مَسْألَة: إذا صلَّى وحدَه، أو في جماعة، ثم أدركها في جماعة، استحب له إعادتُها، إلا المغربَ، فإن دخل معه، أتمها:
نص على هذا في رواية أبي طالب، فقال: يصلي الرجل الصلوات كلها إلا المغرب 1، وهو قول مالك - رحمه الله - 2. وروى عنه الأثرم: إذا صلى في جماعة، ثم دخل يصلي معهم، قيل: والمغرب؟ قال: والمغرب أيضًا، إلا أنه يشفع معها ركعة 3، وظاهر هذا: أنه يكره فعلها، وأنه يعيدها، ولو كان قد صلى في جماعة، وهو قول أبي يوسف 4. وقال أبو حنيفة: يصليها إلا الفجر والعصر والمغرب 5.
الجزء: 1 - الصفحة: 253
وقال الشافعي - رحمه الله -: يصلي كلها حتى المغرب، ولا يشفع معها ركعة 6. فالدلالة على أبي حنيفة - رحمه الله -: ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن يزيد بن الأسود 7 عن أبيه - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بنا الفجر، فانحرف فرأى رجلين في أُخْريات الناس جالسين، قال: فدعاهما، فجيء بهما ترعُدُ فرائِصُهما 8، فقال: "ما منعكما من الصلاة معنا؟ "، قالا: صلينا في رحالنا، ثم أتيناك، قال: "فإذا صليتم، ثم جئتم والناسُ في الصلاة، فصلوا معهم، واجعلوها سُبْحَة" 9. وروى أحمد - رحمه الله - بلفظ آخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الفجر، فرأى رجلين في آخر القوم، فقال: "ما منعكما أن تصليا؟ "، قالا:
الجزء: 1 - الصفحة: 254
يا رسول الله! صلينا في رحالنا، قال: "فلا تفعلا، إذا أُقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا فإنها لكما نافلة" 10، وهذا في صلاة الفجر، وقوله - عليه السلام -: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد، فصلِّيا" عام في سائر الصلوات إلا ما خصه الدليل.
وروى أحمد - رحمه الله -، وذكره أبو بكر بإسناده عن بسر بن محجن 11 عن أبيه - رضي الله عنه - قال: أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد أقيمت الصلاة، فجلست، فلما صلى، قال: "ألست مسلمًا؟ "، قلت: بلى، قال: "فما يمنعك أن تصلي مع الناس؟ "، قال: قلت: قد صليت في أهلي، قال: "فصلِّ مع الناس، وإن كنت قد صليت في أهلك" 12.
وهذا عام أيضًا في الفجر، والعصر، وغيرهما.
والقياس: أنها صلاة شفع، فاستحب له 13 فعلُها في جماعة، دليله: الظهر والعشاء، ولا يلزم عليه الوتر والمغرب؛ لأنهما وتر.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "لا صلاة بعد
الجزء: 1 - الصفحة: 255
العصر حتى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس" 14.
والجواب: أن هذا محمول على غير مسألتنا من النوافل التي لا سبب لها.
واحتج: بما روى أبو بكر بإسناده عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من صلَّى وحدَه، ثم أدرك الجماعة، فليصلِّ، إلا الفجرَ والمغربَ" 15.
والجواب: أنا نحمل قوله - عليه السلام -: "إلا" بمعنى الواو 16، وتقديره: والفجر والمغرب، كما قال 17:
الجزء: 1 - الصفحة: 256
وكُلُّ أَخٍ مفارِقُهُ أخوه ... لَعَمْرُ أَبيكَ 18 إلَّا الفرقدانِ 19
واحتج: بأنها صلاة نافلة، فكُره فعلُها بعد العصر وبعد الفجر، دليله: سائر النوافل التي لا سبب لها، وتبين صحة هذا: أن ماله سبب لا يجوز فعلُه في هذه الأوقات؛ بدليل سجود التلاوة، وتحية المسجد، وصلاة الخسوف، ونحو ذلك، وليس في هذه الصلاة أكثرُ من أن لها سببًا، فيجب أن لا يجوز.
والجواب: أن هذا قياس المنصوص على المنصوص عليه، وذلك لا يجوز؛ لأنه يفضي إلى إسقاط أحدهما، وذلك أن سائر النوافل منهي عنها بقوله - صلى الله عليه وسلم -: "لا صلاة بعد العصر ... وبعد الفجر ... " 20، وفي مسألتنا الخبرُ الذي ذكرنا يقتضي جوازها، فحملُه على ذلك يُسقط أحدَهما؛ ولأن هذه الصلاة آكدُ من غيرها من النوافل، ألا ترى أنه يستحب فيها = الهجرة، وبعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم - ارتد، ثم أسلم، توفي سنة 26 هـ. ينظر: الأعلام (5/ 86)، ونُسِب البيت إلى حضرمي بن عامر.
ينظر: خزانة الأدب (3/ 426).
الجزء: 1 - الصفحة: 257
الجماعة، وغيرها من النوافل التي لها سبب لم يشرع فيها ذلك، فكانت هذه كالفرض.
واحتج: بأنه لو كان في غير مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة، لم يستحب له الدخولُ وفعلُ الفجر والعصر، كذلك إذا كان في مسجد الجماعة، وأقيمت الصلاة يجب أن يكره له فعلُها.
والجواب: أن المذهب على هذا، وأنه يكره دخول في هاتين الصلاتين، وقد نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم (1)، إلا أنه إذا دخل، وحضرت الجماعة، فإنه يصليها، وكأن المعنى في ذلك: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا أقيمت الصلاة وأنتما في المسجد،