مَسْألَة: الكلام في حال الخطبة محظورٌ على المستمع دون الخاطب في أصح الروايتين:
1 الجزء: 3 - الصفحة: 213
نص عليه في رواية الميموني 2، وحنبل 3 - وقد سئل عن الإمام يخطب يوم الجمعة، فيتكلم، وهو على المنبر في الخطبة -، فقال: لا بأس بذلك، يأمر وينهى، قد رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير وجه: أنه تكلم، وهو على المنبر.
فقد نص على جواز الكلام في حق الخاطب.
وقال في رواية أبي طالب (2)، وأبي داود 4: إذا سمعتَ الخطبةَ، فأنصتْ واستمعْ، ولا تقرأ، ولا تشمّت، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، وإذا لم تسمع الخطبة، فاقرأ، وشَمِّت، ورُدَّ السلام.
فقد نص على جواز ذلك إذا لم يكن بحيث لم يسمع الخطبة، وجوازه إذا كان بعيدًا منه لا يسمعها.
وفيه رواية أخرى: لا يحرم ذلك على الخطيب، ولا على المستمع، رواها أحمد بن الحسن 5، فقال: سألت أحمد - رحمة الله عليه -: إن
الجزء: 3 - الصفحة: 214
تكلم والإمام يخطب؟ فقال: ليس شيء، فقال له: حديث أبيّ 6؟ قال: لا يصح ذلك، وغيرُه أصحُّ حديثُ أنس: أن رجلًا سأل النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب، فقال: استسقِ لنا 7.
وقال أبو حنيفة 8، ومالك 9 - رحمهما الله -: هو محظور على الخطيب، والمستمع، سواءٌ كان بحيث يسمع، أو لم يسمع.
وللشافعي - رحمه الله - قولان 10: قال في القديم، والإملاء: مثل هذا، وقال في الأم 11: لا يحرم ذلك.
فالدلالة على تحريم الكلام في حق المستمع؛ خلافًا للشافعي في أحد القولين، وإحدى الروايتين عن أحمد: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، وروي: أنها نزلت في شأن الخطبة 12، ورُوي: أنها نزلت في القراءة خلف الإمام 13، وهي
الجزء: 3 - الصفحة: 215
عليهما، فأمر بالسكوت في حال الخطبة، وأمرُه على الوجوب، ومخالفُنا لا يوجبه.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت للإنسان: أنصِتْ يومَ الجمعة، والإمامُ يخطب، فقد لغوتَ" 14.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قال لصاحبه يوم الجمعة والإمامُ يخطب: صه، فقد لغا" 15.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عطاء بن يسار، عن أبيّ بن كعب - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قرأ يوم الجمعة [براءة] 16، وهو قائم يذكِّرنا بأيام الله، وأُبي بنُ كعب وِجَاه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأبو الدرداء، وأبو ذر - رضي الله عنهم -، فغمز أُبيًّا أحدُهما، فقال: متى نزلت هذه السورة يا أُبيّ؟ 17 فإني لم
الجزء: 3 - الصفحة: 216
أسمعها 18 إلا الآن، فأشار النبي - صلى الله عليه وسلم -: أن اسكت، فلما انصرفوا، قال: سألتك: متى أنزلت هذه السورة؟ فلم تجبني! قال أُبيّ: ليس لك من صلاتك اليوم إلا ما لغوت، فذهبتُ 19 إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فذكرتُ ذلك له، وأخبرتُه بالذي قال أُبيٌّ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "صدق أُبيّ" 20. وروى بإسناده عن إبراهيم: أن ابن مسعود سأل أُبَيَّ بنَ كعب - رضي الله عنهما - عن آية من كتاب الله - عز وجل -، ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فأعرضَ عنه، ولم يردَّ عليه شيئًا، فلما قضى صلاته، قال: إنه لا جمعةَ لك، فسأل ابنُ مسعود النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: "صدق أُبيّ" 21.
الجزء: 3 - الصفحة: 217
وروى أيضًا بإسناده: أن أبا ذر، والزبير بن العوام - رضي الله عنهما - سمع أحدهما من النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه يقرؤها وهو على المنبر يوم الجمعة، فقال لصاحبه: متى أنزلت هذه الآية؟ فلما قضى صلاته، قال له عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: لا جمعة لك، فأتى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فذكر له ذلك، فقال: "صدق عمر" 22.
