مَسْألَة: تصح (1) الجمعة بغير سلطان (2) في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية إسماعيل 3، فقال: إذا كانوا أهل قرى على مسيرة يوم [من] 4 المصر، فعليهم الجمعة، ويكون ذلك بإذن الإمام، وإن كان بغير إذن الإمام، فلا بأس إذا كانوا خمسين.
وكذلك نقل الميموني عنه 5، فقال: إذا كانوا أربعين، جمّعوا، يخطبهم أحدُهم، ويصلي بهم ركعتين، قيل له: فإن كانوا بغير أمر أمير؟ فقال: ليس في الحديث أمير، ولكن عطاء حسنه 6.12
الجزء: 3 - الصفحة: 278
وكذلك نقل حرب عنه 7: في القرية الصغيرة إذا لم يكن فيها أمير؟ إن شاؤوا أمّروا رجلًا يخطب بهم، ويجمّع بهم، وهو جائز.
وكذلك نقل أبو الحارث عنه 8 - وقد سأله عن الجمعة بلا إمام؟ -، قال: نعم، قد صلى عليٌّ بالناس، وعثمان - رضي الله عنهما - محصور، ونقل أيضًا: إذا مات الإمام، ولم يعلم بموته، وحضرت الجمعة، وصلى الناس الجمعة، ودُعي له، وهو ميت، فالصلاة صحيحة.
فقد نص على أنها تصح بغير سلطان.
وهو قول مالك 9، والشافعي 10، وداود 11 - رضي الله عنهم -.
وفيه رواية أخرى: لا تصح بغير سلطان، نص عليه في مواضع:
فقال في رواية يعقوب بن بختان 12: في الإمام إذا مات، ولم يعلم به، وخطب يوم الجمعة 13، ثم علم أنه قد مات، يعيدون.
الجزء: 3 - الصفحة: 279
وقال أيضًا في رواية بكر بن محمد عن أبيه 14: وإنما يجمِّع من أَمرهم الإمام، ولهم منبر، يجمِّعون، ولا يصلُّون الظهر 15 أربعًا.
وكذلك نقل عبد الله 16، فقال: إذا كانوا أربعين رجلًا، جمّعوا بإذن الإمام.
وكذلك نقل المروذي 17: أنه قال: الجمعة تجب على الأربعين إذا أمرهم السلطان أن يجمِّعوا.
وكذلك نقل محمد بن الحسن بن هارون 18 - وقد سئل عن الجمعة في القرى؟ -، فقال: إذا أذن لهم السلطان.
فقد نص على أنها تقف على السلطان.
وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 19.
ولا تختلف الرواية عن أحمد - رحمه الله - في المتغلب، والخارج: أنه تجوز صلاة الجمعة خلفه 20، .........................
الجزء: 3 - الصفحة: 280
نص عليه في رواية يعقوب بن بختان 21: في الخوارج إذا غَلَبوا على موضع، وصلَّوا الجمعة، تجزئ من صلى معهم الجمعة؛ لأن له يدًا باسطة، وأمرًا نافذًا، فيصير بمنزلة الإمام العادل، ولهذا إذا حكم بقضاء، وولَّى قاضيًا 22، نفذ قضاؤه؛ لأن القاضي يحتاج إلى يد باسطة، وأمر نافذ، وهذا موجود في المتغلب، ولا يوجد في غيره.
وجه الرواية الأولة، وأنها تصح بغير سلطان: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، ولم يشترط السلطان.
فإن قيل: صلاة الجمعة لها شرائط، وليس في الآية بيان شيء منها، فهي مجملة، فلا يصح الاحتجاج بظاهرها.
قيل له: ما أجمعنا عليه من الشرط، أثبتناه، وما اختلفنا فيه، وجب نفيه على ظاهر الآية.
وأيضًا: روى أبو بكر بإسناده عن أبي ذر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يتوضأ، فحرَّك 23 رأسه كهيئة المتعجب، قلت: يا رسول الله! وماذا تعجب منه؟ فقال: "أناس من أمتي يُميتون الصلاة، ويؤخرونها عن وقتها"، قلت: فما تأمرني إن أدركت ذلك؟ قال: "صلّ الصلاة لوقتها، واجعل
الجزء: 3 - الصفحة: 281
صلاتك معهم سُبْحَة" 24، ولم يفرق بين الجمعة وغيرها، وقد أخذ أحمد - رحمه الله - بظاهر هذا الحديث في الجمعة، فقال في رواية صالح 25، وابن منصور 26 - وقد سئل: إذا أخروا الصلاة يوم الجمعة؟ -، فقال: يصليها لوقتها، ويصليها مع الإمام.
وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده عن عبيد الله 27 بن عدي بن الخيار 28: أخبره: أنه دخل على أمير المؤمنين عثمان - رضي الله عنه - الدار، وهو محصور، وعلي بن أبي طالب - رضي الله عنه - يصلي بالناس، فقال له: يا أمير المؤمنين! إني أتحرَّج من الصلاة مع هؤلاء، وأنت الإمام، فكيف ترى في الصلاة معهم؟ فقال عثمان - رضي الله عنه -: إن الصلاة أحسنُ ما يعمل الناس، فأحسنْ معهم إذا أحسنوا، وإذا أساؤوا، اجتنب إساءتهم 29.
الجزء: 3 - الصفحة: 282
فوجه الدلالة: أن عليًا - رضي الله عنه - صلى الجمعة، وعثمان - رضي الله عنه - محصور، وكان السلطان في ذلك الوقت عثمان.
