مَسْألَة: الأفضل في النوافل أن يسلِّم من كل ركعتين، بالليل والنهار:
نص عليه في رواية الفضل بن زياد، وأبي بكر بن حماد المقرئ 2، وأحمد بن أصرم المزني 3.1
الجزء: 2 - الصفحة: 150
وهو قول مالك 4، والشافعي 5 - رحمهما الله -. وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: في صلاة الليل إن شاء صلى ركعتين، وإن شاء أربعًا، وإن شاء ستًا، وإن شاء ثمانيًا، ولا يزيد على ذلك بتسليمة واحدة، وفي صلاة النهار إن شاء أربعًا، وإن شاء ركعتين بسلام، ولا يزيد على الأربع بسلام واحد 6. دليلنا: ما روى أحمد - رحمه الله - 7 - ذكره أبو بكر في كتابه - قال: نا غير واحد، وجَوَّده 8 غُندر، قال: نا شعبة عن يعلى بن عطاء 9: [أنه سمع] 10 عليًا الأزدي 11 ..................................... = في مسائله رقم (356)، وينظر: الجمع الصغير ص 50، والهداية ص 88، والمغني (2/ 537).
الجزء: 2 - الصفحة: 151
[يحدث: أنه] 12 سمع ابن عمر - رضي الله عنهما -: سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "صلاة الليل مثنى مثنى" 13. وروى أحمد 14 - وذكره أبو بكر - قال: نا أبو أحمد الزبيري 15 قال: نا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد 16 عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلي النبي - صلى الله عليه وسلم - سأله عن صلاة الليل؟ فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، تسلم في كل ركعتين، فإذا خِفْتَ الصبحَ، فصلِّ ركعة توتر لك ما قبلَها" 17. وروى أبو بكر من طريق آخر عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سُئل النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 152
عن صلاة الليل؟ فقال: "مثنى مثنى، فإذا خفتَ الصبحَ، فأوتر بركعة" 18.
فإن قيل: المراد: الجلوس في كل ركعتين.
قيل له: هذا لا يصح من وجوه: أحدها: أنه يسلم في كل ركعتين، وهذا يجب أن يُحمل على السلام المعهود الذي يخرج به من الصلوات.
والثاني: لو أراد هذا، لبيَّن مقدار الركعات التي يسلم فيها؛ لأنه - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ذلك، فلما لم يبين، دل على أنه أراد: أن يسلم من كل مثنى.
الثالث: أنه إنما يقال: صلى مثنى مثنى: إذا سلم من كل ركعتين، فأما إذا جمع بين ركعات بإحرام واحد، لا يجوز أن يقال: صلى مثنى مثنى، ولهذا لم يقل أحد: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر مثنى مثنى، وصلى العصر مثنى مثنى، وصلى العشاء الآخرة مثنى.
الرابع: أن هشام بن عروة يقول: حدثني أبي: أن عائشة - رضي الله عنها - حدثته: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يرقد، فإذا استيقظ، صلى ثماني ركعات، يجلس في كل ركعتين، ويسلم 19.
الجزء: 2 - الصفحة: 153
وهذا يدل على أن المراد بقوله: "مثنى مثنى": بتسليمه من كل ثنتين 20.
وروى الزهري عن عروة عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي فيما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى أن ينصدع الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ثنتين، ويوتر بواحدة 21.
ولا يجوز أن يكون فعله مخالفًا لقوله، فدل على أن المراد به: مثنى مثنى بالتسليم.
والقياس: أنها صلاة تطوع مشفوعة، فالأفضل أن تكون ركعتين؛ قياسًا على ركعتي الفجر، وتحية المسجد، وصلاة التراويح.
فإن قيل: ركعتا الفجر ثبت في الأصل كذلك، فلم تجز الزيادة عليها، وما اختلفنا فيه تطوع مبتدأ، فالأفضل المتابعة فيه.
