثرم 52، وصالح 53، وعبد الله 54، وأبي الحارث 55، وما نقله مهنا فهو محمول على أحد وجهين:
أحدهما: ما أومأ إليه أبو بكر: وأن الصلاة في هذه الحال انعقدت في الصف، وإنما صار [فذًا] 56 في أثنائها، ولا يمتنع أن ينافي الابتداء، ولا ينافي الاستدامة؛ كالعدة، والردة، والإحرام في عقد النكاح، والرجعة.
والوجه الثاني: أنه في هذا الحال صار فذًا بغير اختياره، وهو أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 457
زُحم فيه؛ بحيث لا يمكنه المقام في الصف، ولا عن يمين الإمام، وليس يمكنه أن ينفرد بفعل هذه الصلاة، فكانت هذه حال ضرورة، فجاز أن نحكم بصحتها؛ كما جاز ذلك في حق المريض يصلي قاعدًا، أو العادم للماء يصلي متيممًا.
واحتج: بأنه صلى فذًا، فلا تبطل صلاته؛ كالمرأة.
والجواب: أننا ننظر، فإن انفردت عن صف النساء، بطلت صلاتها، وإن انفردت عن صف الرجال، لم تبطل؛ لأن ذلك مسنون موقفها؛ بدليل: أم سلمة - رضي الله عنها -، وليس كذلك الرجل؛ لأنه موقف لا يجوز أن يقفه بحال مع اختصاصه بالنهي، والله أعلم.
119 -