فإن قيل: الإمام لم يمكنه أن يصلي بهم، وعندنا: أنه إذا كان هناك سبب يمنع الإمامَ أو خليفتَه عن الحضور، فعلى المسلمين إقامة رجل يصلي بهم الجمعة، وهذا كما فعل المسلمون يوم مؤتة لما قُتل الأمراء: زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم -، اجتمعوا على خالد بن الوليد - رضي الله عنه - 30، وكذلك إذا مات سلطان بلد، جاز لهم أن يقيموا لهم رجلًا ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود.
قيل له: قد كان يمكن الوصول إلى الإمام، والى إذنه، ولهذا دخل عبيد الله بن عدي بن الخيار، واستأذنه، فلو كان إذنه شرطًا، لفعل عليّ، ومن تابعه ذلك.
فإن قيل: يجوز أن يكون استأذنه.
قيل: لو كان استأذنه، لنقل، كما نُقل تقدمُه، وصلاته، وكما نقل استئذان عبيد الله بن عدي بن الخيار.
والقياس: أنها صلاة مفروضة، فوجب أن لا يكون السلطان شرطًا في إمامتها؛ دليله: سائر الصلاة، أو نقول: صلاة يصح فعلها بإذن الإمام، فصح فعلُها بغير إذنه؛ كسائر الصلوات؛ ولأنها صلاة لا يعتبر إذن الإمام في تمام العدد منها، فلا يعتبر في المقصورة الناقصة، دليله: صلاة
الجزء: 3 - الصفحة: 283
السفر، ويريد بالتامةِ العددِ: الظهرَ، ولأنها عبادة لا يختص الإمام بفعلها، فلا يقتصر إقامتها إلى إذنه، أصله: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والحج، وغير ذلك، ولا يلزم عليه الحدود؛ لأن الإمام يختص بفعله، أو من استخلفه الإمام، والجمعةُ، فكلُّ أحد يفعلها كما يفعل سائر العبادات.
فإن قيل: المعنى في سائر العبادات: أن يجوز أن يقيمها كل واحد من الناس على الانفراد، فلم يكن من شرطها السلطان، وليس كذلك الجمعة؛ لأنه ليس لكل واحد أن يقيمها على الانفراد، فهي كالحدود.
قيل له: منتقض بالغزو؛ فإنه لا يجوز أن يقيمه كل واحد من الناس على الانفراد، ولا الدخول إلى دار الحرب بغير إذن الإمام، ومع هذا: إذا اجتمعوا، وكانت لهم منعة، كان لهم دخولها من غير إذنه، وأما الحدود، فالكلام عليها يأتي - إن شاء الله تعالى -.
واحتج المخالف: بأن الأصل الظهر، وإنما نقل الفرض إلى الجمعة بشرائط، فمتى اختلف في شرائطها، لم يجز الانتقال عن الظهر إليها إلا بدلالة.
والجواب: أنَّ ما أجمعنا عليه من الشرط أثبتناه، وما اختلفنا فيه، وجب نفيه، إلا أن تقوم دلالة على إثباته.
واحتج: بأنه لا يصح لكل أحد من الناس إقامتها على الانفراد، فوجب أن يكون من شرطها: السلطان؛ دليله: الحدود.
والجواب: أنه ينتقض بما ذكرنا من الغزو، وأنه لا يجوز أن يقيمه
الجزء: 3 - الصفحة: 284
كل أحد على الانفراد، ولهم فعله إذا كانت [لهم] منعة بغير إذن الإمام، وعلى أن الحد يقف فعلُه على الإمام، أو خليفته، ولا يشاركه فيه أحد، فكان موقوفًا على إذنه، والجمعة، فهو والرعيةُ في فعلها سواء، فلم تكن مختصة به، ولا موقوفة على إذنه؛ كسائر العبادات؛ ولأن إقامة الحدود تفتقر إلى اجتهاد الإمام بضرب من المصلحة، وذلك أن الحد عقوبة، فلو جعلت لكل واحد من الرعية، دخلها الحَيْف، والغَرَر، وقصد كل واحد فيه التشفي، ودرك الغيظ، وفي ذلك فساد، ولأنه يدخلها الاجتهاد في وجوبه، وفي وقت إقامته، والآلة التي يقام بها، ويختلف باختلاف من وجب عليه، وليس كذلك الجمعة؛ فإنه لا يدخلها الاجتهاد في وجوبها، وأفعالها، فهي كسائر الصلوات.
فإن قيل: فالجمعة مختلَف في موضع إقامتها، وفي العدد الذي تنعقد به.
قيل له: إلا أن هذا الاختلاف لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام، والحد يفتقر إلى اجتهاد الإمام؛ للمعنى الذي ذكرنا.
واحتج: بأنه لم ينقل من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا إقامةُ الجمعة إلا بسلطان، فعلم أنه شرط فيها، ألا ترى أنه لما لم ينقل إقامتها إلا بالخطبة، كانت شرطًا؟
والجواب: أنا قد نقلنا: أن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - أقامها بغير سلطان، وكذلك روى ابن المنذر 31 عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه صلى بالناس
الجزء: 3 - الصفحة: 285
لما أبطأ الوليد بن عقبة بالخروج، وصلى أبو موسى - رضي الله عنه - بالناس حين أخرجوا سعيد بن العاص - رضي الله عنه -.
ثم هذا يبطل بالخطبتين؛ فإنه لم ينقل من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا إقامةُ الجمعة إلا بخطبتين، ومع هذا، فليستا شرطًا عنده، وتجزئ فيهما كلمة واحدة، ولم يُنقل ذلك، وكذلك الحج، والجهاد، لم ينقل من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى يومنا هذا إلا بسلطان، ومع هذا ليس بشرط فيه.
فإن قيل: هو شرط في جواز الجمع بين الصلاتين بعرفات، والجمع بينهما من أسباب الحج.
قيل له: هذا غلط؛ لأن الجمع ليس بشرط في الحج، ويصح وإن لم يجمع، والله أعلم.
171 -