مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في قوله تعالى في سورة ﴿ص﴾: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]، هل هو موضع لسجود التلاوة؟ :
فنقل المروذي 1، وحرب 2 عدد سجود القرآن أربع عشرة، فأخرج منها سجدة، ....................................
الجزء: 1 - الصفحة: 295
وهو اختيار الخرقي 3، وبه قال الشافعي - رحمه الله - 4.
ونقل صالح 5، والأثرم 6، والفضل بن زياد 7: أنها خمس عشرة، فأثبت ﴿ص﴾.
وهو قول مالك 8، وأبي حنيفة 9 - رحمهما الله -.
وجه الأولة: ما روى أبو داود بإسناده 10 عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: قرأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو على المنبر: ﴿ص﴾، فلما بلغ السجدة، نزل فسجد، وسجد الناس معه، فلما كان يوم آخر، قرأها، فلما بلغ السجدة، تشرَّفَ الناس للسجود، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما هي توبةُ نبي، ولكن رأيتكم تشزنتم 11 للسجود، فنزل وسجد" 12، وهذا يدل
الجزء: 1 - الصفحة: 296
على أنه ليس بترغيب في السجود، وإنما هو إخبار عن توبة داود - عليه السلام -، وأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سجد للشكر.
فإن قيل: لما سجد في المرة 13 الأولى عند التلاوة، دل على أنه موضع للسجود، وقوله: "ولكني رأيتكم تشزنتم" يدل على جواز التأخير، وقوله: "إنما هي توبة نبي" لا ينفي كونها من العزائم؛ بدليل أن داود - عليه السلام - سجدها على وجه التوبة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - سجدها لتلاوة الآية.
قيل: أما سجوده في الرفعة 14، فإنما أراد به الشكر لا التلاوة.
بدليل: أنه بين عن ذلك في المرة الثانية، وقال: "إنما هي توبة نبي".
وقولهم: إن قوله: "رأيتكم تشزنتم" يدل على التأخير، لا يصح؛ لأنه بين عن العلة التي لأجلها أراد الترك، وهو كونها توبة نبي.
ورُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "سجدها نبي الله داود - عليه السلام - توبة، وسجدناها شكرًا" 15، وهذا نص.
= والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: سجدة ﴿ص﴾، رقم (3740)، وقال: (هذا حديث حسن الإسناد صحيح).
الجزء: 1 - الصفحة: 297
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
روى أحمد بإسناده 16 عن عكرمة 17 عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: ليس من عزائم السجود، ولقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها 18.
فإن قيل: قوله: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسجد فيها يدل على أنها من عزائمه.
قيل له: بل يدل على أنها شكر، إلا أنه قد بين ذلك فيما ذكرنا، وروى ابن المنذر 19 عن ابن مسعود - رضي الله عنه -: أنه كان لا يسجد في ﴿ص﴾، ويقول: إنها توبة نبي 20. = (ليس بالقوي)، وذكر أن المرسل هو المحفوظ.
ينظر: سنن البيهقي (2/ 452)، ومعرفة السنن والآثار (3/ 252).
الجزء: 1 - الصفحة: 298
والقياس: أنها توبة نبي، فوجب أن لا يتعلق بتلاوتها سجود، أصلُه: قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾ [البقرة: 37]، وقوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (121) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى﴾ [طه: 121, 122].
فإن قيل: أجمعنا على الفرق بينهما؛ لأنه إذا قرأ: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24]، سجد، وإذا قرأ توبة آدم، لا يسجد، فدل أنه في ﴿ص﴾ للتلاوة.
قيل له: لا فرق بينهما عندنا؛ لأنه لا يسجدهما لتلاوتهما، وليس واحد منهما حثًا على السجود، ولا ترغيبًا، فقد سوّينا بينهما في ذلك.
وأما قوله: إنكم تسجدون لتوبة داود، ولا تسجدون لتوبة آدم - عليه السلام -، فإنما فرقنا بينهما؛ لأن آدم - عليه السلام - لم يسجد لتوبته، وداود - عليه السلام - سجد لتوبته، فسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للشكر على صفته وهيئته.
وأيضًا 21: فإنه ليس بحثٍّ على السجود، ولا ترغيب فيه، وإنما السجود في الموضع الذي يكون [في] القرآن حثًا على السجود، وترغيبًا فيه، ألا ترى أن سائر مواضع السجود فيها أمرٌ بالسجود، أو حث عليه؛ كقوله تعالى: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19]، وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا﴾ [النجم: 62]، ونحو ذلك، وها هنا هو خبر عن فعل داود - عليه السلام -، وليس بحث، فوجب أن لا يتعلق بتلاوته السجود.
الجزء: 1 - الصفحة: 299
واحتج المخالف: بما رُوي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه سجد في ﴿ص﴾، وقال: رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - سجد فيها 22، وظاهره: أنه يقتضي للتلاوة 23.
والجواب: أنه سجدها شكرًا، لا للتلاوة؛ بدليل: ما ذكرنا في خبر آخر.
واحتج: بأن من يقول: إنها سجدة شكر 24، فإنه يفعلها للتلاوة، فإذا كان كذلك، قلنا: إن كل سجدة تعلقت بالتلاوة فإنها من سجدات التلاوة.
دليله: سائر السجدات التي في القرآن.
والجواب: أنها غير متعلقة بالتلاوة، وإنما [تكون] 25 شكرًا على ما أنعم الله على داود - عليه السلام - بقبول توبته واستغفاره لذنبه، وتكون التلاوة سببًا للعلم بذلك أو التذكر.
واحتج: بأن مواضع السجود على ضربين: أحدهما: ذُم قوم على ترك السجود؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: 21]، ومُدح قوم على فعل السجود؛ مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ [وَيُسَبِّحُونَهُ] 26 وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]، وقوله:
الجزء: 1 - الصفحة: 300
﴿وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] حكاية عنه على وجه المدح له، فوجب أن يكون موضعًا للسجود.
والجواب: أنه ليس بمدح، إنما هو إخبار عن ذنبه واستغفاره وتوبته، قال: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: 24]؛ أي: علم داود قول الملكين له: ﴿إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: 23] تنبيهًا له على ذنبه في امرأة أوريا 27، وليس كل خبر عن ذنب وتوبة يوجب أن يكون مدحًا لفاعله، فلم يكن حجة على أنه مدح؛ ولأنه إنما يكون حثًا وترغيبًا لمدح إذا كان المدح لمن أطاع من غير معصية، فأما من عصى ثم تاب، وأذنب ثم استغفر، فإنه إذا فعل ذلك ترغيبًا أو حثًا على مثله، وجب أن يكون حثًا على الذنب والتوبة، وهذا لا يجوز، فبان بهذا أنه ليس بمدح؛ إذ لو كان مدحًا، لم يكن للترغيب والحث والتحريض.
واحتج: بأنه لو كان للشكر، لبطلت الصلاة به.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولو قلنا: إنها تبطل كسائر سجود الشكر، لم يمتنع، وإن قلنا: لا تبطل، فوجهه: أن سبب العلم بهذه النعمة هو القرآن وإذ 28 سبب، وجعل العلم بالسبب من جهة التلاوة لم تبطل الصلاة، وتخالف سائر سجود الشكر.
الجزء: 1 - الصفحة: 301
والوجه الأول أقطع لكلام الخصم.
25 -