مَسْألَة: إذا نسي صلاةَ سفرٍ، فذكرها في الحضر، صلاها صلاةَ حَضَرٍ
نص على هذا [في] رواية عبد الله 3، والأثرم 4، والمروذي 5، وعلل في رواية الأثرم: بأنها وجبت عليه الساعة؛ أي: وجبت عليه في الأصل صلاة تمام؛ لأن من أصلنا: أن القصر رخصة، وليس بعزيمة، فقوله: الساعة؛ أي: خاطب به المقيم.
وهو قول الجديد للشافعي - رحمه الله - 6، وبه قال داود 7.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يصلي صلاة سفر 8.
واختلف أصحاب ............................................
الجزء: 3 - الصفحة: 41
مالك - رحمه الله - 9: فمنهم من قال مثلَ قول أبي حنيفة، ومنهم من قال: هو مخير، إن شاء صلى أربعًا، وإن شاء ركعتين، وهو قول القديم للشافعي - رضي الله عنه - 10.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ [النساء: 101]، وهذا ليس بضارب في الأرض، فلا يجوز له القصر.
وأيضًا: ما تقدم من حديث علي - رضي الله عنه -: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الحضر أربعًا 11، وهذا في الحضر.
والقياس: أنه مقيم، فلم يجز له القصر؛ كما لو وجبت عليه الصلاة وهو مقيم، ولأنه تخفيف تعلق بالسفر، فإدراكُ السفر قبل وجود التخفيف 12، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا أحرم بالصلاة وهو في سفينة، فقدمت بلده قبل أن يسلِّم من الركعتين، فإنه يلزمه الإتمام، ولا يلزم عليه المسافر إذا دخل في الصوم، ثم دخل بلده قبل أن يفطر، فإنه لا يجوز له أن يفطر، ولا يلزم عليه إذا أفطر في السفر، ثم قدم، فإن فيه روايتين: إحداهما: لا يجوز أن يأكل في بقية نهاره، نص عليه في
الجزء: 3 - الصفحة: 42
رواية حنبل، فقال: يُمسك 13.
والثانية: له الأكل، أومأ إليه في رواية الأثرم 14، وغيره 15، فقال: أعجبُ إليَّ وأحبُّ أن يمسك، فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنا قلنا: فإدراك السفر قبل وجود التخفيف، وها هنا قد وجد التخفيف في السفر، وهو الأكل، فأما استدامة حكم الأكل، والبقاء عليه، فليس من أحكام السفر.
فإن قيل: لا نسلِّم أن القصر تخفيف، ولا نسلِّم أنه متعلق بالسفر؛ لأن الركعتين عندنا فرض الوقت.
قيل له: هو تخفيف عما يجب على المقيم؛ لأن الركعتين أخف من الأربع، فلا يمكن إنكاره، وأما تعلقه بالسفر، فصحيح؛ لأنه إذا كان مسافرًا، صلى ركعتين، وإذا صار مقيمًا، صلى أربعًا، وإذا عاد إلى السفر، عاد إلى الركعتين، فثبت أنه متعلق بالسفر، وهو بمنزلة تخفيف الأركان المتعلق بالمرض؛ فإنه إذا مرض، ولحقته مشقة فادحة 16 من القيام، جاز له أن يصلي قاعدًا، وإذا زال المرض، وجب القيام، فدل ذلك على أنه متعلق بالمرض، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد طرت الإقامة على الصلاة قبل
الجزء: 3 - الصفحة: 43
استقرارها في ذمته، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها قد استقرت في ذمته ركعتان، فلم يجز الزيادة عليها بما يطرأ بعد ذلك.
قيل له: الفرض عندنا أربع ركعات، وهي المستقرة في الذمة، وإنما رخص في ترك الركعتين منها لأجل السفر، فإذا زال السفر، استقر الجميع، وعلى أن هذا باطل بمن دخل في الصلاة وهو في السفينة، وخرج وقت الصلاة قبل أن يسلم من الركعتين، ثم انتهت السفينة إلى بلده قبل أن يسلم منها، لزمه الإتمام، وقد استقرت هذه الصلاة في الذمة بخروج الوقت، ولأن صلاة السفر والحضر صلاتا وقت واحد، إحداهما تنقص عن الأخرى، فإذا زال شرط الناقصة، وجب أن يعود إلى الكاملة؛ دليله: الجمعة.
