مَسْألَة: إذا كبر الإمام سبعًا في صلاة الجنازة كبر تبعًا للإمام في أصح الروايات:
رواها ابن منصور عنه فقال: لا ينقص التكبير على الجنازة من أربع، ولا يزاد على سبع.
وكذلك نقل أبو داود عنه وقد سئل إذا كبر على الجنازة ستًا؟ قال: يكبر ما كبر، وإن زاد على سبع ينبغي أن يسبح به.
وكذلك نقل أبو جعفر الدينوري عنه: إذا كبر سبعًا لا يسبح به.
وفيه رواية أخرى: يكبر معه في الخامسة، ولا يكبر زيادة على ذلك، رواه عنه الأثرم، وقد سأله: إذا كبر ستًا أو سبعًا أو ثمانيًا؟ فقال: أما هذا فلا، أما الخمس فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، لكن نختار نحن أربعًا، وإن كبر خمسًا كبر معه، فأما الست فإنما كبرها لفضيلة سهل بن حنيف كان من أهل بدر.
فقد صرح في رواية الأثرم أنه يتبع في الخمس، ولا يتبع فيما زاد.
وقد نقل عنه الجماعة: أنه يكبر معه في الخامسة، فنقل صالح عنه: أما في الخامسة فيتبعه، فإن كبر ثلاثًا فما يعجبني.
كذلك نقل أبو داود: في الإمام إذا كبر خمسًا فسلم بعض الناس في الرابعة؟ فأنكره، وقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إنما الإمام ليؤتم به"، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كبروا ما كبر إمامكم.
الجزء: 4 - الصفحة: 279
وكذلك نقل أبو طالب عنه: إذا كبر خمسًا يكبر معه ولا يقطع.
وفيه رواية ثالثة: لا يتبع في الخامسة، نص عليه في رواية حرب وقد سئل: إذا سها الإمام فكبر خمسًا أيسلم هذا الذي خلفه؟ قال: لا، ولكن لا يكبر ولا يسلم إلا مع الإمام.
فقد نص على أنه لا يتبعه في الخامسة.
وهو قول أبي حنيفة والشافعي رحمهما الله.
وقال أحمد رحمه الله في آخر رسالة مسدد: التكبير على الجنازة، قال: كبر الإمام خمسًا كبر معه كفعل علي بن أبي طالب - رضي الله عنه -، وقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: كبر ما كبر إمامك.
قال أحمد: خالفني الشافعي رحمه الله فقال: إذا زاد على أربعة تعاد الصلاة، واحتج بحديث النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على النجاشي، وكبر أربعًا، قال أحمد: والحجة له.
دليلنا: أن الأخبار في تكبيرات في صلاة الجنازة قد اختلفت كما اختلفت في تكبيرات العيد، ثم اتفقوا على أن المأموم يتابع في تكبيرات العيد، كذلك ها هنا، ووجه الاختلاف ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر على الجنازة أربعًا.
وروى زيد بن ثابت - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على قبر قلابة فكبر أربعًا.
وروى عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى على عثمان بن
الجزء: 4 - الصفحة: 280
مظعون وكبر أربعًا.
وروى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نعى النجاشي اليوم الذي مات فيه، وخرج إلى المصلى بهم، فصف بهم فكبر أربع تكبيرات.
وروى أبو أمامة بن سهل بن حنيف - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صف الناس على قبر مسكينة فكبر أربع تكبيرات.
فهذه الأخبار تدل على الأربع.
وروى أبو بكر بإسناده عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان زيد بن أرقم - رضي الله عنه - يكبر على جنائزنا أربعًا وإنه كبر على جنازة خمسًا، فسألته، فقال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يكبرها.
وروى كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف عن أبيه عن جده - رضي الله عنهم -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كبر خمسًا.
وهذه الأخبار تدل على الخمس.
