مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في دخول أهل الذمة في سائر المساجد غير المسجد الحرام:
فنقل أبو طالب عنه 2: في اليهودي والنصراني والمجوسي1
الجزء: 2 - الصفحة: 87
لا يدخلوا المسجد، لا ينبغي لهم أن يدخلوا.
فظاهرُ هذا المنع.
وهو قول مالك - رحمه الله - 3.
ونقل الأثرم عنه 4 - وقد سئل: هل يتركون 5 أهل الذمة يدخلون المسجد؟ -، فقال: ينبغي أن يتوقى ذلك، قيل له: فإن رأى رجل ذميًا، أيخرجه؟ قال: قد روي في هذا حديث وفد ثقيف أتوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزلهم المسجد 6، وعمرُ - رضي الله عنه - كرهه 7.
فظاهر هذا: جوازُ ذلك، وهو قول أبي حنيفة 8، والشافعي 9 - رحمهما الله -.
الجزء: 2 - الصفحة: 88
فوجهُ المنع: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ [البقرة: 114]، وجميع الكفار يريدون قتالنا، ويعتقدون منعنا عن ذكر الله تعالى في مساجدنا، فوجب أن يكونوا ممنوعين بقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ إخبارٌ عن حالهم: أنهم متى دخلوها، خافوا أن يوقع بهم.
فإن قيل: هذه الآية نزلت في قوم من اليهود، فيجعل حكمها مقصورًا عليهم 10.
قيل له: اللفظ أعمُّ من السبب، فلا يجب قصره عليه، وروى ابن شاهين في كتاب المناهي لإسناده عن راشد - يعني: ابن سعيد - رضي الله عنه -، قال: "نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يدخل المجوس المساجد" 11.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -: رُوي أن أبا موسى قدم على عمر بن الخطاب - رضي الله عنهما -، ومعه كاتب له يرفع 12 حسابه، فأعجب عمر، وجاء عمر كتاب، فقال لأبي موسى: أين كاتبك حتى يقرأ هذا الكتاب على الناس؟ فقال أبو موسى: لا يدخل 13 المسجد، قال: لم؟ قال: لأنه نصراني 14.
الجزء: 2 - الصفحة: 89
ورُوي: أن عليًا - رضي الله عنه - كان على المنبر، فبصر بمجوسي، فنزل فضربه حتى أخرجه من أبواب كندة 15؛ ولأنه لما منع الجنب والحائض تعظيمًا لحرمته، وهما أقربُ إلى الطهارة، والإباحة، وحسنِ الاعتقاد من الكافر، فكان الكافر بأن يُمنع منه أَولى، ولأنه بيت الله تعالى منع الكافر منه، دليله: المسجد الحرام؛ فإن الشافعي - رضي الله عنه - قد وافق أنه لا يجوز دخوله 16.
فإن قيل: لا يجوز اعتبار المسجد الحرام بسائر المساجد، بأنه 17 جُعل قبلة المصلين، ومطافًا للطائفين، ومحلًا للمحْرِمين، وخصه بأن منع من قتل الصيد حواليه، ومن دخله بغير إحرام.
= إذن، رقم (18727)، وفي سنده عمرو بن حماد القنّاد، قال ابن حجر: (صدوق، رمي بالرفض) يرويه عن أسباط بن نصر، ضعّفه أبو نعيم، قال النسائي: (ليس بالقوي)، وقال ابن حجر: (صدوق كثير الخطأ يُغْرِب)، يرويه عن سماك بن حرب، قال ابن حجر عنه: (صدوق ... ربما تلقّن)، وقد نسب رواية هذا الأثر للإمام أحمد - رحمه الله - ابنُ مفلح، فقال: (روى الإمام أحمد بإسناد صحيح)، ثم ذكره، ولم أقف عليه.
ينظر: الآداب الشرعية (3/ 100)، وتهذيب الكمال (2/ 357)، والتقريب ص 70 و 256 و 462.
الجزء: 2 - الصفحة: 90
قيل له: هذه المعاني لا يوجب الفرق بينهما في حق الكافر، كما لم يوجب الفرق بينهما في حق الحائض، والجنب، وإن كانا يختلفان من تلك الوجوه.
