مَسْألَة: إذا مات المحرم لم ينقطع حكم إحرامه بالموت، فلا يخمر رأسه، ولا يقرب طيبًا:
نص عليه في رواية أبي داود فقال: إذا مات المحرم لم يقرب مسكًا، ويكفن في ثوبين، ولا يغطى رأسه، وذكر حديث ابن عباس - رضي الله عنهما -.
وكذلك نقل ابن مشيش عنه إذا مات المحرم لا يمس طيبًا، ولا يغطى رأسه، ويغطى 1 وجهه.
ونقل إسماعيل بن سعيد الشالنجي في المحرم يموت قال: لا يغطى رأسه ولا وجهه.
فقد اتفقت الرواية على أن الإحرام لا ينقطع.
واختلف في الوجه هل يغطى أم لا؟ وهذا الاختلاف يرجع إلى أصل: هل يتعلق بالوجه حكم الإحرام أم لا؟ ويأتي ذلك في مسائل الحج إن شاء الله تعالى.
وبهذا قال الشافعي، وداود رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة، ومالك - رحمهما الله -: يبطل إحرامه، ويعمل به ما يعمل بغير المحرم إذا مات.
دليلنا: ما روى أحمد رحمه الله في المسند قال هشيم: قال أبو بشر عن سعيد بن جبير عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن رجلًا كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فوقصته
الجزء: 4 - الصفحة: 159
ناقته وهو محرم فمات، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبيه ولا تمسوه بطيب ولا تخمروا رأسه فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا"، وهذا نص.
وروى أبو عبيد هذا الحديث وقال: إن محرمًا وقصت به ناقته في أخاقيق جرذان، قال أبو عبيد: والأخاقيق: شقوق في الأرض، يقال: أخاقيق، ولخاقيق، وأحدها 2: أخقق، ولخقوق.
فإن قيل: النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من تغطية رأسه، وبين المعنى لأجله منع، وهو أنه يبعث ملبيًا، ونحن لا نعلم أن غيره من المحرمين يبعثون ملبين، ولو علمنا ذلك لمنعنا.
قيل له: لا يصح هذا؛ لأنه حكم في المحرم الذي مات بحكمين:
أحدهما: أنه لا يخمر رأسه.
والثاني: أنه يبعث ملبيًا، فوجب أن يكون كل واحد من الحكمين متعلقًا بالسبب الذي تقدمه، فأي محرم مات وجب أن لا يغطى رأسه، ويبعث ملبيًا؛ لأن الحكم إذا نقل مع السبب تعلق به وجرى مجرى العلة، فيكون تقديره: لا تقربوه طيبًا، ويبعث ملبيًا؛ لأنه مات محرمًا، وهذا كما قال في شهداء أحد: "زملوهم بدمائهم وكُلُومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا"، وروي: "اللون لون الدم والريح ريح المسك"، ثم كان هذا حكمًا جائزًا في سائر الشهداء، ولم يكن مقصورًا
الجزء: 4 - الصفحة: 160
على شهداء أحد، كذلك هذا، أو كما قال في الذي وقع على امرأته: أعتق رقبة، فكان ذلك عامًا في كل من وقع على امرأته؛ لوجود سبب الحكم من جهته.
فإن قيل: لو روي أن ماعزًا زنا فرجم؛ لأنه كان محصنًا لم يقض أن يكون كل من زنا محصنًا، وإنما يقتضي أن من زنا يرجم إذا وجدت العلة، وهو كونه محصنًا، كذلك قوله عليه السلام: "يبعث ملبيًا"، لا يقتضي أن من مات على إحرامه يبعث ملبيًا، وإنما يقتضي أن من مات على إحرامه لا يخمر رأسه إذا وجدت فيه العلة وهو أنه يبعث يوم القيامة ملبيًا، ولسنا نعلم أن سائر المحرمين إذا ماتوا على إحرامهم يبعثون ملبين، ولم نستفد بقوله في شهداء أحد بانهم يبعثون يوم القيامة وأوداجهم تشخب دمًا إسقاط الغسل في حق غيرهم، وإنما استفدناه بخبر آخر وهو قوله عليه السلام: "الشهيد لا يغسل".
