مَسْألَة: إذا صلى ركعة بإيماء، ثم صح، بنى على ما مضى:
وقد قال في رواية صالح 1، والفضل بن زياد 2، وأبي الحارث (2):
الجزء: 2 - الصفحة: 296
في مريض صلى قاعدًا، ثم صار خِفًّا في بعض صلاته: يصير إلى ما يقدر عليه، وقد أجزأه ما مضى من صلاته؛ فقد نص على البناء في المصلي جالسًا، وحكمُ المومئ حكمُ الجالس عنده؛ لأن العجز عن القيام يمنع الإمام عنده، كالعجز عن الركوع والسجود، وبه قال الشافعي - رحمه الله - 3.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله - في الرواية المشهورة: [يستقبل] 4 الصلاة.
دليلنا: أن كل حالة يجوز للمريض أن يصلي فيها، فإنه إذا صح، جاز له البناء عليها؛ قياسًا على المريض إذا صلى قاعدًا، ثم قدر على القيام: أنه يقوم ويبني، وإن شئت قلت له: أن يبتدئ عقيب زوال عذره، فجاز له البناء، وكذلك العريان إذا وجد السترة، وكانت بعيدة منه، لا يصح منه الابتداء بالصلاة، فلهذا لم يصح البناء.
الجزء: 2 - الصفحة: 297
فإن قيل: اقتداء القائم بالقاعد جائز، كذلك إذا قدر القاعد على القيام، جاز أن يبني، وليس كذلك من يركع ويسجد؛ لأنه ليس له أن يبتدئ بالمومئ، وإذا قدر على الركوع والسجود، لم يجز له أن يبني.
قيل له: علة لا نسلِّمها 5؛ لأن عندنا: اقتداءُ القائم بالقاعد لا يجوز من الوجه الذي ذكرنا، وأما علةُ الفرع، فلا يمتنع أن يصح الاقتداء به في هذه الحال، ويصح البناء؛ بدليل: أن نفسين لو اختلفا في جهة القبلة، لم يجز لأحدهما أن يتبع صاحبه، ثم لو اختلف اجتهاد أحدهما إلى غير الجهة، جاز له أن يستدبر، ويبني فعل بعضه على بعض، وإن لم يجز لغيره البناء، وكذلك لو أحدث في أثناء الصلاة، جاز أن يتوضأ، ويبني على تحريمته، ولا يجوز للمأموم أن يبني عندك على تلك التحريمة، ولأن حالة الإمامة حالُ كمال، فجاز أن لا يبني المأموم صلاته على صلاة ناقصة، وليس كذلك في حق نفسه؛ لأنه لا يعتبر هذا المعنى، ألا ترى أن المرأة تصح صلاتها في حقها، وإن لم تصح إمامتها بالرجال؟ وكذلك العبد تصح صلاته في الجمعة مأمومًا، وإن لم تصح إمامته في الجمعة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: القاعد على هيئة من هيئات الصلاة، فإذا قدر على القيام، فقام، فقد انتقل من هيئة إلى هيئة، فلم تبطل صلاته، وليس المومئ على هيئة من هيئات الصلاة، فإذا قدر على ما هو هيئة، بطلت صلاته.
الجزء: 2 - الصفحة: 298
قيل: القعود 6 ليس بهيئة في صلاة الفرض، وإنما هو هيئة في صلاة النفل، والإيماء هيئة في النفل أيضًا؛ لأنه يصلي راكبًا ويومئ.
فإن قيل: القعود هيئة في التشهد.
قيل: هو هيئة في غير محل القيام، وكلامنا فيه إذا أتى به في محل القيام، وأيضًا: زوالُ العذر إذا لم يورث زمنًا طويلًا في الصلاة، لم يمنع البناء عليها؛ قياسًا على القاعد إذا قدر على القيام، والأَمَة إذا أُعتقت في الصلاة: أنها تأخذ القناع، وتبني، وفيه احتراز من المستحاضة إذا برأت، وإذا وجد العريان ما يستر به عورته، وكان بعيدًا؛ لأن ذلك يورث عملًا طويلًا.
فإن قيل: الأَمَة إذا أُعتقت وهي في الصلاة، فإنما جاز لها أن تبني؛ لأنه قد كان لها أن تبتدئ بالصلاة بغير قناع مع القدرة على السترة، فإذا أعتقت، لزمها فرضٌ في الحال، فجاز لها أن تبني، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن فرض الركوع والسجود لازم له في الأصل، وإنما يجوز له تركه؛ للعجز عنه، فإذا قدر عليه، لم يجز له أن يبني.
قيل له: فالقيام لازم له في الأصل، وإنما يجوز تركه للعجز عنه، ثم إذا قدر عليه، جاز له البناء، وعلى أن الأمة إنما جاز لها أن تبتدئ الصلاة بغير قناع مع القدرة على السترة؛ لأن الستر غير لازم لها، والعاجز عن الركوع والسجود غير لازم له في حال عجزه، فلا فرق بينهما، ولأنه
الجزء: 2 - الصفحة: 299
لو كان قائمًا، فعجز عنه، كان له أن يجلس، وهو انتقال من كمال إلى ما هو دونه، فإذا عجز عن الركوع والسجود، ثم قدر، أولى أن يبني؛ لأنه انتقال إلى كمال.
واحتج المخالف: بأن من يركع ويسجد لا يقتدي بمن يومئ، لا يبني صلاة بركوع وسجود على تحريمة المومئ، كذلك إذا افتتحها بايماء، ثم قدر على الركوع والسجود، لم يجز له أن يبني؛ لهذه العلة.
والجواب عنه: ما تقدم، وهو أنه لا يمتنع أن لا يصح الاقتداء به في هذه الحال، ويصح البناء من الوجه الذي ذكرنا.
واحتج: بأن الركوع فرض لا يجوز تركه إلا حالَ العجز عنه، ألا ترى أنه إذا كان قادرًا عليه، لم يجز له تركه، وإذا تركه للعجز، ثم قدر عليه، لم يجز له أن يبني، ولزمه أن يستقبل، كالمستحاضة إذا برأت في الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالقاعد إذا قدر على القيام؛ لأن القيام لا يجوز تركُه في غير حال العجز في صلاة الفرض بحال، وإنما يجوز في صلاة النافلة، والركوع والسجود مثلُه لا يجوز تركُه في صلاة الفرض 7، ويجوز تركُه في النافلة إذا صلى على الراحلة، فلا فرق بينهما، وأما المستحاضة إذا انقطع دمها، فذكر شيخنا أبو عبد الله 8 فيها وجهين؛ بناءً على المتيمم
الجزء: 2 - الصفحة: 300
إذا رأى الماء في الصلاة، هل تبطل صلاته، أم لا؟ على روايتين، كذلك المستحاضة على وجهين: أحدهما: لا تبطل، وهو ظاهر كلام أحمد - رحمه الله - في رواية ابن القاسم (1)، وقيل له: هؤلاء يقولون: إذا توضأت، ثم انقطع الدم، فقال: لست أنظر إلى انقطاعه (2) حين توضأت، سال أو لم يَسِلْ، إنما آمرها أن تتوضأ لكل صلاة، فتصلي بذلك الوضوء النفل، والصلاة الفائتة، حتى يدخل وقت صلاة أخرى.
فظاهر هذا: أنه لم يمنع من البناء.
والوجه الثاني (3): تبتدئ؛ لأن زوال عذرها يورث عملًا طويلًا، وليس كذلك المومئ؛ فإنه يبني من غير عمل طويل، فبان الفرق بينهما، والله أعلم.
96 -