قيل له: فلهذا المعنى قسنا، وهو أنه ثبت في الأصل على هذا الوجه، وهي نافلة، فيجب أن تُحمل بقية النوافل على ذلك.
فإن قيل: ليس من حيث كان بعض النوافل ركعتين يجب أن يكون جميعها كذلك؛ كالفروض.
الجزء: 2 - الصفحة: 154
قيل له: لا يمتنع أن تختلف الفروض، وتتفق النوافل؛ بدليل: أن المغرب ثلاث، والنفل لا يكون ثلاثًا.
واحتج المخالف: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بعد العشاء أربع ركعات، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن، ثم يصلي أربعًا، لا تسلْ عن حسنهن وطولهن" 22، وظاهره: أنه كان يصلي أربعًا بتسليمة واحدة؛ ولأنه لو كان يسلم في كل ركعتين، لقالت: كان يصلي ركعتين.
والجواب: أنه يجوز أن يكون المراد به: أربع ركعات بتسليمتين، ثم ينام، ثم يقوم ويأتي بأربع ركعات بتسليمتين، ثم يوتر بثلاث، يدل عليه: ما روى سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال: بتُّ في بيت خالتي ميمونةَ بنتِ الحارث، فصلى النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم جاء فصلى أربعًا، ثم نام، ثم قام فصلى 23، ويحتمل أن يكون صلى أربعًا بتسليمتين، ثم إنه كان يسلم من كل ركعتين.
واحتج: بما روي عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالليل ثمان ركعات، لا يجلس إلا في آخرهن، ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 155
يصلي ركعة أخرى 24، ومعلوم أنها أرادت: الجلوسَ للسلام لا يفارق الجميع، على أن مِن السنة الجلوسَ في كل ركعتين.
والجواب: أن المخالف لا يجوز أن يحتج به؛ لأنه لا يجوز الوتر عنده هكذا، ولا يجوز أن يزاد على ثلاث ركعات، وعنده: أن الأفضل أن يجلس في كل ركعتين، فإن يسلم، فلم يكن فيه حجة، ولأن ظاهر الخبر أنه كان يسرد الركعات الثمانية من غير جلوس في كل ركعتين، وهذا غير مستحب، فعلم أنه قصد بهذا بيان الجواز، وأن الأفضل غيره، وقد نص أحمد - رحمه الله - على جواز هذا، فقال في رواية أبي طالب: من صلى خمسًا أو سبعًا، لم يجلس إلا في آخرهن 25، وكذلك نقل جعفر بن محمد عنه: أنه قال: إذا كان يوتر بتسع، لم يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة (2).
واحتج في رواية أبي طالب: بحديث عائشة - رضي الله عنها -: أوتر خمسًا لم يجلس إلا في آخرهن 26، ......................
الجزء: 2 - الصفحة: 156
وبتسع جلس في الثامنة 27. فإن قيل: فإذا كان قد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يصلي بالليل ثماني ركعات لا يجلس إلا في آخرهن، فلِمَ كَرِهَ أحمد أن يتنفل بالليل بأربع بسلام واحد، ولم يكره ذلك بالنهار، حتى قال: إذا نهض إلى ثالثة في صلاة الليل، رجع فجلس 28؟ قيل: أما صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - ثماني ركعات بسلام واحد، فإنما أوترها، فجاز ذلك اتباعًا 29 لفعله - عليه السلام -، فأما التطوع الذي لا يقصد به الوتر، فإنما كره الجمع بسلام واحد؛ بخلاف نوافل النهار؛ لأن الأخبار لم تختلف في نوافل الليل أنها مثنى، إلا ما جاء في الوتر، واختلف في نوافل النهار في الأربع قبل الظهر بسلام واحد، وبما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهم -: أنه كان يصلي بالليل مثنى مثنى، وبالنهار أربعًا أربعًا، ويسلِّم 30.
