مَسْألَة: اختلفت الرواية عن أحمد رحمه الله في تارك الصلاة عامدًا هل يكفر أم لا؟ فروى عنه أبو داود قال: إذا قال الرجل: لا أصلي فهو كافر:
وكذلك روى عنه العباس بن أحمد بن اليماني أنه قال: حديث النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك الصلاة فقد كفر لا يرث ولا يورث"، فظاهر هذا أنه حكم بكفره.
وروى عنه أبو طالب قال: الكفر لا يقف عليه أحد، ولكن يستتاب،
الجزء: 4 - الصفحة: 129
فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وكذلك روى عنه المروذي أنه قال في الذي يدع الصلاة: يدعى إليها ثلاثة أيام، فإن صلى وإلا ضربت عنقه، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم - " [إنه سيكون] 1 أمراء يؤخرون الصلاة عن ميقاتها"، فلم يكفروا بتأخيرها.
فظاهر هذا أنه لم يحكم بكفره، وإنما حكم بقتله بعد الاستتابة.
واختلف أصحابه رحمهم الله بعد هذا، فكان شيخنا أبو عبد الله ينصر أن يكفر بذلك، وهو اختيار أبي إسحاق ذكره في بعض تعاليقه فقال: إن قيل: إن المؤمن غير فاعل لها لا يسمى كافرًا، قيل له: إبليس جحد الأمر أو ترك الفعل، فإذا ترك الفعل قبل فقد كفر بترك الفعل لا بجحده.
ورأيت كلامًا لأبي عبد الله بن بطة رحمه الله يقول فيه: إنه لا يكفر، ومن قال: إنه يكفر خالف المذهب.
وقال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وداود - رضي الله عنهم -: لا يكفر بذلك، ثم اختلفوا في حكمه:
فقال أبو حنيفة رحمه الله: يستتاب ويحبس ولا يقتل.
وقال مالك، والشافعي: يقتل.
فالدلالة على أنه يكفر ويقتل: ما روى أحمد رحمه الله قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن أبي الزبير عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال
الجزء: 4 - الصفحة: 130
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة".
وروى أحمد رحمه الله قال: حدثنا عبد الله بن الوليد العدني 2 بمكة قال: حدثنا سفيان عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليس بين العبد وبين الكفر إلا ترك الصلاة".
وروى أحمد رحمه الله قال: حدثني زيد بن الحباب من كتابه قال: حدثني حسين بن واقد قال: حدثني عبد الله بن بريدة عن أبيه - رضي الله عنهم - قال: بين الرجل وبين الشرك ترك الصلاة، وبين الرجل وبين الكفر أن يترك الصلاة.
وروى أبو بكر النجاد هذه الأخبار في كتابه.
فإن قيل: نحمل ذلك على من تركها عن جحود.
قيل له: الخبر يقتضي في تعلق الحكم بترك فعل الصلاة لا بترك اعتقاد وجوبها، فوجب حمله على الحقيقة، وعلى أن هذا يبطل من فائدة تخصيص الصلاة؛ لأن من ترك صوم رمضان، وترك الصلاة، والحج جاحدًا، وجب تكفيره، فلم يجز حمله عليه.
فإن قيل: نحمله على أن عقابه عقاب الكفار.
قيل: هذا يسقط فائدة التخصيص على أنا نحمله عليهما جميعًا.
وروى النجاد عن عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاةً يوم
الجزء: 4 - الصفحة: 131
القيامة، ومن لم يحافظ لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاةً، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيّ بن خلف".
وروى بإسناده عن الحسن - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الصلاة متعمدًا أحبط عمله".
وروى بإسناده عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك العصر متعمدًا حبط عمله".
وروى بإسناده عن مكحول - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال للفضل بن عباس - رضي الله عنهما -: "لا تشرك بالله شيئًا وإن قتلت أو بُضِّعت، ولا تترك صلاة مكتوبة متعمدًا، فإنه من ترك صلاة مكتوبة فقد برئت منه الذمة".
