مَسْألَة: إذا وقف قدام الإمام، لم يصح اقتداؤه به:
نص عليه في رواية أبي طالب 3: فيمن صلى بين يدي الإمام يوم12
الجزء: 2 - الصفحة: 432
الجمعة: يُعيد، وكذلك نقل ابن إبراهيم 4: في رجل صلى بقوم، فصلى بعضهم قدامه: يعيدون، وكذلك نقل عبد الله 5.
وبهذا قال أبو حنيفة - رحمه الله - 6.
وقال مالك 7، والشافعي - رحمهما الله - في القديم 8: تصح الصلاة.
دليلنا: ما رُوي في حديث معاذ - رضي الله عنه -: أنه قال للنبي - صلى الله عليه وسلم -: ما كنت أجدك على حال إلا أتابعك عليها، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "سَنَّ لكم معاذ، وكذلك فافعلوا" 9، فأمر باتباع الإمام، وإذا قام قدامه، لم يكن تابعًا له، بل يكون متبوعًا.
وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جُعل الإمام ليؤتمَّ به" 10، والائتمام: الاتباع، وكونه قدامَ إمامه يمنع أن يكون تابعًا، ويوجب أن يكون متبوعًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 433
فإن قيل: الائتمام به أن يكون مقتديًا به، قاصدًا أن يفعل مثلَ فعله، وذلك لا يقتضي التأخر عنه؛ لأنه يجوز أن يكون متقدمًا عليه، ويفعل مثل فعله.
قيل له: قد بينا أن الائتمام هو: الاتباع، وهذا يقتضي أن يكون تابعًا له في الأفعال، والمقام، وكونُه أمامَه يمنع أن يكون تابعًا، وأصله 11.
وأيضًا: فإنه قد أخذ علينا اتباع الإمام في المقام، وفي الأفعال؛ لأنه قيل له: ليكن مقامك وراء الإمام، أو معه، وأفعالك بعد أفعاله، أو معه، ألا ترى أنه إذا تقدم، فقد أساء؟ ثم اتفقوا أنه لو تقدم الإمام في أفعال الصلاة؛ مثل: الركوع، والسجود، لم يصح، كذلك إذا تقدمه في المكان، وتحرير هذا أن نقول: تقدم الإمام فيما أُخذ 12 عليه اتباعه فيها يمنع صحة صلاته؛ كما لو سبقه بالركوع، والسجود، ونحو ذلك.
فإن قيل: ليس إذا سبق الإمام فركع ثم ركع الإمام، وسجد ثم سجد الإمام، لم تبطل صلاته، ولم يفسد إلا هذا، وإن فعل ذلك في جميع أفعال الصلاة، كذلك ها هنا.
قيل له: إنما افترقا من هذا الوجه؛ لأن هذا القدر من السبق لا يمكن الاحتراز منه؛ لأن العادة أن المأموم قد يسبق الإمام في القدر اليسير، فعفي عنه، وليس كذلك في التقدم في الموقف؛ لأنه يمكن الاحتراز منه،
الجزء: 2 - الصفحة: 434
فلا حاجة به إليه.
واحتج المخالف: بأنه ليس في التقدم على الإمام أكثر من مخالفة الموقف المسنون، وهذا لا يمنع صحة الاقتداء، ألا ترى أن المأموم إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلفَه فذًا خلف 13، أو كانا اثنين، فوقفا مع الإمام، صح اقتداؤهم، أو وقفت امرأة إلى 14 جنب رجل؟ كذلك ها هنا.
والجواب: أنه إذا وقف عن يسار الإمام، أو خلف الصف، فإن صلاته باطلة، وأما إذا وقف الإمام في وسطهم، أو وقف إلى جنب امرأة، فإنما لم تبطل؛ لأنه موقف مؤتم بحال، وهو إذا صلى بالعُراة، أو صلت امرأة بنساء، فإن الإمام يقف في وسطهم، وكذلك إذا كان الإمام رجلًا - وهو عريان -، والمأموم امرأة، فإنها تقف إلى جنبه، وعلى أنه قد تقدم الإمام فيما أُخذ 15 عليه اتباعه، وذلك يمنع صحة الاقتداء، كما قلنا في الأفعال.
واحتج: بأنه لو استدار الناس حول الكعبة، وكان الإمام من البيت على ذراعين، والذين في مقابلته من الجانب الآخر على ذراع منه، صحت صلاتهم، وهم لا محالة قدام الإمام.
والجواب: إنما يكونون قدامه إذا كانوا في الجانب الذي يكون فيه الإمام، وظهرُهم إليه، فأما إذا كانوا في الجانب الآخر، ووجوههم
الجزء: 2 - الصفحة: 435
على وجه الإمام، فإنهم لا يكونون قدامه، وقد أومأ أحمد - رحمه الله - إلى جواز ذلك بمكة، قال أبو طالب 16: سألت أبا عبد الله عن الإمام يدورون حوله يصلي بهم؟ فقال: الأمصار غير مكة، فقيل له: إن أبا ثور 17 يقول: يصلون خلفه مثل البيت، فقال: هذا قول سوء، البيت قبلتهم.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي 18: في المرأة تؤم الرجل في شهر رمضان؟ إذا كان الرجل لا يحسن أن يقرأ في التراويح، يتقدم الرجل، وتقرأ هي من ورائه، وكذلك نقل أبو طالب عنه 19: يؤم الرجل المرأة، والمرأة تقرأ، فإذا قرأت، ركع وركعت، يكون هذا في التطوع، لا يكون في الفرض.
قالوا: فقد نص على أن المرأة تكون إمامًا للرجل في صلاة النفل إذا كانت أقرأ منه، وتكون من ورائه، والرجل أمامها.
قيل له: إنما جاز إمامتها في القراءة، لا في الصلاة؛ لأنه قد صرح بذلك في رواية أبي طالب، فقال: إذا قرأت، ركع وركعت، فقدَّم ركوعَ الرجل على ركوعها، وإذا كان الرجل هو الإمام في الصلاة، فلم يجئ
الجزء: 2 - الصفحة: 436
منه تقدم المأموم على الإمام في الصلاة، وإنما أجاز اقتداء الرجل بالمرأة في القراءة في صلاة النفل؛ لما روى أبو بكر المروذي بإسناده عن أبي خلاد الأنصاري قال: سألتْ أم ورقة - رضي الله عنها - رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، قالت: إني أصلي، ويصلي بصلاتي أهلُ داري ومواليَّ، وفيهم رجال 20 ونساء يصلون بقراءتي، وليس معهم قرآن؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "قدِّمي الرجالَ أمامك، وقومي مع النساء، ويصلون بصلاتك" 21، ولأنه لما جاز الإخلال بركن من أركان الصلاة في صلاة النفل - وهو القيام -، جاز الاقتداء بها بركن؛ إذ ليس الاقتداء بأضعف من تركه، ولأنه لما جاز أن يؤم الشخص في صلاة دون صلاة - وهو العبد -، جاز أن يؤم في ركن دون ركن.
وأجودُ ما يجاب عن هذا: بأن القياس كان يقتضي أن تبطل صلاتهم، لكن تركنا ذلك لدليل هو أقوى منه، وهو الخبر، ولأنه غير ممتنع أن يختلف مقام الإمام لأجل المأمومين؛ بدليل: أن العراة يقوم في وسطهم، ويخالف مسنون الموقف في التقدم، وكذلك يقوم في وسطهم، وكان المعنى فيه: أنه أسترُ للإمام بوقوفه في وسطهم، ومثلُ هذا تأخرُ المرأة خلف الرجال أسترُ لها، والله أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 437
117 -