وروى أيضًا بإسناده عن جابر - رضي الله عنه -: قال سعد - رضي الله عنه - لرجل يوم الجمعة: لا صلاةَ لك، فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسول الله! إن سعدًا 23 قال: لا صلاة لك، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: " [لِمَ] 24 يا سعدُ؟ "، قال: إنه تكلم وأنت تخطب يا رسول الله، قال: "صدق سعد" 25.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -:
روينا عن عمر، وأبيّ، وسعد بن أبي وقاص - رضي الله عنهم -: أنه لا صلاة لمن تكلم، وهذا تغليظ منهم.
وروى أيضًا أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: إذا قال يوم الجمعة والإمام يخطب: صه، فقد لغا 26.
الجزء: 3 - الصفحة: 218
وروى أيضًا عن الرُّكين بن الرُّبيع 27 عن أبيه 28 عن عبد الله - رضي الله عنه - قال: كفى لغوًا أن تقول لصاحبك: أنصت، إذا خرج الإمام من الجمعة 29. وروى أيضًا عن إبراهيم قال: استقرأ رجل عبد الله بن مسعود، والإمام يخطب يوم الجمعة، فلم يكلمه عبد الله، فلما قضى الصلاة، قال له عبد الله: الذي سألتَ عنه نصيبُك من الجمعة 30. وروى أيضًا عن الزهري: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال: كلام الإمام يقطع الكلام، وخروج الإمام يقطع الصلاة 31. وروى أيضًا ......................................
الجزء: 3 - الصفحة: 219
عن علقمة بن عبد الله 32 قال: قدمنا المدينة يوم الجمعة، فأمرت أصحابي أن يرتحلوا بي 33، ثم أتيت المسجد، فجلست قريبًا من ابن عمر - رضي الله عنهما -، فجاء رجل من أصحابي، فجعل يحدثني، والإمام يخطب: فعلنا كذا وكذا، فلما كثر، قلت له: اسكت، فلما قضينا الصلاة، ذكرت ذلك لابن عمر - رضي الله عنهما -، فقال: أما أنت، فلا جمعة لك، وأما صاحبك، فحمار 34 35. فإن قيل: يعارض هذا ما رواه النجاد بإسناده عن محمد بن عثمان 36: جاء، وعمر - رضي الله عنهما - يخطب الناس يوم الجمعة، فقال له عمر: ما حبسك؟ فقال له عثمان: ما زدتُ على أن توضأت، ثم جئت بعد ما
الجزء: 3 - الصفحة: 220
سمعتُ النداء، فلما دخل عمر - رضي الله عنه - بيته، دخل ابن عباس - رضي الله عنهما - عليه، فقال: يا بن عباس! أما تسمع ما قال: ما زدتُ على أن توضأت ثم جئتُ؟ فقال عمر: أما إنه قد علم أنا كنا نؤمر بغير ذلك، قال: ألكم أيها المهاجرون خاصة، أم للناس عامة؟ فقال عمر - رضي الله عنه -: لا أدري.
فقد وجد الكلام من عثمان - رضي الله عنه - في حال الخطبة، ولم ينكره أحد من الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -.
قيل له: كلام عمر - رضي الله عنه - فيجوز عندنا؛ لأنه الخاطب - وهذا فصل يأتي - وأما كلام عثمان - رضي الله عنه -، فيجوز؛ لأن عمر - رضي الله عنه - قطع الخطبة في حال سؤاله، وخلافنا في حال الذكر، والقياس: أن الخطبة ذكرٌ جُعل شرطًا في صحة الصلاة، فجاز أن يحرم الكلام؛ دليله: تكبيرة الإحرام، والقراءة، ولا يلزم عليه الخاطب؛ لأن التعليل لجنس الذَّكر، فلا يلزم عليه الأحوال.
قيل: إنما نُهِي عن الكلام في حال الصلاة؛ لأنه لا يشترك فيه الإمام والمأموم، فكان يجب أن يشترك الخاطب والمستمع أيضًا في النهي.
قيل له: إنما لم يشتركا في الخطبة؛ لأن المستمع إذا تكلم حصل تاركًا للإنصات، وراغبًا عنه، وليس كذلك الخاطب؛ لأنه بالكلام تزول الخطبة، وقد يجوز قطعها، فلا يحصل تاركًا للإنصات، ولأن المأموم يشارك الإمام في نفس الفعل، وها هنا أحدُهما فاعل.
فإن قيل: فالمعنى في الصلاة: أن الكلام يُبطل، والخطبة لا يبطلها الكلام، فلهذا لم يجز فيها.
