مَسْألَة: تكبير التشريق من صلاة الفجر من يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق:
نص عليه في رواية عبد الله، وأبي طالب، وهارون بن عبد الله، والفضل بن زياد، وأبي الحارث، والحسن بن ثواب، وهذا إذا لم يكن محرمًا، فأما إن كان محرمًا فإنه يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، نص عليه في رواية أبي الحارث، والفضل.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر من النحر.
الجزء: 4 - الصفحة: 73
وقال مالك رحمه الله: يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من رابعه.
وللشافعي - رضي الله عنه - أقوال:
أحدها: من صلاة المغرب ليلة النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق.
والثاني: من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قولنا إلا أنه لم يفرق بين المحل والمحرم.
والثالث: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الصبح من آخر أيام التشريق، مثل قول مالك، وهي رواية المزني عنه.
وقال داود: من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
فالدلالة على أنه يكبر من يوم عرفة: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ [الحج: 28] روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: المعلومات أيام التشريق منها يوم النحر، وقال علي، وابن عمرو - رضي الله عنهم - هي أيام النحر، فقد حصل من اتفاق الجميع على أن يوم النحر من المعلومات، فثبت على أن المعلومات مرادة بالتكبير لاتفاق الجميع، على أنه يكبر يوم النحر ولو خلينا والظاهر لأوجبنا التكبير في سائر أيام العشر، فلما اتفق الجميع على سقوطه قبل يوم عرفة أخرجناه عن الظاهر بالاتفاق، وأوجبناه فيما عداه من أيام التشريق، وهو يوم عرفة ويوم النحر،
الجزء: 4 - الصفحة: 74
إذ هما من المعلومات.
فإن قيل: لما قال الله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ [الحج: 28]، دل على أنه لم يرد بالآية تكبير التشريق، وإنما أراد به الذكر عند رؤية الأضاحي؛ لأن تكبير التشريق يفعل عقيب الصلوات لا على الأضاحي والهدايا.
قيل له: قوله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ كما قال تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ وكما يقول: اشكروا الله على نعمه، يريد لنعمه، فكأنه أمرهم بالتكبير شكرًا لله - عز وجل - على نعمته عليهم بأن جعل لهم من القربة في هذه الأيام في بهيمة الأنعام.
وأيضًا روى أبو الحسن الدارقطني في سننه فقال: حدثنا عثمان بن السماك قال: حدثنا أبو قلابة قال: حدثني نائل بن نجيح قال: حدثنا عمرو بن شمر عن جابر عن أبي جعفر وعبد الرحمن بن سابط عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا صلى الصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه - رضي الله عنهم - فيقول: "على مكانكم" ويقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد"، فيكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق.
وروى أيضًا بلفظ آخر فقال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن يحيى الطلحي بالكوفة قال: حدثنا عبيد بن كثير 1 قال: حدثنا محمد بن جنيد قال:
الجزء: 4 - الصفحة: 75
حدثنا مصعب بن سلام عن عمرو عن جابر عن أبي جعفر عن علي بن الحسين عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبر من صلاة الضحى يوم عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق حين يسلم من المكتوبات.
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأنه يرويه نائل بن نجيح، وعمرو بن شمر، وجابر الجعفي، وكلهم ضعفاء.
قيل له: هذا لا يكفي في رد الحديث حتى تبين وجه الضعف مع أن سفيان وغيره قد روى عن جابر.
واحتج أحمد رحمه الله بما رواه النجاد بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: كان علي - رضي الله عنه - يكبر من غداة عرفة إلى صلاة العصر من آخر أيام التشريق ويكبر بعد العصر ثم يقطع، قال أحمد رحمه الله في رواية الأثرم: أذهب إلى حديث علي - رضي الله عنه -، وهو عن علي مستفيض، وهو حسن.
وروى النجاد أيضًا بإسناده عن عمر - رضي الله عنه -: أنه كان يكبر من صلاة الصبح يوم عرفة إلى صلاة الظهر أو العصر من آخر أيام التشريق، شك شعبة.
وروى عن مطرف عن الحكم: أن عمر وعليًا - رضي الله عنهما - كانا يكبران من صلاة الفجر يوم عرفة ويقطعان في العصر من آخر أيام التشريق.
ورواه أيضًا بإسناده عن عكرمة قال: كان ابن عباس - رضي الله عنهما - يكبر غداة عرفة إلى آخر أيام التشريق لا يكبر في المغرب.
