مَسْألَة: القنوت مسنون في الوتر في سائر السَّنة:
12 الجزء: 2 - الصفحة: 208
نص على هذا في رواية خطاب بن بشر 3، فقال: كنت أذهب إلى أن أقنت في النصف من رمضان، ثم رأيت أن لا يُضيَّق على الناس، ليقنتِ السنةَ كلَّها، ويرفعْ يديه، ويقنتْ بعد الركوع 4.
وقد أطلق القول في رواية أبي طالب 5، وأبي الحارث 6، فقال: أذهبُ إلى أن أقنت في النصف الأخير من رمضان، وقال في رواية مهنا 7: أما أنا، فلا أقنت إلا في النصف من شهر رمضان.
وقال في رواية أبي جعفر بن عبد الله الوراق 8 - وقيل له: يقنت الرجل السنة كلها؟ -، قال: إن قنت، فما بأس، لا يضره، أما أنا، فما نقنت إلا في النصف
الجزء: 2 - الصفحة: 209
الأخير من شهر رمضان.
وقال مثنى بن جامع 9: سألته عن القنوت، فأكثرُ علمي أنه لم يره في السنة كلها، وأجازه لمن فعله.
فظاهر هذا: أنه مسنون في النصف الأخير، ولا يستحب ذلك في كل ليلة، وعندنا 10: أنه قد رجع عن هذا القول؛ لأنه قد صرح بذلك في رواية خطاب، وبهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - 11.
وقال مالك 12، والشافعي 13 - رحمهما الله -: يقنت في النصف الأخير من رمضان.
دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 14 قال: نا وكيع قال: نا يونس بن أبي إسحاق 15 ................................
الجزء: 2 - الصفحة: 210
عن بريد 16 بن أبي مريم السلولي 17، عن أبي الحوراء 18، عن الحسن قال: علمني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: "اللهمَّ اهدِني فيمَنْ هديت، وعافِني فيمن عافيت، وتولَّني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يُقضى عليك، إنه لا يذلُّ مَنْ والَيْت، تبارَكْتَ [رَبَّنا] 19 وتعالَيْت" 20.
الجزء: 2 - الصفحة: 211
وروى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده، وأبو بكر عبد العزيز بإسناده عن أبي الحوراء، عن الحسن بن علي - رضي الله عنهما - قال: علمني جدي رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - كلماتٍ أقولهن في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمن هديت، وعافني فيمن عافيت، وتولني فيمن توليت، وبارك لي فيما أعطيت، وقني شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذلُّ من واليت، تباركت [ربنا] وتعاليت" 21.
وروى إبراهيم الحربي بإسناده 22 في لفظ آخر هذا الدعاء، وزاد فيه: يقول، أو تقول في القنوت في الوتر، وهذا إشارة إلى كل وتر.
فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن محمد بن إسحاق بن خزيمة ذكر في مختصر المختصر 23: روى شعبة قال: حدثني ابن أبي مريم عن أبي الجوزاء قال: سألت الحسن، أو قال: قلت للحسن بن علي - رضي الله عنهما -: ما تذكر من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؟ فقال: كان يعلمنا هذا الدعاء: اللهم اهدني فيمن هديت ... إلى آخره، فقال ابن خزيمة: شعبةُ أحفظ من أبي إسحاق، ومن عدد مثل أبي إسحاق، فقد أنكروا هذا الحديث.
قيل له: هذا حديث ثابت، قد روى أبو بكر النجاد، وأبو بكر عبد العزيز - رحمهما الله - من طريق، ويجوز أن لا يقع لشعبة، وقد قال
الجزء: 2 - الصفحة: 212
أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل 24: يدعو بدعاء ابن مسعود: اللهم إنا نستعينك 25، فإذا فرغ من ذلك، فدعاء الحسين بن علي - رضي الله عنهما -. قال الخلال: وَهِمَ حنبل في قول ابن مسعود، إنما هو عمر 26، وهذا يدل على صحة الحديث عن الحسن، لأن أحمد أخذ به.