الجزء: 2 - الصفحة: 157
واحتج: بما روي عن عمر - رضي الله عنه -: أنه قال: من صلى بعد العشاء الآخرة أربع ركعات، كُنَّ كمثلهن من ليلة القدر 31، ومقادير أبواب الأعمال لا تُعلم إلا من طريق التوقيف، فصار كأنه قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك.
والجواب عنه: أنه ليس فيه أربع 32 بسلام واحد، ويحتمل أن يكون بسلامين؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما روى وكيع عن عبيدة بن معتب 33 عن إبراهيم 34، عن سهم بن منجاب 35، ..........................................
الجزء: 2 - الصفحة: 158
عن قزعة 36، عن قرثع الضَّبِّي 37، عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي أربعًا قبل الظهر إذا زالت الشمس، يقرأ فيهن، لا يفصل بينهن بتسليم، وقال: "إن أبواب السماء تفتح ... " 38، وظاهره يقتضي: أنه كان يصلي بتسليمة واحدة؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لوجب أن يقول الراوي: كان يصلي ركعتين.
والجواب: أن هذا خبر ضعيف، طَعَن في رجاله أحمد - رحمه الله -، وغيره، ثم أئمة أصحاب الحديث 39، فقال أحمد بن أصرم المزني: سمعت أحمد بن خازم المعروف بأبي جعفر الإمام 40 - وكان من أصحاب أحمد المتقدمين - قال: رأيت أبا عبد الله يومًا وإسحاق بن أبي إسرائيل 41
الجزء: 2 - الصفحة: 159
قائمًا في المسجد، جاءا جميعًا قبل الصلاة، فصلى أبو عبد الله قبل الصلاة عشر ركعات، ركعتين، ركعتين، وصلى إسحاق ثماني ركعات، أربعًا، أربعًا 42، لم يفصل بينهن بسلام، فقلت لإسحاق: صليت أربعًا؟ ! فقال: حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يصلي قبل الظهر أربعًا لا يفصل بينهن بتسليمة واحدة.
قال: فجئت إلي أبي عبد الله، فقلت له: رأيتك صليت قبل الجمعة عشر ركعات، ركعتين، ركعتين؟ ! فقال: حديث ابن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الليل والنهار مثنى مثنى" 43، فقلت له: حديث أبي أيوب الأنصاري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأربع؟ فقال: هذا رواه قرثع، وقزعة، مَن قرثع؟ ومَن قزعة؟ 44.
وقال ابن خزيمة: عبيدة بن معتب 45 لا يحتج به 46. قال أبو داود: قال يحيى بن سعيد القطان: لو حدثت عن عبيدة بن المعتب بشيء 47، لحدثت عنه بهذا الحديث 48 ........................................ = (صدوق تُكلِّم فيه لوقفه في القرآن)، توفي سنة 245 هـ. ينظر: التقريب ص 71.
الجزء: 2 - الصفحة: 160
قال ابن خزيمة: سمعت أبا قلابة 49 [يحكي عن] 50 هلال بن يحيى 51، قال: سمعت يوسف بن خالد السمتي 52 يقول: قلت لعبيدة بن معتب: هذا الحديث ترويه عن إبراهيم سمعتَه كلَّه؟ قال: منه ما سمعتُه، ومنه ما أقيس عليه.
قال: قلت: حدثْني بما سمعتَ؛ فإني أعلمُ بالقياس منك 53.
وعلى أنه لو صحَّ، فليس فيه أنه صلاها بسلام واحد، وهذا كما روت أم هانئ - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الضحى ثماني ركعات 54، ولا يدل على أنها كانت بتسليمة واحدة، كذلك ها هنا، وقد قال أحمد - رحمه الله - 55 في رواية أبي جعفر محمد بن موسى
الجزء: 2 - الصفحة: 161
البرار 56، وذكر قول أبي حنيفة - رحمه الله -: لو أن رجلًا صلى ثماني ركعات، لم يسلم إلا في آخرها، كان مصيبًا؛ لحديث 57 أم هانئ - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى ثماني ركعات لم يسلم إلا في آخرهن، قيل 58 لأبي حنيفة: ليس في الحديث: لم يسلِّم.