فإن قيل: فرض الوقت يوم الجمعة هو الظهر، وإنما أمرنا بإسقاطها بالجمعة، فإذا فاتت الجمعة، وجب فرض الوقت، وليس كذلك السفر؛ لأن فرض الوقت عندنا ركعتان.
قيل له: فرض الوقت عندنا أربع ركعات، وفرض الوقت في يوم الجمعة هو الجمعة؛ لأنه هو المخاطب بها، والمعاقب على تركها، ولأنها صلاة خففها لعذر، فإذا زال، وجب أن يزول التخفيف، أصله: إذا نسي صلاة في حال المرض، وأراد أن يقضيها في حال الصحة، لزمه القيام فيها، ولم يجز له ترك القيام كما فاتت، وكذلك لو فاتته صلاة وهو عريان، وأراد قضاءها وهو مكتسٍ، فإنه يلزمه ستر العورة، كذلك ها هنا.
الجزء: 3 - الصفحة: 44
فإن قيل: الاعتبار في تخفيف الأركان وتتميمها بحال الفعل، وليس كذلك الركعات؛ فإن الاعتبار فيها بحال الاستقرار في ذمته دون حال الفعل، ألا ترى أنه إذا نسي صلاة في حضر، فذكرها في سفر، لزمه أن يصليها أربعًا؟
قيل له: الذي استقر عندنا هو أربع ركعات، وإنما القصر رخصة، فإذا زال العذر، كان المستقر هو الأربع؛ كما يقول المخالف في الجمعة إذا فاتت.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نسي صلاة، أو نام عنها، فليصلَّها إذا ذكرها" 17، فأمر بقضاء المنسية، والتي نسيها ركعتان، فوجب أن يقضيها ركعتين.
والجواب: أن الخبر اقتضى أمرًا بالقضاء، وليس فيه ما يدل على كيفية القضاء، فلا يدل على موضع الخلاف، على أنا لا نسلِّم أنها ركعتان، بل أربع.
واحتج: بأنها صلاة تؤدى مرة، وتقضى أخرى، فوجب أن يكون قضاؤها في عدد ركعاتها مثلَ أدائها؛ دليله: إذا نسي صلاة في الحضر، ثم ذكرها في السفر، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأنها لا تقضى.
والجواب: أنه قد قيل: إن الجمعة تقضى ظهرًا، فالقياس منتقض بها، ويدل عليه أنها تقضى: أنها قبل فواتها لا يجوز أن يصلوا الظهر، وإذا
الجزء: 3 - الصفحة: 45
فاتت الجمعة، لزمهم أن يصلوا الظهر، فدل على أنها قضاء للجمعة، وعلى أنه إذا نسي صلاة في الحضر، وذكرها في السفر، غلب حكم الحضر، كذلك في مسألتنا يجب أن يغلب حكم الحضر.
واحتج: بأن فرض الوقت للمسافر ركعتان، وإذا ثبت هذا الأصل، قلنا: إن كل من كان فرضه في الوقت ركعتان، لم يلزمه أن يقضي بعد الفوات أكثر منها؛ دليله: المسافر والمقيم إذا فاتهما صلاة الفجر، ولا يلزم عليه الجمعة؛ لأن فرض الوقت يومَ الجمعة الظهرُ، فإذا فاتته الجمعة، صلى فرض الوقت - وهو الظهر - أربعًا.
والجواب: أن فرض الوقت للمسافر أربع عندنا، وقد دللنا على ذلك فيما تقدم، وأما صلاة الفجر، فالمعنى فيها: أن الركعتين لا يتعلقان بعذر، وليس كذلك ها هنا؛ لأن ركعتي السفر يتعلقان بعذر، فإذا زال العذر، زال التخفيف؛ كالمرض، والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
131 -