مَسْألَة: صلاة الجماعة في غير الجمعة واجبة على الأعيان:
نص على هذا في رواية حنبل 1، فقال: إجابة الداعي إلى الصلاة فرض، ولو أن رجلًا قال: هي سنة، أصليها في بيتي مثل الوتر وغيره من التطوع، كان هذا خلاف السنَّةِ والحديثِ، وكان جائزًا، إلا أن إجابة الداعي عندي فريضة.
فقد نص على إيجاب الجماعة، ولم يجعلها شرطًا في الصحة 2.
وقال أبو حنيفة 3، ومالك 4، والشافعي 5 - رحمهم الله، و- رضي الله عنهم -:
الجزء: 2 - الصفحة: 241
صلاة الجماعة في غير الجمعة سنة، وليست بواجبة.
وقال داود 6: هي واجبة، وهي شرط في صحتها.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ﴾ [النساء: 102]، وقوله: ﴿فَلْتَقُمْ﴾ أمر، وذلك يدل على الوجوب.
وأيضًا: ما روى عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من سمع النداء فلم يأتِ، فلا صلاة له إلا من عُذر"، قال: وما العذر؟ قال: "خوف، أو مرض، لم يقبل الله الصلاة التي صلى" 7.
وروى أبو زرارة الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول: "من سمع
الجزء: 2 - الصفحة: 242
النداء ثلاثًا، فلم يُجب، كُتب من المنافقين" 8. وروى أبو رزين 9 عن ابن أم مكتوم - رضي الله عنهما - قال: قلت للنبي - صلى الله عليه وسلم -: إني كبير ضرير شاسعُ الدار، لي قائد لا يلائمني، فهل تجد لي رخصة؟ قال: "هل تسمعُ النداء؟ "، قال: قلت: نعم، قال: "فما أجدُ لك مِن رخصة" 10. وروى عبد الله بن شداد 11 .............................
الجزء: 2 - الصفحة: 243
[عن ابن أم مكتوم]- رضي الله عنه - 12: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - استقبل الناس في صلاة العشاء، فقال: "لقد هممتُ أن آمر بالصلاة، فينادى بها 13، ثم آتي أقوامًا في بيوتهم لم يشهدوا الصلاة، فأحرقها عليهم" 14، روى هذه الأخبار أبو عبد الله بن بطة في مسألة صلاة الجماعة أنها واجبة، فلولا أنها واجبة، ما توعد عليها بالحريق، والنفاق، وإبطال الصلاة.
فإن قيل: يحمل هذا على صلاة الجمعة.
قيل: هذا عام في النداء إلى الجمعة، وغيرها من الصلوات، على أن في حديث عبد الله بن شداد: استقبل الناس في صلاة العشاء، وهذا نص فى غير الجمعة.
فإن قيل: هذا الوعيد يُصرف إلى المنافقين.
قيل له: بل انصرف إلى المسلمين، ألا ترى أنه قال: استقبل الناس
الجزء: 2 - الصفحة: 244
في صلاة العشاء، وهذا كناية عن المسلمين، ولأن ابن أم مكتوم لما قال له: "تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "لا أجد لك عذرًا 15 ".
وأيضًا: روى أبو بكر بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه -: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "هلاك أمتي في اللبن"، قيل: يا رسول الله! ما اللبن؟ [قال] 16: "يحبُّون [اللبن] (2)، ويَدَعون الجماعاتِ والجمعَ" 17. فلولا أن الجماعة واجبة، ما توعَّد عليها بالهلاك، ولم يمنع مني الإتيان لفعل مباح، وهو الخروج إلى شرب اللبن.
وروى أبو بكر بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلًا فيصلي بالناس، ثم أَنطلق مع الرجال معهم حُزَمٌ الحطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار" 18.