وروى بإسناده عن أبي قلابة رحمه الله قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من ترك صلاة الصبح متعمدًا حبط عمله".
وروى بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه - رضي الله عنهم - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أبصر رجلًا ينقر كما ينقر الغراب، قال عليه السلام: "لو مات هذا مات على غير دين محمد".
وذكر أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم بإسناده في الجزء الأول من كتاب الصلاة من سننه بإسناده عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - قال: أوصانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: "لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تتركوا الصلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا فقد خرج من الملة".
وبإسناده عن أم أيمن رضي الله عنها مولاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أن
الجزء: 4 - الصفحة: 132
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوصى بعض أهله لا يترك الصلاة متعمدًا، فإنه من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله.
وبإسناده عن أم الدرداء عن أبي الدرداء - رضي الله عنهما - قال: أوصاني أبو القاسم - صلى الله عليه وسلم - بسبع: أن لا أشرك بالله شيئًا وإن قطعت أو حرقت، ولا تترك صلاة متعمدًا، فمن تركها متعمدًا برئت منه الذمة.
وبإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه ذكر أكبر الكبائر قال: ترك الصلاة متعمدًا؛ لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئ من الله ورسوله ونقض العهد".
وهذه الأخبار تدل كلها على الكفر.
ولأنه إجماع الصحابة رضوان الله عنهم أجمعين:
وروى النجاد بإسناده عن أبي المليح عن عمر - رضي الله عنه - قال: لا إسلام لمن لم يصل.
وروى عن القاسم قال: قال عبد الله - رضي الله عنهما -: من ترك الصلاة فهو كافر.
وروى عن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال الطبيب حين نزل في عينه الماء: استلق سبعة أيام لا تصل، قال ابن عباس - رضي الله عنهما -: من ترك الصلاة فقد كفر.
وروى عن الحسين قال: بلغني أن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا يقولون: بين العبد وبين أن يشرك فيكفر أن يدع الصلاة من غير عذر.
وروى عن أبي الدرداء - رضي الله عنه - قال: لا إيمان لمن لا صلاة له،
الجزء: 4 - الصفحة: 133
ولا صلاة لمن لا وضوء له.
وروى عن حذيفة - رضي الله عنه -: أنه رأى رجلًا لا يتم ركوعه ولا سجوده، فقال: منذ كم صليت هذه الصلاة؟ فقال: منذ أربعين سنة قال: ما صليت، ولو مت مت على غير الفطرة التي فطر الله عليها محمدًا - صلى الله عليه وسلم -.
والقياس: أنها عبادة يحكم بإسلام من يفعلها، فجاز أن يكفر بتركها كالشهادتين، وهذا مسلَّم عند أبي حنيفة، والشافعي - رضي الله عنهما - أيضًا في موضع، وهو المرتد إذا صلى في دار الحرب.
وإن شئت قلت: عبادة يكفر بتركها أشبه الشهادتين.
وإن شئت قلت: أحد دعائم الإسلام فلا يدخلها النيابة، فجاز أن يكفر تاركها أو فجاز أن يقتل تاركها، دليله: الإيمان.
ولا يلزم عليه الزكاة، والصيام، والحج؛ لأن تلك تدخلها النيابة تارة بالمال، وهو الصيام 3، وتارة بالبدن وهو الحج والزكاة (1).
ولا يلزم عليه الصلاة المنذورة، والصلاة الفائتة؛ لأن التعليل لتعلق الكفر بهذه 4 في الجملة وليس التعليل لأحوالها.
فإن قيل: الكافر يستحق القتل والكفر بالجحودية بقلبه 5 دون القول بلسانه، ولهذا لو أخبرنا الصادق أنه مصدق بقلبه حكمنا بإيمانه،
الجزء: 4 - الصفحة: 134
وإن لم يصدق بلسانه.
