مَسْألَة: تقام الجمعة في كل قرية يستوطنها أربعون رجلًا، أحرارًا، بالِغين، عاقلين، لا يظعنون عنها صيفًا ولا شتاء:
نص على هذا في رواية الأثرم 2، وإبراهيم بن الحارث 3، فقال: يجمع من القرى إذا كانوا من الذين لا يجب عليهم أن يجمعوا في المصر كانوا في بُعد منهم، فإنهم يجمعون إذا كانوا أربعين.
وكذلك نقل ابن1
الجزء: 3 - الصفحة: 115
القاسم 4، وقيل: ترى أن الجمعة تجب إذا كان أهل القرى أربعين رجلًا 5.
وبهذا قال مالك 6، والشافعي - رضي الله عنهما - 7.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا تقام الجمعة إلا في الأمصار 8.
دليلنا: ما تقدم 9 من حديث محمد بن كعب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة يوم الجمعة"، وهذا عام في أهل القرى وغيرهم.
وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك 10 - وكان قائدَ أبيه بعد ما ذهب بصرُه - عن أبيه كعب بن مالك - رضي الله عنه -: أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة، [ترحم
الجزء: 3 - الصفحة: 116
لأسعد] 11 بن زرارة، [فقلت له: إذا سمعت النداء، ترحمت لأسعد بن زرارة؟ ] 12، قال: لأنه أول من جَمَّع بنا في هذا النَّبيت 13 من حَرَّة بني بياضة في نقيع 14 يقال له: نقيع الخَضِمات 15، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون 16. وهذه ليست بمصر، وقد أقيمت بها الجمعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 117
فإن قيل: أليس معناه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك، فرضيه، وأقر عليه؟
قيل له: لا يجوز أن يكون فعلوها بغير أمر النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن الجمعة إحالة فرض كانوا عليه وبغيره.
فإن قيل: تلك قرية قريبة من المدينة، وحكمها حكم المصر من البلد، ويجوز إقامة الجمعة في مثلها.
قيل له: لو كانت في حكم المصر، لم يحتج إلى إقامة جمعة ثانية بالمدينة، وقد أقاموا بالمدينة الجمعة في دار سعد بن خيثمة، وعلى أن حرة بني بياضة بينها وبين المدينة بعد نحو نصف فرسخ أو أكثر، ومثل هذا لا يجوز إقامة الجمعة فيه عندهم.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي جمرة 17 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: أول جمعة جمّعت، بعد جمعة جمّعت بالمدينة: جمعة بالبحرين بجُوَاثى: قرية من قرى عبد القيس 18.
فإن قيل: لم يثبت أن الذي أقامها ممن يحتج به.
الجزء: 3 - الصفحة: 118
قيل له: قد قلنا: إن مثل هذا لا يفعلوه بآرائهم؛ لأنها إحالة فرض كانوا عليه.
فإن قيل: يحتمل أن يكون جُواثى كانت مصرًا، وسماها ابن عباس - رضي الله عنهما -: قرية؛ لأن العرب كانت تسمي المصر: قرية، قال الله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: 31]، وأراد: مكة والطائف، وقال تعالى: ﴿أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الشورى: 7].
وروي: أن عليًا - رضي الله عنه - مر بجماعة من أصحاب عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه - بالكوفة، وهم يتذاكرون 19 في العلم، فقال: هؤلاء سُرج هذه القرية؛ يعني: الكوفة 20.
قيل له: المشهور في لسان العرب واستعمالها: أن القرية لا يعبر بها عن المصر، وان استعمل هذا الاسم، فهو جائز 21 ونادر، والمشهور خلافُه، ويبين صحة هذا: أنه نسبها إلى عبد قيس في جملة قرى.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أنه كتب إلى عمر - رضي الله عنه - يسأله عن الجمعة وهو بالبحرين؟ فكتب إليه عمر - رضي الله عنه -: أن
الجزء: 3 - الصفحة: 119
جمّعوا حيثما كنتم 22. وقوله: حيثما كنتم تعم القرى والأمصار.
قال مهنا: سألت أحمد - رحمه الله -: أيما أعجبُ إليك قولُ علي - رضي الله عنه -: لا جمعة إلا في مصر 23، أو قول عمر - رضي الله عنه -؟ فقال أحمد - رحمه الله -: قول عمر هذا إسناد جيد عن عمر - رضي الله عنه - 24.
وروى أيضًا النجاد بإسناده عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: كان يمر بين طريق مكة والمدينة وهم يجمعون في تلك المنازل، فلا ينكر عليهم 25.
فإن قيل: فهذا يعارضه ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصرٍ جامعٍ" 26.