فإن قيل: فأحمدُ قد ضعفه؛ لأن الميموني قال لأحمد: عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في القنوت في الوتر شيء؟ فرأيته منكرًا للقنوت، فقلت له: شعبة وسفيان يرويه، فقال: إنما قال: كان يدعو، ولم يقل: يقنت 27، وكذلك ابن مشيش 28، فقال: ذكر أبو عبد الله حديث القنوت، فقال: هو
الجزء: 2 - الصفحة: 213
صحيح، إنما يقول: علَّمَني دعاء، ولم يقل: دعاء القنوت.
قيل: لم ينكر أحمد أصل الحديث في الدعاء، وإنما أنكر لفظ القنوت، وقد قال في رواية الميموني في موضع آخر 29 - وقد سأله: هل يعرف قنوتًا في الوتر؟ -، قال: لا، إلا ما علم الحسن من ذلك الكلام، وهذا يدل على تصحيحه له.
وروى أبو بكر بإسناده عن الحارث 30 عن علي - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في وتره: "اللهمَّ إني أعوذُ برضاك من سخطك، وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك لا أُحصي ثناءً عليك، أنت كما أَثنيتَ على نفسك" 31.
وقوله: كان يقول في وتره إخبارٌ عن دوام الفعل، وهذا هو القنوت،
الجزء: 2 - الصفحة: 214
ولأنه ذكر مسنون في هذه الصلاة، فوجب أن لا يختص بزمان دون زمان، أو لا يختص النصف الأخير من رمضان؛ قياسًا على سائر الأذكار.
فإن قيل: لمَّا اختصَّ فعلُه بالجماعة في رمضان دون سائر السنة، جاز أن يختص بعض أذكاره بزمان دون زمان.
قيل له: ولِمَ وجب ذلك؟ ثم يقال له: أليس لم يختص فعله جماعة في النصف من رمضان، بل يفعل في جميع رمضان، فيجب أيضًا أن لا يختص القنوت بالنصف الأخير.
واحتج المخالف: بما روى أبو داود بإسناده 32: أن أُبي بن كعب أمّهم في رمضان، فكان يقنت في النصف الأخير، وروى: كان لا يقنت بهم إلا في النصف الأخير 33، ومعلوم أن الصحابة - رضي الله عنهم - كانت تجتمع لذلك، ولم ينقل عن أحد خلافه.
وروى الحارث عن علي - رضي الله عنه - قال: كان يقنت في النصف من رمضان 34.
الجزء: 2 - الصفحة: 215
ونافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان لا يقنت إلا في النصف من رمضان 35.
والجواب: أن إسماعيل بن سعيد الشالنجي قال: نا محمد بن الحسن عن أبي حنيفة، عن حماد 36، عن إبراهيم، عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: كان يقنت في السنة كلها في الوتر قبل الركوع 37، وهذا خلاف ما ذكروه عن أُبيّ، وعلى أنه يحتمل أن يكون لم يصلِّ بهم الوترَ إلا في النصف الأخير من رمضان، وصلَّى قبل ذلك لنفسه في بيته، وعلى أن أبا حفص البرمكي روى في مجموع له بإسناده عن أبي عبد الرحمن 38: أن عليًا كان يقنت في الوتر السنةَ كلَّها، ......................... = الصلاة، باب: من قال: لا يقنت في الوتر إلا في النصف الأخير من رمضان، رقم (4631)، والحارث مضت ترجمته، وفي حديثه ضعف.
ينظر: التقريب ص 125.
الجزء: 2 - الصفحة: 216
في شهر رمضان وغيرِه (1).
وعلى أن ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أولى مما رُوي عن أبيّ بن كعب.
واحتج: بأنه لا يستحب فعلُه في جماعة، فلا يستحب فيه القنوت، دليله: سائر الصلوات.
والجواب: أنه يستحب فعله في جماعة في النصف الأول، ولا يستحب القنوت عندك، فلا معنى لهذا، ولأن القنوت في سائر الصلوات لا يستحب في النصف الثاني، فلم يستحب فيما قبله، وهذا بخلافه.
والله أعلم، وله الحمد والمنة، وهو حسبي ونعم الوكيل.
85 -