قيل له: هذا مذهب المتكلمين، فأما الفقهاء فإن مذهبهم أن الإيمان: تصديق بالقلب وقول باللسان 6، وأن الكافر لا يحكم بإيمانه بمجرد التصديق، وعلى أنه إن لم يسلم ذلك فرضناه فيمن أسلم، وليس وقته صادق بخبر عن اعتقاده فقال: أنا مصدق بقلبي غير أني لا أشهد بلساني، فلا خلاف أنه لا يقبل منه ذلك، فلا يحكم بإيمانه.
فإن قيل: إنما لم يقبل منه؛ لأنا نستدل على كذبه فيما أخبر به؛ لأنه لا مشقة عليه في إيرادها، فإذا امتنع منها اتهمناه في اعتقاده، وليس كذلك في الصلاة إذا أخبر أنه يعتقد وجوبها وامتنع من فعلها؛ لأنه قد يتركها لما عليه من المشقة في فعلها فلا يتهم في خبره أنه معتقد لوجوبها.
قيل له: قد يعتقد الشهادتين، ويتركها تكبرًا، وأنفة، وخوف العار، فكان يجب أن يصدق في خبره أنه معتقد لها، والدلالة على ذلك: قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]، قال قتادة: جحدوا بإيمانها واستيقنتها أنفسهم أنها من عند الله، قال: والجحد لا يكون إلا بعد المعرفة.
وقال تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ﴾ [الأنعام: 33]، قال الحسن: المعرفة في قلبهم أنه واحد.
الجزء: 4 - الصفحة: 135
فقد بين أن المعرفة في قلوبهم والتكذيب بألسنتهم بقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، يعني أنهم كانوا يقولون: إنه مجنون.
وكذلك قول عمه - عليه السلام - أبي طالب 7 لما دعاه إلى الإسلام: لولا يعيرني قريش لأقررت بها عينك.
وهذا يدل على أنه امتنع أنفة من تعيره.
وجواب آخر: وهو إن كان الكفر والقتل بالجحود لم يضر؛ لأن الجحود إنما هو ترك للاعتقاد الذي هو الإيمان، وتعليلنا لترك عبادة لا تصح النيابة فيها، وهذا الوصف موجود في الاعتقاد.
فإن قيل: قد تصح النيابة في ذلك، وهو إسلام الأب ينوب عن إسلام الطفل.
قيل: النيابة أن ينوب الغير عن الغير، وإيمان الأب هو عن نفسه لا عن ولده، وإنما حكم بإسلامه على طريق التبع، وأيضًا فإن الشريعة بعد صحة الإيمان أفعال وترك، فلما كان في نوع من التروك ما إذا فعله استحق به الكفر، وهو الردة، ومنه ما إذا فعله استحق به القتل، وهو الزنا، وجب أن يكون في نوع الأفعال ما إذا تركه استحق الكفر والقتل وليس إلا الصلاة.
فإن قيل: لو كان كذلك لوجب إذا استحق القتل بترك أن لا يسقط بعد ذلك كما إذا استحق القتل بالزنا لا يسقط بعد ذلك.
الجزء: 4 - الصفحة: 136
قيل له: يسقط عندنا بالتوبة في أصح الروايتين في السارق إذا تاب قبل القدرة عليه سقط القطع، قال أبو بكر: وكذلك الزاني إذا تاب قبل القدرة عليه سقط، وفيه رواية أخرى: أنه لا يسقط، أومأ إليه في رواية ابن منصور، ولا تختلف الرواية أنه يسقط بالرجوع في إقراره بالزنا، والسرقة.
فإن قيل: ليس في جنس الأفعال ما إذا خالف قطع، وفي جنس التروك ما خالف قطع.
قيل: لا يمتنع أن لا يكون في جنس الأفعال ما يقطع بتركه ويستحق به القتل كما أن القتل والزنا ليس من جنسه ما يقطع بفعله، ومع هذا فيستحق به القتل، كذلك في ترك الصلاة، وأيضًا ما وجب بترك الشهادتين وجب بترك الصلاة، دليله: القتل على قول الشافعي - رضي الله عنه -.
