مَسْألَة: تكبير التشريق أن يقول: الله أكبر الله أكبر مرتين لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد:
نص على هذا في رواية أبي داود، والميموني، وهو قول أبي حنيفة رحمه الله.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: يكبر ثلاثًا نسقًا فيقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر إلى آخره.
دليلنا: ما تقدم من حديث جابر - رضي الله عنه -: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أصبح من غداة عرفة يقبل على أصحابه فيقول: "مكانكم" ويقول: "الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد".
فإن قيل: لو كان هذا الحديث صحيحًا لم يخالفه جابر، وقد رُوي عن سعيد بن أبي هند أنه سمع جابر بن عبد الله - رضي الله عنهم - يكبر في صلاة التشريق: الله أكبر الله أكبر الله أكبر ثلاثًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 87
قيل له: قد يروي الحديث ويخالفه، ولا يدل على ضعفه؛ لجواز أن يكون قد نسي الحديث، ألا ترى أن ابن عباس - رضي الله عنهما -[روى] 1 حديث بريرة، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خيرها بعد العتق، وهذا الخبر يدل على أن العتق لا يكون طلاقًا.
وروي عنه أنه كان يقول: بيع 2 الأمة طلاقها.
وكذلك روى أبو هريرة - رضي الله عنه - 3 عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في غسل الولوغ سبعًا.
ثم روى عنه أنه كان يرى غسله ثلاثًا، ولم يدل ذلك على ضعف الرواية، كذلك ها هنا.
ولأنها تكبيرات متوالية تفعل خارج الصلاة، فكانت شفعًا، دليله: تكبيرات الأذان.
ولا يلزم عليه التكبير في صلاة العيد أن يكون وترًا؛ لقولنا بفعل خارج الصلاة.
واحتج المخالف: بما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طاف وسعى صعد الصفا وقال: "الله أكبر الله أكبر الله أكبر" ثلاثًا، ودعا عند ذلك، فثبت أنه مسنون.
والجواب: أن خلافنا في التكبير خلف الصلوات الذي هو تكبير
الجزء: 4 - الصفحة: 88
التشريق، وهذا التكبير لم يكن بين التشريق، وإنما كان على الوجه المستحب في حق الحاج أن يكبر كلما علا شرفًا.
واحتج: بأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
روي عن جابر - رضي الله عنه - أنه كبر ثلاثًا.
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه كان يكبر من صلاة الفجر يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق ولا يكبر في المغرب يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر كبيرًا الله أكبر الله وأجل الله أكبر ولله الحمد.
وعن ابن عمر - رضي الله عنهما - أنه كان يكبر من صلاة الظهر يوم النحر إلى صلاة الفجر من آخر أيام التشريق يقول: الله أكبر الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد وهو على كل شيء قدير.
والجواب: أن المسألة خلاف في الصحابة رضي الله عنهم أجمعين:
روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي الأحوص عن عبد الله - رضي الله عنه - أنه كان يكبر أيام التشريق: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد، وعلى هذا اعتمد أحمد رحمه الله.
وروى أيضًا النجاد بإسناده عن عاصم بن ضمرة أن عليًا - رضي الله عنه - كان يقول: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
وروى أيضًا بإسناده عن منصور بن إبراهيم قال: كانوا يكبرون يوم عرفة وأحدهم مستقبل القبلة حال الصلاة: الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله والله أكبر الله أكبر ولله الحمد.
الجزء: 4 - الصفحة: 89
وهذا إشارة إلى إجماعهم.
واحتج: بأنه تكبير جعل شعارًا للعيد، فكان وترًا، دليله: التكبير في صلاة العيد 4.
والجواب: أنا لا نسلم الأصل؛ لأن زوائد التكبير في الركعة الأولى ست، والسابعة هي تكبيرة الإحرام، وأما في الثانية فلعمري أنه وتر؛ لأنه يكبر خمسًا سوى تكبيرة الركوع، فعلم أن ليس العلة عندنا أنه يكبر فعل شعارًا للعيد؛ لأن هذا المعنى يوجد في الركعة الأولى وهو شفع، وإنما ذلك عندنا معتبر بالتكبيرات الراتبة، ويكون إلحاق هذا بالتكبير في الأذان أولى؛ لأنه يفعل خارج الصلاة، كما أن هذا التكبير يفعل خارج الصلاة، والله أعلم.
25 -
مَسْألَة: إذا غُمَّ هلال الفطر فلم يصل الإمام بالناس صلاة العيد حتى زالت الشمس، ثم علم بعد الزوال أنه رُئي صلى بهم من الغد ما بينه وبين الزوال، وإن لم يصلها حتى زالت الشمس من ذلك اليوم لم يصل بهم بعد ذلك، وكذلك عيد الأضحى:
وقد قال أحمد رحمه الله في رواية هارون بن عبد الله: ولو أن هلال
الجزء: 4 - الصفحة: 90
شوال صحت رؤيته قبل الزوال أفطروا وصلوا، وإذا رُئي بعد الزوال أفطروا وخرجوا لعيدهم من الغد، واحتج بحديث أبي عمير بن أنس عن عمومته من الأنصار.