الجزء: 2 - الصفحة: 245
وهذا خاص في الجماعة دون الجمعة؛ لأنه قال: "آمر رجلًا يصلي بالناس، ثم أنطلق مع الرجال"، ولو كانت الجمعة، لم يتركها؛ لأنها تفوت، وإنما يجوز هذا في الجماعة؛ لأنه يمكنه إقامتها بنفسه.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
روى أبو بكر بإسناده عن الحسن عن علي - رضي الله عنهما -: أنه قال: "من سمع النداء فلم يأته، لا تُجاوز صلاتُه رأسَه إلا من عذر" 19.
وروى بإسناده عن أبي موسى - رضي الله عنه -: أنه قال: "من سمع النداء فلم يُجب من غير عذر، فلا صلاة له" 20.
وروى بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: "من سمع المنادي فلم يجب من غير عذر، فلم يُرِدْ خيرًا، ولم يُرَدْ به" 21. = (644)، ومسلم في كتاب: المساجد، باب: يجب إتيان المسجد على من سمع النداء، رقم (651).
الجزء: 2 - الصفحة: 246
وعن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه قال: "من سره أن يلقى الله - عز وجل - مسلمًا، فليحافظ على هؤلاء الصلوات المكتوبات حين يُنادَى بهنَّ؛ فإنهن من سُنن الهدى، فإن الله - عز وجل - شرع لنبيكم - صلى الله عليه وسلم - سُنَنَ الهدى، ولو صلَّيتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلِّفُ في بيته، لتركتم سنةَ نبيكم - صلى الله عليه وسلم -، ولو تركتم سنة نبيكم، لضللتم، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق، ولقد رأيتُ الرجل يؤتى به يُهادى 22 بين الرجلين حتى 23 يقوم في الصف" 24.
وهذا إجماع منهم، ولأنها صلاة مفروضة، فكانت الجماعة فيها واجبة.
دليله: صلاة الجمعة، ولا يلزم عليه النفلُ، والنذرُ؛ لقولنا: مفروضة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أن الجماعة شرط في صحتها، فلهذا كانت واجبة فيها، وليس كذلك ها هنا، بين الجماعة ليست بشرط في صحتها، فلم تكن واجبة فيها.
= (4/ 137)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: ما جاء من التشديد في ترك الجماعة من غير عذر، رقم (4941)، وصححه ابن القيم في كتاب الصلاة ص 126.
الجزء: 2 - الصفحة: 247
قيل له: الإحرام من الميقات واجب، وليس بشرط في صحة الحج، وكذلك رمي الجمار، والمبيت بالمزدلفة، وبمنى، وتركه لا يبطل الحج، وكذلك الإحداد في العدة واجب، وتركه لا يبطل، وكذلك حمل السلاح في صلاة الخوف واجب عند الشافعي - رحمه الله -، وتركه لا يبطلها 25، وكذلك إباحة المكان الذي يُصلى فيه واجب؛ لأنه لا يجوز أن يصلي في مكان غصب، وإن صلى، فقد ترك الواجب، وتصح عندهم صلاته 26، كذلك ها هنا.
فإن قيل: فرق بين الجمعة وغيرها، ألا ترى أن الجمعة قد اختصت [بالعدد] 27، وبالاستيطان، وبالخطبة، وبإذن الإمام، فجاز أن تختص بالجماعة لتأكيدها؟
قيل: أما الإمام، فليس بشرط في صحة الجمعة، كغيرها من الصلوات، وأما الاستيطان، فإنما شُرِط في الجمعة؛ لأن العدد قد لا يتفق في السفر، ويتفق في الحضر، وليس كذلك في العدد المعتبر في سائر الصلوات؛ لأنه لا يتعذر، ولأن اعتبار الاستيطان يدل 28 على ضعف الجمعة؛ لأنها تسقط في السفر، وغيرُها من الصلوات يجب سفرًا وحضرًا، وهذا يدل على تأكيدها، ثم الجمعةُ - مع ضعفها - قد وجب فيها الجماعة،
الجزء: 2 - الصفحة: 248
فأولى أن يجب في غيرها من الصلوات، وأما اختصاص الجمعة بالعدد، فلأنه قد لا يتعذر لها؛ لأن الجمعة تجب في الجمعة مرة، فلا يتعذر الاجتماع، وغيرها من الصلوات يتكرر دفعات، فيشق مثلُ ذلك العدد، وعلى أن هذا يوجب ضعف الجمعة؛ لأنه متى لم يكمل ذلك العدد، سقطت الجمعة، وغيرُها من الصلوات لا تسقط.
