مَسْألَة: تجب الجمعة على الأعمى إذا وجد قائدًا
نص عليه في رواية عبد الله 3، فقال: والأعمى لا يقدر على إتيانها إلا بقائد، فليست عليه، إلا أن يقدر على إتيانها.
وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 4؛ خلافًا لأبي حنيفة - رحمه الله - في قوله: لا تجب عليه 5.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، وهذا عامّ.
الجزء: 3 - الصفحة: 154
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تجب الجمعة على مريض، ولا مسافر، ولا عبد" 6، فلما خص هؤلاء بالإسقاط، دل على أن من عداهم تجب عليه.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لابن أم مكتوم: "تسمع النداء؟ "، قال: نعم، قال: "لا أجد لك عذرًا" 7، فلما [لم] 8 يُسْقِط عنه الجماعة، فأولى أن لا تسقط عنه، مع الاتفاق على السعي إليها.
فإن قيل: فظاهر الخبر مُطَّرح؛ فإنه قال فيه: ليس لي قائد يلائمني؟ فقال: "مد حبلًا، لا أجد لك عذرًا" 9، فأوجب عليه مع عدم القائد.
قيل: لأنه وجد ما يقوم مقام القائد، وهو مد الحبل إلى موضع الصلاة، ولأنه فقد حاسة، فلم يسقط حضور الجمعة؛ دليله: السمع، والذوق، ولا يلزم عليه الجنون؛ لأنه ليس بفَقْد حاسة، وإنما هو فقد العقل، وهو علم من العلوم الضرورية، ولأن أكبر ما فيه: أنه لا يُهدى الطريق بنفسه، وهذا لا يمنع من الإيجاب؛ كالبصير إذا لم يُهْدَ الطريق إلى الجامع، فإنه يلزمه إذا وجد من يهديه، ولأنا قد استوفينا الكلام في مثل هذه المسألة في كتاب الحج هل يلزم الأعمى أم لا؟ وحكينا خلاف
الجزء: 3 - الصفحة: 155
أبي حنيفة - رحمه الله -، وأنه لا يلزم.
واحتج المخالف: بأنه محتاج فيها إلى قطع مسافة، فلا تجب على الأعمى؛ كالجهاد.
والجواب: أن القصد من الجهاد إثباتُ أعيان الكفار لقتالهم، وهذا متعذر في حق الأعمى، فأما الجمعة، فإنه يمكنه أن يقصدها بنفسه، وإنما لا يُهدى الطريق، وهذا لا يمنع الإيجاب؛ كالبصير إذا لم يعرف الطريق، وإن قاسوا على المريض، فالمعنى: أنه لا يمكنه أن يأتي المسجد بنفسه، وها هنا يمكنه، وقد نقل الميموني 10 قال: سئل أبو عبد الله عن رجل مريض لا يقدر أن يأتي الجمعة ماشيًا، يكتري ويركب؟ قال: لم أجعل ذا عليه أن يكون له قوة أو فضل، فيكتري ويركب.
وهذا محمول علي أنه لا يقدر؛ لضعف يجده عقب 11 المرض، فيلزمه الركوب؛ لأن المرض قد زال، فأما إن كان المرض باقيًا، فلا يلزمه؛ لأن العذر باقٍ.
آخر الجزء الثامن عشر من أجزاء المصنف
- رحمة الله عليه وعلى كاتبه ووالديهما ولجميع المسلمين -
الجزء: 3 - الصفحة: 156
151 -