مَسْألَة: بول ما يؤكل لحمُه وروثُه طاهر:
نص عليه في رواية عبد الله 1، والمروذي 2، وهو قول مالك 3، وداود 4 - رحمهما الله -. وروى الأثرم عنه: في بول الإبل يصيب الثوب إذا كان كثيرًا فاحشًا: يعيد 5. وقال أيضًا في رواية صالح 6: يتنزه عن الأبوال كلها، فقيل له: أليس قد شرب قوم؟ فقال: ذاك عند الضرورة.
الجزء: 2 - الصفحة: 11
وظاهر هذا أنه نجس، وهو قول الشافعي - رحمه الله - 7.
وقال أبو حنيفة: روثُ الحمام والعصافير طاهر، وبقية ما يؤكل لحمُه بولُه وروثُه نجس 8.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ [الأنعام: 145]، وليس هذا بواحد من تلك.
وأيضًا: ما روى شيخنا في كتابه 9 عن يحيى بن أبي كثير عن سوار بن مصعب 10، عن أبي جهم 11، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه -: عن النبي - صلى الله عليه وسلم -:
الجزء: 2 - الصفحة: 12
أنه قال: "ما أُكل لحمه، فلا بأس ببوله" 12. وروى محارِب بن دِثار 13 عن حذيفة بن اليمان، أو عن جابر - رضي الله عنهما - 14، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ما أُكل لحمه، فلا بأس ببوله" 15. فإن قيل: هذا خبر ضعيف؛ لأن سوار بن مصعب متروك الحديث، ومطرف متروك الحديث أيضًا 16.
الجزء: 2 - الصفحة: 13
قيل له: هذا لا يكفي في رد الحديث حتى تبين وجه ضعفه، وترك حديثه.
فإن قيل: فليس فيه دلالة على طهارته.
قيل له: قوله: "فلا بأس" يدل على طهارته؛ لأن من قال: هو نجس، يقول: إذا صلى فيه، ففيه بأس، والخبر يمنع من ذلك.
فإن قيل: نحمل هذا على حال الضرورة، أنه لا بأس بشربه، على عادة العرب في شرب أبوال الإبل.
قيل له: لا بأس يعمُّ سائر الأحوال.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن مكحول: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي وعِنانُ فرسه في ذراعه، وعليه جبةٌ من صوف، فبال الفرس، فانتضحَ عليه من بوله، فلم ينصرف لذلك 17.
فإن قيل: [لعله] أن لا يكون علم بذلك.
قيل له: قوله: "فلم ينصرف لذلك" لا يقتضى إلا أن يكون علم بذلك، وإلا، لم يكن في نقله فائدة؛ لأن الراوي نقل الخبر وبيان الحكم، وأن ذلك البول لا يمنع الصلاة.
وجواب آخر: وهو أنه لو كان عدم علمه، لبيَّنه الراوي؛ لأنه ذكر
الجزء: 2 - الصفحة: 14
احتجاجًا على طهارته، وروى زيد بن علي 18 عن أبان 19، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا بأس بأبوال الإبل والبقر والغنم، وكل شيء يحل لك أكلُ لحمه، أصابه، أو أصاب الثوب" 20.
ولأن المسألة إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن بكير بن الأشج 21 قال: كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلون، وخُرُوءُ البعير في ثيابهم 22، وهذا إشارة إلى جميعهم.
وروى عاصم 23 ...................................
الجزء: 2 - الصفحة: 15
عن أبي عثمان 24 قال: كنا مع عبد الله إذ وقع عليه خُرْءُ عصفور، فقال بيده هكذا: فنفضه 25.
وروى ابن كيسان 26 قال: خَرِئَت على ابن عمر - رضي الله عنهما - حمامة، فأخذ عصاة من الأرض، فمسح بها رأسه، وصلى 27.
والقياس: أنه مائع ورد الشرع بإباحة شربه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن.
وقد دل على إباحة شربه: حديث أنس بن مالك - رضي الله عنه - في أن ناسًا من عرينة 28 قدموا المدينة، فاجْتَوَوْها، فبعثهم النبي - صلى الله عليه وسلم - في إبل الصدقة، فقال: "اشربوا من أبوالها وألبانها" 29.