قيل له: فيجب أن لا يمنع من التطوع أيضًا؛ لأنه لا يبطلها، وأيضًا:
الجزء: 3 - الصفحة: 221
فإن في إباحة الكلام ترك الإنصات استخفافًا بالإمام، وإبطالًا لمعنى الخطبة، وإزالة فائدتها، وذلك أولى ما وصف بأنه محرم؛ ولأن في الكلام ترك الإنصات، فيجب أن يمنع منه المستمع ابتداء؛ دليله: صلاة النفل، ولا يلزم عليه تحية المسجد؛ لأنها لا تفعل ابتداءً، وإنما تفعل لسبب، ومثله في الكلام يجوز منه ما له سبب، وهو رد السلام، وتشميت العاطس على إحدى الروايتين.
فإن قيل: الصلاة تتصل، والكلام يمكن قطعه.
قيل له: تحية المسجد تتصل، وتجوز عندك.
واحتج المخالف: بما روى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أصاب أهلَ المدينة قحطٌ على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فبينما هو يخطب يوم الجمعة، إذ قام رجل فقال: يا رسول الله! هلك الكراع 37، وهلك [الشاء] 38، فادع لنا أن يسقينا، فمدَّ يديه، ودعا، قال أنس: وإن السماء لمثل الزجاجة، فهاجت ريح، ثم أنشأت سحابة، ثم اجتمع، ثم أرسلت السماء عزاليها، فخرجنا نخوض في الماء حتى أتينا منازلنا، فلم يزل المطر إلى الجمعة الأخرى، فقام إليه ذلك الرجل، أو غيره، فقال: يا رسول الله! تهدمت
الجزء: 3 - الصفحة: 222
البيوت، فادع الله أن يحبسه، فتبسم رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، [ثم] 39 قال: "حوالينا ولا علينا"، فنظرتُ إلى السحاب تصدع حول المدينة كأنها أكليل 40. وروى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: دخل رجل ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - على المنبر يوم الجمعة، فقال: يا رسول الله! متى الساعة؟ فأشار إليه الناس: اسكتْ، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عند الثالثة: "ويحك! ماذا أعددت لها؟ "، قال: أحبُّ الله ورسوله، قال: "إنك مع من أحببت" 41. ورُوي عن جرير بن عبد الله - رضي الله عنه -: أنه قال: لما دنوت من المدينة، أنختُ راحلتي، وحللت عَيبتي 42، ولبست حُلَّتي، ودخلت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو يخطب، فسلم عليّ رسول الله، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله! هل ذكر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أمري شيئًا؟ قال:
الجزء: 3 - الصفحة: 223
نعم، ذكرك بأحسن الذكر 43.
والجواب: أن هذا محمول على الوقت الذي كان الكلام مباحًا في الصلاة، فكان مباحًا أيضًا في حال الخطبة، فلما نهي عن الكلام في الصلاة، نُهي عنه في حال الخطبة، وتكون الدلالة على صحة هذا: ما ذكرنا من الأخبار.
واحتج: بأنه ذكرٌ يتقدم الصلاة، فلا يجب السكوت في حال الاستماع؛ دليله: الأذان والإقامة.
والجواب: أن حال استماع الأذان لا تحرم النوافل المبتدأة، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يحرم التطوع لا لأجل الوقت، فحرم الكلام؛ دليله: حال الصلاة.
واحتج: بأنه غير متلبس بالصلاة، فلم يحرم عليه الكلام إذا كان على بعد من الإمام؛ بحيث لا يسمع صوت الإمام.
والجواب: أن المعنى هناك: أنه غير مستمع لها، وفي مسألتنا هو مستمع، ففي ترك الإنصات استخفافٌ بالإمام، وإبطالٌ لمعنى الخطبة؛ ولأنه لو كان خلف الإمام في صلاة يجهر فيها بها، لم يستحب له القراءة عندهم، ولكن مع سكتاته، ولو كان في صلاة يجهر بها، قرأ أي وقت
الجزء: 3 - الصفحة: 224
شاء، وقد قال أحمد - رحمه الله - (1): إن كان على بعد؛ بحيث لا يسمع قراءته، قرأ، وإن كان بحيث يسمع، لم يقرأ.
فالحكم في سماع الخطبة، وقراءة الإمام سواء.
احتج: بأن خطبة العيد لا يجب الإنصات فيها، كذلك خطبة الجمعة.
والجواب: أنه قد اختلفت الرواية في خطبة العيد، فروى حنبل: أنه قال (2): إذا خطب يوم العيد، أنصت إذا سمع الخطبة، فإذا لم يسمع، يرد السلام.
وهذا يدل على الإنصات، وروى حمدان بن علي عنه: أنه قال (3): يتكلم والإمام يخطب يوم العيد، ليس هو مثل الجمعة؛ فقد فرق بينهما، وكأنّ المعنى فيه: أن الخطبة للجمعة قائمة مقام الركعتين، فجاز أن يحرم الكلام، وهذا معدوم في خطبة العيد.