وأيضًا: فإن المشركين الجنب من الرجال والنساء، والحائض والنفساء من النساء، والطهارة لا تصح منهم، ولا ترتفع أحداثهم عندنا، وعند الشافعي - رحمه الله -، فيجب أن يمنعوا من الدخول؛ كالمسلم الجنب إذا لم يغتسل، والمسلمة 18 الحائض، والنفساء إذا لم تغتسل.
فإن قيل: المشركون لا يعتقدون تعظيم المساجد، ولم يعتبر في حقهم الدخول على صفة التعظيم، والمسلمون يعتقدون تعظيمها، فاعتبر دخولهم على وجه التعظيم.
قيل: فكان يجب أن يجوز دخولهم المسجد الحرام للمعنى الذي ذكرت، وقد اتفقنا، والشافعي - رحمه الله - على منع الدخول، ولأنهم لا يعتقدون التوحيد، وتصديق الرسول - عليه الصلاة والسلام -، وتعظيم القرآن، ثم لا نقرهم على إظهار كلمة الشرك، وسبِّ الرسول - صلى الله عليه وسلم -، والقرآن.
وأيضًا: لو جاز لهم الدخول، لم يقف على أذن رجل من المسلمين، كأحد المسلمين، ولما لم يجز دخولهم بغير إذن، لم يجز مع الإذن؛ كالجنب، والحائض إذا لحق في الدخول غير متعين برجل
الجزء: 2 - الصفحة: 91
بعينه، فيعتبر بإذنه.
فإن قيل: لا يمنع اعتبار الإذن في الدخول، كما قلنا في دخول الحربي إلى دار الإسلام.
قيل: كان يجب أن يعتبر هذا المعنى في دخول الجنب، والحائض.
قيل 19: وعلى أنه إنما اعتبر الإذن في دخولهم دار الإسلام خوف الخيانة منهم؛ لئلا يخفى على الإمام، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا.
واحتج المخالف: بما رُوي: أن أبا سفيان - رضي الله عنه - 20 - جاء إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ليجدد العهد بينه وبين قريش، فدخل عليه المسجد، ولم يمنعه عن ذلك 21.
وروي: أنه قدم عليه وفد ثقيف، فأنزلهم في المسجد، فقيل له: إنهم أنجاس؟ فقال: "ليس على الأرض من أنجاس الناس شيء، إنما أنجاسهم على أنفسهم" 22.
الجزء: 2 - الصفحة: 92
ورُوي، أن صفوان بن أمية بن خلف واطأ عُمير بن وَهْب الجمحيَّ على أن يقتل النبي - صلى الله عليه وسلم -؛ لأن أباه أميةَ بنَ خلف قُتل يوم بدر، فخرج عمير من مكة، وجاء إلى المدينة، ودخل على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في المسجد، وفي يده سيف، وقعد بين يديه، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "جئت لكذا وكذا، وقد واطأك عليه صفوان"، فأسلم عمير بن وهب - رضي الله عنه -، وقال: لم يجر هذا إلا بيني وبينه، أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك رسول الله 23.
فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم ينكر عليه دخول المسجد، وكان كافرًا وقت دخوله، وإنما أسلم بعد ذلك.
والجواب: أن هذا كان في ابتداء الإسلام، فأذن لهم في الدخول، وأنزلهم في المسجد ليستمعوا الذكر، فترق قلوبهم بسماع الذكر، ويرجو إسلامهم، وقد روى أحمد - رحمه الله - في المسند 24 قال: نا حماد بن سلمة عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص - رضي الله عنه -: أن وفد ثقيف قدموا على النبي - صلى الله عليه وسلم -، فأنزلهم المسجد ليكون أرقَّ لقلوبهم، فاشترطوا على النبي - صلى الله عليه وسلم - 25، وذكر الخبر.
واحتج: بأن كل بقعة جاز للمسلم دخولُها جاز للكافر، دليله: سائر البقاع.
الجزء: 2 - الصفحة: 93
والجواب: أنه يبطل بدخول المسجد الحرام، ولأن المسلم يجلس في صدور المجالس، وسروات (1) الطرق، ويُمنع الكافر ذلك، ولأن المسلم يعتقد تعظيمها، والكافر بخلافه، والله أعلم.
72 -