وأما الخطبة، فإيجابها لا يدل على تأكيدها؛ لأنها عوض من الركعتين التي سقطت من الجمعة، فهي، وإن تأكدت الخطبة، فقد نقصت ركعتين، والظهرُ تأكدت بإيجاب أربع ركعات، فلا فرق بينهما.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "صلاة الجميع تفضل على صلاة الفَذِّ بخمس وعشرين درجة" 29، فأثبت للفذِّ صلاة صحيحة.
والجواب: أنا نقول له: صلاته صحيحة، إلا أنه يكون آثمًا عاصيًا بترك الجماعة، وليس في الخبر ما يدل على نفي الإثم.
فإن قيل: ثبوتُ المفاضلة في صلاة المنفرد والجماعة يدل على أن كل واحد منهما أحرزَ فضلًا، وعندكم: لا فضل في صلاة الفذ.
قيل: فقد تحصل المفاضلة بين شيئين، ولا خير في أحدهما 30، قال الله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ [الفرقان: 24]، ومعلوم
الجزء: 2 - الصفحة: 249
أنه لا خير في أهل النار، وقد خاير بينها، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة: 221]، وقولهم: [الصدق خير من الكذب]، ولا خير في الكذب.
ولأن قوله: "تفضل" معناه: أَفْضل على وزن أَفْعل، وقد ترد لفظة [أفعل] لأفراد أحدِ المذكورين بالوصف، ولا يراد المبالغة، والمفاضلة، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [النمل: 59]، ولا خير فيما يشركون، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ [الفرقان: 15]، وقولهم: [محمد أصدق من مسيلمة]، وقال حسان:
أَتهجوه ولَسْتَ لَهُ بِنِدٍّ 31 ... فَشَرُّكُما لخيرِكُما الفداءُ 32
ولا خير في هاجي النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولا شرَّ في النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقد جمع بينهما.
واحتج: بأنها صلاة ليس من شرطها الاستيطان، فلم تكن الجماعة واجبة فيها.
دليله: النافلة، والفائتة، والمرأة 33.
والجواب: أن النافلة غير واجبة، وهذه صلاة مفروضة، فهي
الجزء: 2 - الصفحة: 250
بالجمعة أشبهُ، وأما الفائتة، فليس إذا سقطت الجماعة فيها يجب أن تسقط حال الأداء؛ بدليل: أن الجمعة يجب فيها الجماعة، وإذا فاتت، وحصلت ظهرًا، لم تجب فيها الجماعة، ولأن الفائتة قد يتعذَّر فيها وجودُ الجماعة؛ لأنه لا يصح أداؤها خلف من هو مؤدٍّ، ونادر أن تتفق جماعة فاتتهم الصلاة، وأما المرأة، فليس إذا لم تجب عليها الجماعة، لم تجب على الرجال.
واحتج: بأن ما كان واجبًا في الصلاة، فإن تركه يبطلها؛ كسائر الشرائط والأركان؛ كالطهارة، والستارة، والقراءة، والنية، ونحو ذلك، فلو كانت الجماعة واجبة، لوجب أن تبطل الصلاة بتركها.
والجواب: أن الإحرام من الميقات واجب، وتركه لا يمنع صحة الحج، وكذلك إباحة المكان، وحمل السلاح، وكذلك على أصولنا إذا ترك التكبير عند تكبيرة الإحرام، والتسبيح في الركوع والسجود، وغير ذلك؛ فإن صلاته صحيحة، وإن كانت الأشياء واجبات، كذلك ها هنا، والله أعلم.
90 -