الجزء: 4 - الصفحة: 76
وهذا لا يلزم المخالف؛ لأن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اختلفوا 2 في ذلك، فروي عن عمر، وعلي، وابن عباس - رضي الله عنهم - مثل مذهبنا، وروي عن زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى آخر أيام التشريق، وعن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة العصر من آخر يوم النفر الأول.
وعن عائشة رضي الله عنها: أنها كانت تكبر حتى تصلي العصر من يوم عرفة حين يركب الموقف، والخلفاء كذلك.
وروى الأسود قال: كان عبد الله - رضي الله عنهما - يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى صلاة العصر يوم النحر يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وإذا كان كذلك حصلت المسألة خلاف في الصحابة، فلا يمكن الاحتجاج بقول بعضهم.
ويمكن أن نحمل فعل زيد وابن عمر - رضي الله عنهم - إذا كان محرمًا، فلا يُفضي إلى الاختلاف بينهم.
والقياس: أنه يوم يجب فيه ركن من أركان الحج، فجاز أن يجب فيه تكبيرات التشريق، دليله: يوم النحر.
ولا يلزم عليه يوم عرفة في حق المحرم؛ لأن التعليل لجواز أن يجب فيه التكبير، دليله: أول أيام التشريق.
واحتج المخالف: بأن كل وقت من فيه التلبية لم يسن فيه التكبير
الجزء: 4 - الصفحة: 77
عقيب الصلاة، دليله: يوم التروية.
والجواب: أن من تجب التلبية في حقه ليس في حقه تكبير، وهو المحرم، ولأن يوم التروية لا يجب فيه ركن من أركان الحج، ولا سن فيه التلبية، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يجب فيه ركن من أركان الحج أشبه يوم النحر.
واحتج: بأن أول صلاة يكبر لها أهل منى صلاة الظهر يوم النحر؛ لأن سنتهم التلبية إلى أن يأخذوا في رمي جمرة العقبة، وآخر صلاة يكبرون لها صلاة الصبح من آخر أيام التشريق؛ لأنهم يرمون الجمار الثلاث، ثم يخرجون من منى إلى المحصب، ويصلون فيها الظهر، ولا يكبرون خلفها، هكذا روي عن عبد الله بن واقد أن عمر وعثمان - رضي الله عنهما - كانا يصليان الظهر يوم الصدر بالمحصب ولا يكبران، وإذا ثبت هذا في أهل منى ثبت في أهل الآفاق؛ لأنهم تبع لهم في التكبير؛ لأنه فضيلة الوقت؛ لكونه وقتًا للنسك، ولهذا سمي يوم عرفة ويوم النحر، وأمر فيه الناس بالنحر تبعًا لأهل منى، فيجب أن يكون تبعًا لهم في التكبير.
والجواب: أن هذا في أهل منى لمعنى ينفردون به، وهو أن التلبية مسنونة في حقهم يوم عرفة، وقبل الفجر من يوم النحر، فلم يكن في حقهم تكبير مسنون؛ لئلا يجتمع تكبير وتلبية، فقدمت التلبية؛ لأنها من شعار الحج ومناسكه، وهذا المعنى معدوم في غير أهل منى؛ لأنه ليس عليهم تلبية، فلهذا من في حقهم التكبير، ولهذا المعنى سوينا بينهم في الانتهاء إلى آخر أيام التشريق؛ لأنهم يتساوون في إسقاط التلبية فتساووا
الجزء: 4 - الصفحة: 78
في مسنون التكبير.
والذي روي عن عمر وعثمان - رضي الله عنهما -: أنهما لم يكبرا عقيب الظهر من آخر أيام التشريق، فقد روينا عن عمر - رضي الله عنه - خلافه: أنه كان يكبر في صلاة العصر.
فإن قيل: فقد يجتمع التكبير والتلبية عندك؛ لأن عبد الله بن أحمد رحمه الله روى عن أبيه أنه قال: وإن كان عليه تكبير وتلبية بدأ بما عليه من التكبير ثم التلبية، وإذا كانا يجتمعان لم يصح ما ذكرته من الفرق.
قيل له: ما ذكرنا من الفرق صحيح، وما رواه عبد الله فهو يحمل على الوجه الذي ذكره أبو بكر، وهو: أن يؤخر رمي جمرة العقبة حتى يدخل وقت صلاة الظهر فيجتمع التكبير والتلبية؛ لأنه قد خرج الوقت المستحب للتلبية؛ لأن وقته ينقطع برمي الجمرة، ووقت رميها المستحب ضحى، فإذا أخره إلى الزوال أخره عن وقته المسنون، ولهذا قدم أحمد رحمه الله التكبير على التلبية بخروج وقتها المستحب إلا أنه لم يسقطها؛ لأن سقوطها يتعلق برمي الجمار.