فإن قيل: الزاني والمحارب يجب قتلهما ولا يكفران.
قيل: القتل إذا وجب لترك فعل لا تصح النيابة فيه أوجب الكفر: بدليل الشهادتين.
واحتج المخالف على إسقاط الكفر: بما روى عبادة بن الصامت - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من جابهن لا ينقص منهن شيئًا كان له عهدًا أن لا يعذبه بالنار، ومن جابهن وقد انتقص منهن شيئًا جاء وأمره إلى الله؛ إن شاء عذبه وإن شاء غفر له".
الجزء: 4 - الصفحة: 137
فدل على أنه لا يكفر.
والجواب: أنا قد روينا في حديث عبد الله بن عمر - رضي الله عنهما - زيادة وهو قوله عليه السلام: "ومن لم يحافظ عليها كان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبيِّ بن خلف".
وعلى أنا نحمل قوله: "من انتقص منهن شيئًا" معنى من انتقص من مسنوناتها الراتبة معها، مثل: ركعتي الفجر، وركعتي الظهر، وركعتي المغرب، والوتر، ودوام على ترك ذلك، فإنه يأثم بذلك ويعصي ويكون أمره إلى الله - عز وجل - إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.
وقد نص أحمد رحمه الله على هذا في الوتر فقال: إذا تركه فهو رجل سوء لا تقبل شهادته.
مع قوله: إنه سنة.
فإن قيل: فالخبر تناول الصلوات الخمس فكيف يحمل على المسنونات؟ .
قيل له: لما كانت هذه المسنونات مضافة إليها وتبعًا لها جاز أن يكون الخطاب عطفًا على جميع ذلك.
واحتج من نفى القتل: بما روى عثمان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا يحل دم امرئ مسلمٍ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، أو قتل نفس بغير نفس".
والجواب: أن هذا كافر عندنا، فيجب قتله بحق الظاهر، وعلى
الجزء: 4 - الصفحة: 138
أنا نضيف إلى ذلك تارك الصلاة كما أضفتم إليه من طلب دم المسلم أو ماله أو حريمه.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم".
والجواب: أنه روي في الخبر "إلا بحقها"، ومن حقها الصلاة عندنا.
وروي: "ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة".
واحتج: بأنها عبادة مأمور بها لا تصح إلا بعد تقدم الإيمان، فلم يكفر بتركها.
أو نقول: فلم يقتل بتركها، دليله: الصيام، والحج، والزكاة.
والجواب: أنه إن كان القياس منصوبًا لنفي الكفر، فهو مسلم في الأصل، وإن كان لنفي القتل فهو غير مسلم؛ لأن جعفر بن محمد، والميموني رويا عن أحمد - رحمه الله - في الذي يقول: الصوم عليَّ فرض، ولا يصوم، يستتاب، فإن تاب وإلا ضرب عنقه.
ونقل الميموني أيضًا فيمن منع الزكاة كما منعوا أبا بكر - رضي الله عنه -، وقاتلوا عليها لم يورث ولم يصل عليه، فظاهر هذا أنه حكم بالقتل في ذلك، قال أبو بكر في كتاب الخلاف في مسائل البغاة: من تخلف عن الإقرار بالتوحيد مع القدرة عليه، وعن الصلاة بعد الإقرار، والقدرة على عملها، وإيتاء الزكاة بعد الإقرار بوجوبها عليه، وصوم رمضان بعد الإقرار،
الجزء: 4 - الصفحة: 139
والقدرة عليه، وكذلك الحج، فعند أحمد - رحمه الله - أنه مرتد يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وذكر بعد هذا الكلام بأسطر فقال: لا فرق بين الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج؛ لأن هذه فرض كالتوحيد.
وروى أبو طالب عنه فيمن قال: الصوم علي فرض، ولا أصوم، ليس الصوم مثل الصلاة، والزكاة لم يجئ فيها شيء.