وقال أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله مثل قولنا في هلال الفطر، وأما الأضحى فإنه يصلي بهم في اليوم الثالث.
وقال مالك رحمه الله: لا يُصلى العيد في غير يوم العيد.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان:
أحدهما: مثل قول مالك.
والآخر: يصلي من الغد وبعد الغد، ولا يختلف مذهبه أن البينة إذا ثبتت بالليل صلى بهم الإمام من الغد.
دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده عن أبي عمير بن 5 أنس بن مالك - رضي الله عنه - عن عمومته من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أعمي علينا هلال شوال فصمنا، فجاء ركب من آخر النهار فقال: رأينا الهلال بالأمس، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أفطروا واخرجوا غدًا لعيدكم".
وفي لفظ آخر عن عمير بن أنس بن مالك عن عمومته من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: أصبحوا صيامًا في شهر رمضان، فجاء ركب من آخر النهار فشهدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوا الهلال بالأمس، فأمرهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يفطروا وإذا أصبحوا غدوا إلى المصلى، وهذا نص.
الجزء: 4 - الصفحة: 91
فإن قيل: يحتمل أن يكون شهدوا بذلك ليلًا، فلهذا أمرهم بالخروج.
قيل له: قد روينا في الخبر أن الركب جاءهم من آخر النهار فأمرهم بالفطر، ولو كان ليلًا لم يأمرهم بالفطر؛ لأنهم مفطرون، فسقط هذا.
والقياس: أن رؤية الهلال ثبتت عند الإمام بعد فوات وقت صلاة العيد، فله أن يصلي بهم من الغد كما لو ثبت بالبينة بالليل.
فإن قيل: إذا ثبت بالبينة بالليل حصل الفطر في الغد، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "فطركم يوم تفطرون وأضحاكم يوم تضحون"، فإذا صلوا من الغد لم تكن صلاتهم قضاء، وليس كذلك إذا ثبت بالنهار؛ لأن الفطر يحصل في ذلك اليوم، فإذا صلوا من الغد كانت صلاتهم قضاء، وصلاة العيد لا تقضى.
قيل له: إذا ثبتت الرؤية بالليل علم أن اليوم الذي صاموا فيه كان فطرًا، وأن وقت صلاة العيد قد فات، كما لو ثبت بالنهار بعد الزوال فإذا صلوا من الغد كانت قضاء؛ لأن القضاء هو أن يفعل بعد فوات الوقت على الوجه الذي يفعل في الوقت، وهذا المعنى موجود في الأصل المقيس عليه، ولا فرق بينه وبين مسألتنا.
واحتج: بأنها صلاة لا تقضى بعد فوات وقتها في يومها، فوجب أن لا تقضى من الغد، كصلاة الكسوف، والجمعة.
والجواب: أن صلاة الكسوف حجة لنا؛ لأنه لا فرق بين أن يعلم
الجزء: 4 - الصفحة: 92
بفوات وقتها بالنهار أو بالليل، فلما ثبت أنه إذا علم بالليل صلاها من الغد، كذلك إذا علم بالنهار.
وأما الجمعة فإنها لا تقضى بحال، وليس كذلك هذه الصلاة؛ لأنها قد تفعل بعد خروج وقتها، وهو إذا شهد برؤية الهلال ليلًا فإنها تصلى من الغد، وإن كان الوقت قد فات.
واحتج: بأنها لو كانت تقضى لوجب أن تقضى في يومها الذي هو أقرب إلى وقتها، فلأن لا تقضى في غدها الذي هو أبعد منه أولى.
والجواب: أن الليلة التي تلي يوم الفطر أقرب إلى وقت صلاة العيد من الغد، ثم اتفقوا أنه لو علم بالفطر بالليل لم يقض فيه صلاة العيد وقضاها في الغد، كذلك إذا علم بالنهار.
واحتج: بأن هذه صلاة يختص بها يوم العيد؛ لشرف اليوم وفضيلته، فإذا فات ذلك اليوم لم تقضى، كالوقوف بعرفة إذا فات وقته.
والجواب: أن هذا يوجب أن لا تقضى وإن قامت البينة على الرؤية بالليل؛ ولوجب أيضًا أن لا يقضى صوم رمضان بعد مضي الشهر؛ لأن هذا الصوم خص به رمضان؛ لشرف الوقت وفضيلته، واتفقوا أنه يقضى مع وجود هذا المعنى، فبطل ما اعتبروه من هذا الباب، والله تعالى أعلم.
26 -