مَسْألَة: الآدمي لا ينجس:
وقد أومأ إليه أحمد رحمه الله في رواية جعفر بن محمد وقد سئل عن الميت يغسل في البيت فيدخل الماء الحفيرة هل ينجس البيت؟ قال: لا، ولكن يرش عليه.
وظاهر هذا أنه طاهر؛ لأنه حكم بطهارة الماء المنفصل منه، ولأن أصوله تقتضي طهارته؛ لأنه أجاز الصلاة في الثوب الذي نشف فيه الميت، نص عليه في رواية مهنا، فلو كان ينجس بالموت لم يطهر بالغسل؛ لأن نجاسة الموت لا تزول، ولهذا قال: الدباغ لا يطهر، وقد علق القول في رواية المروذي في الماء الذي ينتضح من غسل الميت فيصيب الثوب أو الخف ترى أن يغسله؟ قال: نعم.
وهذا محمول على أنه أصابه من انجائه فبهذا أوجب غسله.
وقال أيضًا في رواية المروذي في الرجل يموت في البئر فقال: كم فيها؛ قيل: قلتان، فلم ير به بأسًا.
وقال أيضًا في رواية صالح في صبي وقع في بئر فيها ماء غزير فمات فيها: ينزح الماء حتى يغلبهم.
وكذلك نقل أبو الحارث.
الجزء: 4 - الصفحة: 155
قال أصحابنا: إنما قال هذا لأن الغالب من حال الميت أنه يحدث عند خروج جروحه، فحكم أحمد رحمه الله بنجاسة الماء لهذه العلة إلا 1 أن الآدمي ينجس بالموت.
وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه -.
قال أبو حنيفة رحمه الله: ينجس بالموت، ويطهر بالغسل.
دليلنا: ما روي عن عطاء بن أبي رباح عن 2 عبد الله بن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تنجسوا موتاكم، فإن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا".
فإن قيل: معناه ليس بنجس نجاسة لا تزول كالخنزير.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأن الخبر يقتضي نفي النجاسة، وإثبات الطهارة، فهو كقوله عليه السلام: "لا تحرموا لحم الفرس فإنه ليس بحرام"، فإنه يقتضي نفيًا لتحريمه، وإثباتًا لطهارته، وعلى أن هذا التأويل لا يصح في حال الحياة؛ لأنه في حال الحياة اقتضى نفيًا للنجاسة وإثباتًا للطهارة يجب أن يكون في حال الموت كذلك؛ لأن لفظ المنع في الحالتين سواء.
ولأنه أذى فيجب أن لا ينجس بموته، أصله: الشهيد.
فإن قيل: القتل على وجه الشهادة يوجب التطهير، ألا ترى أنه
الجزء: 4 - الصفحة: 156
لا يغسل وسائر الموتى يغسلون؟ !
قيل له: الغسل لا يدل على النجاسة؛ لأن الجنب يجب أن يغتسل وليس بنجس، ولأن الغسل ليس للنجاسة؛ لأن نجاسة الموت لا يزيلها الغسل، ألا ترى أن البهيمة إذا ماتت وصارت نجسة لم تطهر بالغسل، بل تزيد نجاستها بالغسل.
واحتج المخالف: بما روي أن زنجيًا مات في بئر زمزم فنزح ماء البئر، وهذا يدل على أنه تنجس بالموت، فتنجس ماء البئر.
والجواب: أنه يحتمل أن يكون فعله تنظيفًا لا واجبًا، ويحتمل أن يكون ظهر على الماء لون الدم، [و] الذي يدل على صحة هذا ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "لا تنجسوا موتاكم، فإن المؤمن ليس بنجس حيًا ولا ميتًا".
واحتج: بأن له دمًا سائلًا ولا يعيش في الماء، فوجب أن ينجس بالموت، دليله: الإبل، والبقر، والغنم.
والجواب: أنه ينتقص بالشهيد، وعلى أنا نقابله فنقول: وجب أن يكون قبل الموت وبعده سواء قياسًا على ما ذكرت.
واحتج: أنه لو قطع طرف من أطرافه لكان نجسًا كذلك الجملة إذا ماتت.
والجواب: أن في ذلك روايتين:
إحداهما: أنه طاهر كالجملة، نص عليه في رواية الأثرم وسئل في الرجل يقتص منه من أذن أو أنف فيأخذ المقتص منه فيعيده بحرارته
الجزء: 4 - الصفحة: 157
فيبت 3، هل يكون ميتة؟ قال: أرجو أن لا يكون به بأسًا.
وكذلك نقل صالح فيمن قطع عضو من أعضائه فأعاده مكانه فلا بأس، فقيل له: يعيد سنّه؟ قال: أما من نفسه فلا بأس.
وهذا يدل على طهارته، فعلى هذا يسقط السؤال.
والثانية: أنه ينجس، أومأ إليه في رواية المروذي في الرجل ينقلع سنَّه 4 ثم يرده إلى موضعه فيمكث أيامًا يصلي فيه ثم ينقلع، فقال: كان الشافعي - رضي الله عنه - يقول: يعيد؛ لأنه صلى في ميتة، وما أبعد ما قال! بل لو أخذ سن شاة فوضعه لم يكن به بأس، وذهب إلى أن يعيد ما صلى.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم عنه في رجل وقع ضرس من أضراسه فأعاده في موضعه ثم نظر إليه بعد أيام أو شهر فإذا هو قد انقلع ولم يلتحم، يعيد الصلاة من يوم رجعه إلى يوم قلعه، ولو وضع سن شاة أو سن شيء ذكي أجزأه، ولم يعد الصلاة، وهو أصح، فعلى هذا يبطل بالشهيد، فإنه لو قطع طرفه لكان نجسًا ولو قتل لكان طاهرًا.
ولأن للجملة من الحرمة ما ليس للطرف إذا بان منها في حال الحياة، ألا ترى أنه لا يغسل ولا يصلى عليه، والجملة تغسل ويصلى عليها؟ ! والله أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 158
44 -