مَسْألَة: إذا قتل مسلم في غير المعترك ظلمًا فهو شهيد لا يغسل في أصح الروايتين:
رواها عنه صالح، وأبو الحارث فيمن قتله اللصوص ومات في المعركة لا يغسل، وهو اختيار أبي بكر.
وفيه رواية أخرى: أنه يغسل، رواها عنه أبو طالب: فيمن قتله اللصوص ومات في المعركة يغسل.
وبه قال مالك، والشافعي رحمهما الله.
وقال أبو حنيفة رحمه الله: إن قتل بحديدة فهو شهيد لا يغسل، وإن قتل بغيرها غسل.
الجزء: 4 - الصفحة: 209
وجه الرواية الأولة وأنه لا يغسل في الجملة: أنه مسلم قتل ظلمًا لم يَرِثَّ 1 ولا وجب عليه غسله في حياته، فوجب أن لا يغسل كما لو قتل في المعترك، ولا يلزم عليه من قتل خطأ؛ لأنا نريد بقولنا: ظلمًا [ما] يتعلق به المأثم.
فإن قيل: قتل تلك الشهادة أكمل؛ لأنه دعا إلى الإيمان بالله والرسول، والمنع من كفرهما، وليس كذلك قتل اللصوص في الدفع عن النفس والمال، لأنه دونه في الرتبة.
قيل له: لو كان المقتول صبيًا في المعترك لم يغسل وإن لم يوجد فيه هذا المعنى، وكذلك تجار العسكر إذا قتلوا لم يغسلوا، وإن لم يوجد منهم ذلك، ولأنه لو قتل بحديدة 2، فإذا قتل بغير الحديدة لا يغسل 3، دليله: المقتول في المعترك.
فإن قيل: إذا قتل بغير الحديدة وجب عن نفسه بدل وهو مال، فصار كقتيل الخطأ.
إذا قتل بالحديدة لم يجب عليه بدل فأشبه القتل في المعترك بحديدة وبغيره.
الجزء: 4 - الصفحة: 210
قيل: لا نسلم هذا؛ لأن القتل بغير الحديدة، إما أن يوجب القود فقط أو يوجب أحد الشيئين: القود أو الدية، وعلى أنه إذا قتله بالحديد فقد وجب عن نفسه بدل أيضًا وهو القصاص، بل هذا البدل أعظم وآكد من المال، ثم ثبت أن ثبوت القصاص مع تأكده يمنع الغسل، فأولى أن يمنع ثبوت المال مع ضعفه.
واحتج من أوجب الغسل في الجملة: بما روي أن عمر - رضي الله عنه - قتل فغسل وصلي عليه، وكذلك عثمان - رضي الله عنه -.
والجواب: أن عمر - رضي الله عنه - ارتثَّ فلهذا غسل، وكذلك عثمان - رضي الله عنه -، والمُرْتثُّ عندنا: يحصل تارة بالأكل والشرب أو الكلام أو يحمل أو يوصي، وقد وجد منهما ذلك بعد الجرح.
واحتج: بأنه مسلم قتل في غير معترك المشركين فهو كالمقتول خطأ، وقصاصًا، وفي الزنا.
والجواب: أن المعنى هناك أنه لم يقتل ظلمًا، فلم يكن شهيدًا، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه قتل ظلمًا، ولم يرتث ولا وجب عليه غسل في جنابة، فهو كالمقتول في المعترك، وأما إذا قتل خطأ فذلك القتل لا مأثم فيه، فهو كقتل البغاة، والزناة، والله أعلم.
59 -