قيل له: إنما لم يكن كل زانٍ محصنًا؛ لأن الإحصان يفتقر إلى شرائط، منها: الحرية، والإصابة في نكاح، والبلوغ، ليس كل زانٍ يوجد فيه هذه الشروط، فلهذا لم يكن الزاني محصنًا، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه جعل العلة في كشف رأسه، وكونه ملبيًا في الآخرة وجود الإحرام من جهته، فيجب أن يحكم بذلك في حق كل من وجد الإحرام من جهته، والذي يبين صحة هذا أنه لو قال: يحشر ملبيًا لأنه محرم لصح، ولو قال: هو محصن لأنه زانٍ لم يصح، ويبين صحة هذا هو أنه مروي عن الصحابة - رضي الله عنهم -، فروى أبو بكر النيسابوري في الزيادات بإسناده عن
الجزء: 4 - الصفحة: 161
الضحاك عن ابن عباس - رضي الله عنهما - أنه قال: إذا مات لم يغط رأسه حتى يلقى الله - عز وجل - محرمًا، فأخبر أن كل محرم يلقى الله محرمًا.
وروى الشافعي - رضي الله عنه - أن ابنًا لعثمان - رضي الله عنهما - مات وهو محرم، فلم يخمر رأسه، ولم يقربه طيبًا، وفعل ذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - فلم ينكر عليه، ولم يقولوا: إن ذلك المحرم كان مخصوصًا من هذا، على أن العمل من الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين يدل على حكم عموم الحكم في كل المحرم.
والقياس: أنه مات قبل تحلله من الإحرام بالنسك، فوجب أن لا يبطل إحرامه، دليله: المحرم الذي مات على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -.
ولأنه مات على لباس محرم، فوجب أن يبقى تحريمه، أصله: تحريم تكفينه بالحرير، وإن شئت أن تقول: كل لبس كان محرمًا حال الحياة لم يحل بالموت، أصله: ما ذكرنا.
ولأن الإحرام عبادة ثبتت للموصوف بها فعله وفعل غيره، فلم ينقطع حكمها بالموت كالإيمان.
وبيان هذا: أن الطفل يحصل مسلمًا بإسلام أحد أبويه ويصير محرمًا بإحرام الولي عندنا، وعندهم بإحرام الرفقة عنه، ثم ثبت أن الإسلام لا يبطل حكمه بالموت، كذلك الإحرام، ولا يلزم عليه الصلاة، والصيام؛ لأنه لا يثبت الموصوف بها بفعله وفعل غيره.
فإن قيل: الإيمان يتعلق به أحكام منها ما يختص به ويلزمه في نفسه، ومنها ما يتعلق بنا، ويلزمنا لأجله أحكام مثل: الموالاة، والميراث،
الجزء: 4 - الصفحة: 162
والتزكية، وقبول الشهادة، وما أشبهها مما يختص به ويلزمه هو فإنه ينقطع بموته، وما يلزمنا لأجله فإنه يبقى بعد موته، فأما الإحرام فإن أحكامه تلزمه هو، ولا يتعلق بنا حكم من أجله، فيجب أن ينقطع بموته كالصلاة، والصيام.
قيل له: هذا المعنى يوجد في المحرم الذي مات في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو أن أحكامه تلزمه هو ولا يتعلق بها حكم، ومع هذا فلا ينقطع حكم إحرامه بموته، وأما الصلاة، والصيام، فيأتي الكلام عليهما، وعلى أنه لا يمتنع أن تتعلق به أحكام تخصها، ويسقط بعارض وهو الإحرام، كما سقط بالشهادة غسله والصلاة عليه.