وروى أبو بكر النجاد قال: حدثنا عبد الله بن أحمد قال: حدثني أبي قال: حدثنا وكيع قال: حدثنا سفيان عن عامر بن شقيق عن أبي وائل قال: جمع عمر - رضي الله عنه - الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقال بعضهم: كبر النبي - صلى الله عليه وسلم - سبعًا، وقال بعضهم: خمسًا وقال بعضهم: أربعًا، فجمع عمر - رضي الله عنه - على أربع كأطول الصلاة.
وهذا الخبر يدل على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر سبعًا، وأنهم اختاروا الأربع اختيارًا.
الجزء: 4 - الصفحة: 281
وروى النجاد أيضًا بإسناده عن الشعبي عن ابن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال: ما حفظنا التكبير على الجنائز عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قد كبر أربعًا وخمسًا وسبعًا فما كبر إمامك فكبر.
وروى أبو بكر بن جعفر بإسناده عن علقمة عن عبد الله أنه قال: كبروا ما كبر الإمام لا وقت ولا عدد.
وروى عبد خير قال: كان علي - رضي الله عنه - يكبر على البدريين ستًا 1، وعلى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خمسًا (1)، وعلى سائر الناس أربعًا.
وروى النجاد، وأبو حفص العكبري في كتابه بإسناده عن موسى بن عبد الله بن يزيد: أن عليًا - رضي الله عنه - كبر على أبي قتادة سبعًا.
وروى أيضًا بإسناده عن بكر بن عبد الله قال: لا ينقص من ثلاث تكبيرات ولا يزاد على سبع.
وهذا يدل على جواز الزيادة على الخمس، وإذا ثبت هذا وجب الأخذ بالزائد، كما قلنا في العيدين.
فإن قيل: المتأخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كبر أربعًا، فيجب الأخذ بالمتأخر ويسقط ما قبله.
وقد روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي إسحاق قال معمر 2: بلغني أن عمر - رضي الله عنه - جمعهم فسألهم عن أحدث جنائزهم صلى عليها
الجزء: 4 - الصفحة: 282
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فشهدوا أنه صلى على أحدث جنازة وأنه كبر أربعًا، فجمع عمر - رضي الله عنه - على أربع.
وروى أيضًا بإسناده عن ميمون بن مهران قال: حدثنا ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: آخر ما كبر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على الجنائز أربعًا، وكبر أبو بكر على فاطمة رضي الله عنها أربعًا، وكبر الحسن بن علي على علي - رضي الله عنهما - أربعًا، وكبر الحسين على الحسن - رضي الله عنهما - أربعًا، وكبر علي على يزيد بن المكفف 3 - رضي الله عنهما - أربعًا، وكبر عبد الله بن عمر على أبيه - رضي الله عنهما - أربعًا، وكبرت الملائكة على آدم عليه السلام أربعًا، وكبر ابن الحنفية 4 على ابن عباس - رضي الله عنهم - أربعًا، وإذا كان هو المتأخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - وجب الأخذ به دون غيره.
قيل له: التأخر من فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يدل على الاستحباب والفضيلة، ولا يدل على منع الجواز فيما زاد على ذلك، ونحن نقول: إن الأفضل الأربع، وإنما كلامنا إن كبر زيادة هل تجوز متابعته أم لا؟ وليس في الخبر ما يمنع.
واحتج المخالف: بأن كل تكبيرة من تكبيرات الجنازة قائمة مقام ركعة، وقد بينا أن الإمام لو زاد في صلاته ركعة، لم يلزم المأموم متابعته، كذلك إذا زاد في صلاة الجنازة تكبيرة.
الجزء: 4 - الصفحة: 283
والجواب: أنا لا نسلم أن كل تكبيرة قائمة مقام ركعة، ألا ترى أنا نقول: إذا فاته شيء من التكبير مع الإمام استحب له قضائه، فإن سلم مع الإمام ولم يقض جازت صلاته ولو كانت قائمة مقام ركعة بطلت صلاته، كما تبطل بترك ما كان من الركوع، وهذا فصل يأتي الكلام عليه فيما بعد مستوفىً إن شاء الله تعالى.
84 -