وعلي أنه لو كان فيه أنها بسلام واحد، فالخبر يدل على فضيلة هذه الصلاة في نفسها، ولا يدل على أنها أفضل من غيرها، ونحن لا نمنع فضلها، وإنما خلافنا فيما هو أفضل منها.
واحتج: بما روت أم حبيبة - رضي الله عنها - قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من حافظ على أربعِ ركعات قبل الظهر، وأربعِ ركعات بعدها، حُرِّم على النار" 59. = بدون ذكر الراوي عنه.
الجزء: 2 - الصفحة: 162
وروت أيضًا أم حبيبة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "من صلى في يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة، بنى الله له بيتًا في الجنة: أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد صلاة المغرب، وركعتين بعد صلاة العشاء، وركعتين قبل صلاة الصبح" 60.
والجواب عنه: ما تقدم، وأنه لا دلالة فيه على أنها بسلام واحد أم سلامين، كما لم يدل حديث أم هانئ في صلاة الضحى أنه بسلام واحد.
واحتج: بأن المتابعة بين المغرب صفة زائدة فيها قربة، ألا ترى أن الله تعالى أمر بصيام شهرين متتابعين في كفارة الظهار، وكفارة القتل، فلولا أن التتابع في صوم الشهرين قُربة، لما أمر به، وكذلك لو قال: لله عليَّ أن أصلي أربع ركعات بتسليمة واحدة، لم يكن له أن يصليها بتسليمتين، ولو قال: بتسليمتين، جاز له أن يصليها بتسليمة، ولو قال: لله عليَّ أن أصوم أربعة أيامٍ متتابعات، لم يكن له أن يفرقه، ولو قال: متفرقًا، جاز له أن يتابعه، فإذا ثبت أن التتابع في الفرض أفضلُ من التفريق، وجب أن يكون أربعُ ركعات بتسليمة، أفضلَ منها بتسليمتين.
والجواب عن قولهم: إن المتابعة صفة في القربة، فتبطل بالزيادة = (1160)، وصححه النووي.
ينظر: شرح صحيح مسلم (6/ 251).
الجزء: 2 - الصفحة: 163
على أربع ركعات بتسليمة واحدة بالنهار، وعلي ثماني ركعات بتسليمة واحدة بالليل، وأما الصوم، فإن التتابع فيه لا يختص بعدد محصور، ويخالف الصلاة؛ لأنه لا يختص عند المخالف بأربع بالنهار، وبالثماني ركعات بالليل، فافترقا، وأما النذر، فينظر، فإن نذر أن يصليهما بتسليمة واحدة، احتمل أن يجوز أن يصليهما بتسليمتين؛ كما إذا نذر أن يحج ويعتمر قِرانًا، جاز أن يفرد إحداهما عن الأخرى؛ لأن الإفراد عندنا أفضل من القران.
ثم نقول للمخالف: ما تقول إذا نذر أن يصلي عشر ركعات بتسليمة واحدة، هل يجوز أن يفرق، أم لا؟ وكل جواب له، فهو جوابنا عما قاله.
واحتج: بأنه إذا لم يسلم في الثنتين، كان قيامه إلي الثالثة من أفعال الصلاة، وإذا سلم، لم يكن القيام بعد السلام من أفعالها، وأفعال الصلاة أفضلُ من غيرها.
والجواب: أنه يلزمهم - على هذا - الزيادةُ على ثماني ركعات، وعلى أنه إذا سلم في الثنتين، حصل له زيادة تسليم، وتكبير، ودعاء في التشهد.
واحتج: بأن في فرائض النهار أربعًا، فجاز أن يكون في التطوع أربع بحذائها الفروض.
والجواب: أن في فرائض الليل ثلاثًا، وليس في تطوع ثلاثٌ، فبطل اعتبار أحدهما بالآخر، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 164
82 -