واحتج المخالف: بما روى ابن عباس - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "غطوا رؤوس موتاكم ولا تشبهوا باليهود" وروي: "وجوه موتاكم".
وروي عن ابن عباس - رضي الله عنهما - في المحرم يموت: خمروه ولا تشبهوه باليهود.
والجواب: أن هذا محمول 3 على غير المحرم، بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاثة: صدقة جارية، وولد صالح يدعو له، وعلم ينتفع به بعده"،
الجزء: 4 - الصفحة: 163
ومعلوم أنه أراد به حكم عمله، والإحرام من أحكام عمله، فوجب أن ينقطع، وإذا انقطع إحرامه صار كسائر الموتى.
والجواب: أن المراد به: أجر العمل ينقطع بالموت إلا في هذه الثلاثة، فإنه يتجدد أجر هذه الأعمال الثلاثة بعد الموت، كأنه يعملها بنفسه، وإذا كان المراد به هذا لم يكن فيه حجة؛ لأن الإحرام ينقطع أجره وإن كان عقده باقيًا.
واحتج: بأن الحج عبادة لا يصح إلا بعد تقدم الإسلام، فوجب أن يخرج منها بالموت كالصلاة والصوم، وإن شئت قلت: عبادة لها تحريم وتحليل.
والجواب: أنه لا يجوز اعتبار الإحرام بالصلاة والصيام، بدليل: أن المحرم الذي مات مع النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يبطل إحرامه بالحج وبطل إحرامه بالصلاة والصيام، ولأن الصلاة والصيام يبطلهما الجنون، والإحرام لا يبطله الجنون، ومنهم من [ ... ] 4 ويمنع من ذلك ويقول: الجنون يبطله.
واحتج: بأن إحرامه لو كان باقيًا بعد موته لوجب أن يوقف بعرفة أو يطاف به حول البيت لعجزه عن ذلك بنفسه كالمريض، فلما لم يجب ذلك دل على أن إحرامه قد انقطع بالموت.
والجواب: أن هذا باطل بالمحرم الذي مات مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن
الجزء: 4 - الصفحة: 164
إحرامه لم يبطل، ومع هذا لم يوقف بعرفة ولم يُطَف به، وعلى أنه إنما لم يطف به ولم يوقف بعرفة؛ لأنه لا يحس بذلك، فهو كما لو جنَّ.
واحتج: بأنه لما لم يلزمه الفدية إذا طُيِّب أو ألبس دل على بطلان الإحرام.
والجواب: أنه إنما لم يلزمه الفدية؛ لأن وجوب الفدية يتعلق بحصول الانتفاع بذلك، وبالموت يزول، والمنع من ذلك هو لحق الله تعالى، وذلك لا يزول بالموت، وعلى أن هذا باطل بالمحرم الذي مات على عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا يلزمه الفدية بذلك، وإحرامه لم ينقطع، ولأنه لا يمتنع أن يبقى التحريم بعد الموت، ويزول الضمان بالمال، كما أن المسلم إذا مات فإن كسر عظمه محرم، ولا يجب الضمان، ووطئ الميتة محرم، ولا يجب المهر والحد.
واحتج: بأن الإحرام عبادة تحرم الطيب، فانقطع حكمها بالموت كالعدة.
والجواب: أن المعتدة منعت من الطيب؛ لأن لا تدعوها نفسها إلى الجماع فيدخل على الزوج ما [ ... ] 5 فاسد، وهذا المعنى يزول بالموت، والمحرم منع من ذلك لحق الله تعالى، وهذا لا تزول بالموت.
وعلى أن الإحرام بالحج لم يصح فسخه من غير عذر بحال، والعدة تبطل وتزول بفعل المعتدة، وفعل المطلق، ثم يبطل بالمحرم الذي مات
الجزء: 4 - الصفحة: 165
في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم - فإن إحرامه لم يبطل بموته، وليس في جنس العدد ما لا يبطل بالموت، والله أعلم.
45 -