وظاهر هذا: أنه لا يجب قتله، فعلى هذا المعنى في تلك الأشياء أن النيابة تدخلها، فلهذا لم يكفر، ولم يقتل، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها من أحد الدعائم الخمس لا تدخلها النيابة أشبه الإيمان والاعتقاد لإيجاب هذه العبادات إذا تركه فإنه يكفر ويقتل؛ لأنه لا تصح النيابة فيه.
واحتج: بأنه لا يخلو: إما أن يكفروه ويقتلوه بعد فوات وقتها أو قبله، لا يجوز بعد فوات وقتها؛ لأن الصلاة قد استقرت في ذمته، ووقتها متسع، وإن كان ذلك قبل خروج وقتها لم يجز أيضًا؛ لأن الوقت باقٍ.
والجواب: أنا نقول لهم في الوقت الذي تحسبونه وتقدرونه وتطالبونه بالفعل فيه يحكم بكفره وقتله.
على أن الرواية قد اختلفت عن أحمد رحمه الله في الوقت الذي يكفر ويقتل، فنقل يعقوب بن بختان عنه: إذا ترك صلاة وصلاتين ينتظر عليه، ولكن إذا ترك ثلاث صلوات؟ !
فظاهر هذا: أنه إذا تضايق وقت الرابعة عن فعلها وجب كفره وقتله؛ لأنه يجوز أن يكون شبهة دخلت عليه.
الجزء: 4 - الصفحة: 140
ونقل أبو طالب عنه: إذا ترك الفجر عامدًا حتى وجبت عليه أخرى ولم يصلها، يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه.
وظاهر هذا: أنه إذا تضايق وقت الثانية وجب كفره وقتله، وهو أصح؛ لظاهر الأخبار التي رويناها من ترك صلاة العصر، ومن ترك صلاة الفجر، ومن ترك صلاة فقد حبط عمله، فعلق حبط العمل بصلاة واحدة.
ولأن القتل لهما بترك الصلاة المفروضة في وقتها، وهذا موجود في الصلاة الأولة، وليس تأخيره ثلاث صلوات بأولى من تأخيره أربعًا وخمسًا.
فإن قيل: فإذا كانت الاستتابة بعد خروج وقت الأولة، فهو وقت متسع للقضاء، فلا يجوز الكفر والقتل مع سعة الوقت، كما لا يجوز بتأخير الصلاة عن أول الوقت إلى آخره.
قيل له: وقت القضاء مضيق عندنا إذا كان الترك من غير عذر، ويكون على الفور، وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله: فيمن ترك صلاة شهر يعيد ما ترك حتى يضعف، ولا يكون له ما يقيمه يومه فيكسب ما يقيمه يومه ثم يعود 8 إلى الصلاة، فإن ضعف تركها حتى يقوى.
وكذلك نقل صالح عنه: فيمن فرط في صلاة شهرين أو ثلاثة يصلي حتى يكون آخر وقت الصلاة الذي ذكر فيها، ثم يصلي هذه التي يخاف
الجزء: 4 - الصفحة: 141
فواتها، ثم يعود فيصلي حتى يخاف فوات الصلاة التي بعدها، إلا أن يكثر عليه فيكون ممن يطلب المعاش.
وهذا يدل على أن القضاء على الفور، وأصله يقتضي هذا أيضًا، وهو وجوب الترتيب في قضاء الفوائت، على أن هذا لا يوجب أن لا يقتل ولا يحبس لهذا المعنى، وقد قيل: يقتل.
فإن قيل: لا يجوز إثبات القتل والكفر بأخبار الآحاد.
قيل: يجوز ذلك كما قلنا نحن وأبو حنيفة: تصح ردَّة الصبي، وقلنا نحن والشافعي: تصح ردَّة السكران، وذلك بالاجتهاد، وأوجبنا الحد على شارب النبيذ بالاجتهاد، وأوجب أبو حنيفة على الواطئ بالشبهة الحد، والله سبحانه وتعالى أعلم.
الجزء: 4 - الصفحة: 142