الجزء: 2 - الصفحة: 16
وإن شئت قلت: متحلِّل معتاد من حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: اللبن، ولا يلزم عليه الدم لأنه غير معتاد تحلله، ولا يلزم عليه بول ما لا يؤكل لحمه؛ لقولنا: من حيوان يؤكل لحمه.
فإن قيل: لبن المرأة طاهر، وبولها نجس.
قيل: لأن الشرع سوى بين لبن الإبل وأبوالها، وفرق بينهما في المرأة؛ ولأنه بولٌ، فكان تابعًا للحم، دليله: بول الآدمي، وما لا يؤكل لحمه، لما كان اللحم محرمًا، ولما كان لحم ما يؤكل لحمه مباحًا، كان البول مباحًا، ولأنه رَجيعُ حيوان يؤكل لحمه، فكان طاهرًا، دليله: رجيع الحمام، والعصافير، وهذا يخص أبا حنيفة - رحمه الله -.
فإن قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن ذلك لا يغسل المسجد منه، وليس كذلك غيره من الرجيع؛ لأنه يغسل المسجد منه.
الثاني: أن ذلك لا يستحيل إلى نتن وفساد، وهذا معدوم في غيرها من الأرواث.
قيل: أما غسل المسجد من ذلك، فلا يجب، كما لا يجب في رجيع الحمام، والعصافير.
وأما قوله: إن ذلك لا يستحيل إلى نتن، فغير صحيح؛ لأن ذَرق العصافير منتن، ألا ترى أن روائح أبراجها في غاية النتن؟ وعلى أن هذا = والجوى: كل داء يأخذ في الباطن لا يُسْتمرأُ معه الطعام، واجتويت البلد: إذا كرهت المقام فيه.
ينظر: لسان العرب (جوا).
الجزء: 2 - الصفحة: 17
يبطل ببعر الشاة، والظباء؛ فإنه لا رائحة له، وقد قيل: بأن بعر الظباء يكون رائحته طيبة، ومع هذا، فإنه نجس عنده، فبطل هذا المعنى.
وعند أبي حنيفة أيضًا: ما لا يجب غسله إذا كان قدر الدرهم، جاز أن لا يجب إذا زاد عليه؛ كالبصاق، ولا يلزم عليه الدم؛ لأنه يجوز أن لا يجب فيما زاد على قدر الدرهم إذا لم يكن فاحشًا.
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾ [النحل: 66]، فذكر أنه يخرج من بين نجسين - دم وفرث - لبنًا.
والجواب: أن موضع الاعتبار لا يرجع إلى أنه أُخرج طاهر من بين نجسين، وإنما رجع إلى أنه أخرج لبنًا سائغًا من بين فرث متغير الرائحة، واللون، كريه المطعم، ودم يجري مجراه، وأنه ساغ شربه، غير ممتزج بشيء من ذلك، فيمنع شربه.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أكثرُ عذاب القبر من البول" 30.
وروي: أنه مر بقبرين وهما يعذَّبان، فقال: "وما يعذَّبان بكبير؛ كان أحدُهما لا يستتر من البول" 31، وهذا عام في سائر الأبوال.
الجزء: 2 - الصفحة: 18
والجواب: أنه قد روي في بعض الألفاظ: "أنه كان لا يستنزه من بوله" (1)، فنص على بول الإنسان، وذلك نجس، وعلى أن الخبر محمول على ذلك؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأنه بول، فكان نجسًا، دليله: بول ما لا يؤكل لحمه، وكل ما خرج من الآدمي كان نجسًا، فإذا خرج من غيره، كالدم.
والجواب: أن ما لا يؤكل لحمه لما حكم بتحريم لحمه، حكم بنجاسة بوله، وهذا لما حكم بإباحة لحمه، يجب أن يحكموا على إباحة بوله، وأما الدم، فهو أغلظ تحريمًا، ألا ترى أن دم الصبي الذي لم يطعم يجب غسله، ويرش على بوله؟ وكذلك دم العصافير والحمام نجس، وبولها وروثها طاهر، فبان الفرق بينهما.
ولأن أبا حنيفة - رحمه الله - قد قال: في بول ما يؤكل لحمه: يصلى فيه ما لم يكن كثيرًا متفاحشًا (2)، ولم يقل مثل هذا في الدم، والله أعلم.
59 -