الجزء: 3 - الصفحة: 120
قيل له: هذا يرويه الأعمش عن سعد بن عبيدة 27، عن أبي عبد الرحمن، عن علي - رضي الله عنه -، وقد قال: أحمد - رحمه الله - في رواية صالح 28: الأعمش لم يسمعه من سعد بن عبيدة، والمتصل أولى، على أن هذا محمول على القرى التي لا يبلغ فيها العدد، أو على القرى التي لا يُسمع فيها الصوت من البلد، ولا يبلغ العدد.
والقياس: أنه بناء متصل يستوطنه عدد ينعقد بهم الجمعة، فجاز أن يقيموها، أصلها: البلد، ولأنها إقامة عبادة، فاستوى فيها أهل القرى، والأمصار؛ كسائر العبادات.
فإن قيل: يقلبه، فيقول: وجب أن يستوي فيه أهل القرى المتصلة، والمنازل المتفرقة؛ دليله: ما ذكرت.
قيل له: سائر العبادات لا يعتبر فيها الاستيطان، وهذه يعتبر فيها الاستيطان، وهذا المعنى يحصل بالقرى المتصلة دون المتفرقة، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم 29: تجب الجمعة على من
الجزء: 3 - الصفحة: 121
يسمع النداء، أو أهل قرية إذا كانت مجتمعة، وهذا يقتضي أن الاتصال شرط.
واحتج المخالف: بما روى علي - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا جمعة ولا تشريق إلا في مصر جامع" 30.
والجواب: أن هذا الخبر موقوف على عليّ - رضي الله عنه -، وليس بمتصل عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، هكذا ذكره ابن المنذر 31، وأبو بكر النجاد، وإذا كان موقوفًا على علي - رضي الله عنه -، فقد حكينا خلاف غيره من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -، فلم يلزم ذلك.
واحتج: بأنها لو كانت متفرقة الأبنية والمنازل، لم تقم بها الجمعة، كذلك إذا كانت مجتمعة؛ كما لو كان فيها أقل من أربعين رجلًا؛ لأنه لو كان فيها أقل من أربعين، لم يقم بها الجمعة، كذلك إذا كان فيها أربعون؛ كما لو كانت متفرقة الأبنية والمنازل.
والجواب: أن المعنى فيه إذا تفرقت الأبنية: أن العدد الذي ينعقد بهم الجمعة لم يجمعهم وطن، فلهذا لم تنعقد بهم الجمعة؛ كالبوادي، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه قد جمعهم وطن، وأما ما دون الأربعين، فالفرق بينه وبين الأربعين ما نذكره في مسألة العدد، على أنا لا نعرف عن أصحابنا رواية في التفريق، والصحيح: أنه إذا كان التفريق متقاربًا، جاز إقامة
الجزء: 3 - الصفحة: 122
الجمعة فيها.
واحتج: بأنها ليست بمصر، فهي كالبوادي ومناهل 32 الأعراب.
والجواب: أن الأعراب لا جمعة عليهم كما ذكرت، وقد نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية أبي النضر 33 عنه: ليس على أهل البادية جمعة؛ لأنهم يتنقلون 34. فعلى هذا المعنى فيهم أن الحلة ليست بدار مقام واستقرار؛ بدليل: أنهم لو خرجوا منها، حملوها مع نفوسهم، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإن البناء دار مقام واستقرار؛ بدليل: أنهم لو خرجوا منها، لم يمكنهم نقلها مع نفوسهم، وعلى أن أصحاب أبي حنيفة 35 - رحمهم الله - شرطوا الجامع والمنبر، وقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بإقامة
الجزء: 3 - الصفحة: 123
الجمعة بالمدينة قبل أن يهاجر إليها 36، ولم يكن فيها جامع ولا منبر، وإنما عمل النبي - صلى الله عليه وسلم - المنبر بعد مقامه بها بمدة 37، ولأن المعتبر بالمقام: الاستيطان، فإذا وجد البناء الذي يتخذ للمقام والاستيطان، فقد وجد الشرط، وليس لاعتبار الأسواق معنى، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أبي داود 38: أهل الرأي يقولون: الجمعة في الموضع الذي تقام فيه الحدود، وأي 39 حَدّ كان يقام بالمدينة! قدمها مصعبُ بن عمير - رضي الله عنه - وهم مختبئون في دار، فجمَّع بهم، وهم أربعون.
قال: وقوله: مصر جامع، يعني بالجامع: إذا كان الناس فيه يجتمعون.
الجزء: 3 - الصفحة: 124
واحتج: بأن الجمعة لو وجبت على أهل السَّواد (1)، لفسقوا بتركها كأهل المصر.
والجواب: أنهم لم يفسقوا؛ لأنهم مختلَف في وجوب الجمعة عليهم، كما يقول أبو حنيفة - رحمه الله -: في المصر إذا كان فيه أربعة أنفس: إن الجمعة تجب عليهم، ولو تركوا، لم يفسقوا بتركها؛ لحصول الاختلاف في وجوبها، والله أعلم.
144 -