مَسْألَة: إذا صلى الكافر، حُكم بإسلامه، سواء كان في جماعة، أو فرادى:
نص على هذا في رواية ابن مشيش 1، والأثرم 2، وبكر بن محمد 3، - واللفظ لبكر -: في يهودي صلى بقوم وهم لا يعلمون: يُجْبر 4 اليهودي على الإسلام؛ لأنه قد صلى، فإن أبى، استتبته ثلاثًا، فإن تاب، وإلا، ضربت عنقه.
فقد حكم بإسلامه، وعلل بأنه قد صلى،
الجزء: 2 - الصفحة: 361
وهذا التعليل يعم الجماعة والفرادى، وقال أيضًا في رواية أحمد بن نصر 5: إذا صلى، وشهد، أجبر على الإسلام 6. وظاهر هذا: أنه يجبر على ذلك، سواء صلى في جماعة، أو فرادى.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله - 7: إن صلى بجماعة، أو في جماعة، حكم بإسلامه، وإن صلى فرادى، لم يحكم بإسلامه.
وقال مالك 8، والشافعي 9، وداود 10 - رحمهم الله -: لا يحكم بإسلامه، سواء صلى بجماعة، أو فرادى.
فالدلالة على أنه يحكم بإسلامه: ما ذكره شيخنا في كتابه عن المعتمر بن سليمان 11 عن أبيه 12، ........................
الجزء: 2 - الصفحة: 362
عن الحضرمي 13، عن أبي السوار 14، عن جندب - رضي الله عنهم - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، [وأكل ذبيحتنا] 15 فهو المسلم، له ذمةُ الله وذمة رسوله" 16، وروي في لفظ آخر: "من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، له مالنا، وعليه ما علينا" 17.
فإن قيل: هذا لم يصلِّ صلاتنا؛ لأن صلاتنا أن يتقدمها في اعتقاد الإسلام.
= تهذيب الكمال (12/ 5)، والتقريب ص 249.
الجزء: 2 - الصفحة: 363
قيل له: قول - عليه السلام -: "من صلى صلاتنا"، معناه: من صلى مثلَ صلاتنا في الهيئات، والأفعال؛ لأنه لو لم يكن كذلك، لم يكن للخبر فائدة؛ لأنه إذا تقدمها الإسلام، كان مسلمًا قبل أن يصلي، والنبي - صلى الله عليه وسلم - حكم له بالإسلام إذا صلى، ولأنه لو كان كذلك، لصار تقدير الخبر كأنه قال: "من صلى صلاتنا وهو مسلم"، وهذا لغو في الكلام.
فإن قيل: فالنبي - صلى الله عليه وسلم - علق الحكم بإسلامه بالصلاة، وأكلِ الذبيحة جميعًا، وأنتم تعلقونه بفعل الصلاة، ولا تعتبرون الآخر.
قيل له: لو خُلِّينا وظاهرَ الخبر، لجعلناهما شرطًا، إلا أنهم لما أجمعوا على سقوط اعتبار أحدهما، أسقطناه، واعتبرنا الآخر، ولم تقم الدلالة على سقوط اعتباره، ومن جهة النظر أنه فعل ما يختص به أهل الإسلام، فوجب أن يكون ظاهره دلالةً على الإسلام؛ كالشهادتين، والتبري من كل دين سوى دين الإسلام، ولا تجب عليه الزكاة، والصيام؛ لأنه لا يختص به أهل الإسلام؛ لأن أهل الذمة يزكون ويتصدقون كما يتصدق المسلمون، ويصومون كما يصوم المسلمون، ولا يلزم عليه الحج؛ لأنا لا نعرف الرواية عن أصحابنا - رحمة الله عليهم -، ولكن إن رأيناه يتجرد في إحرامه كما يتجرد المسلمون، ويطوف بالبيت، فذلك إسلام، وإن رأيناه كذلك في سوق أو غيره، فليس بإسلام؛ لأن هذا الفعل لا يختص به أهل الإسلام، والطواف بالبيت يختص به أهل الإسلام، وكذلك لو أذن في مئذنة، أو حيث يؤذن المسلمون للصلاة، فهو إسلام، وإن كان بحيث لا يؤذن للصلاة، احتمل أن لا يكون إسلامًا؛ لجواز أن
الجزء: 2 - الصفحة: 364
يكون مستهزئًا 18، أو حاكيًا؛ كما رُوي أن أبا محذورة - رضي الله عنه - وأصحابه أذَّنوا في طريق حُنين على طريق الحكاية لمؤذن النبي - صلى الله عليه وسلم - 19 فلم يجعل ذلك إسلامًا منهم.
فإن قيل: الصلاة لا تختص شرعنا؛ لأنهم يصلون.
قيل له: لا يصلونها على الصفات التي نصليها من ركوع واحد، وسجودين في كل ركعة، والأركان المشروعة فيها، والقبلة التي يتوجه إليها, ولأنه كافر صلى مثل صلاتنا، فوجب أن نحكم بإسلامه؛ كالمرتد إذا صلى في دار الحرب.
فإن قيل: لا احتمال هناك، وفي دار الإسلام احتمال أن يكون فعلها تقيَّة.
قيل: يبطل بالشهادتين، إذا فعلها في دارنا، يحتمل أن تكون تقية، ونحكم بإسلامه بفعلها، وأيضًا: فإن السِّيما 20 قد ثبت له حكم في الأصول، ألا ترى أنا إذا رأينا رجلًا عليه زُنَّارًا 21 ...............
الجزء: 2 - الصفحة: 365
أو عسليًا 22، فإنا نحكم بكفره في الظاهر، وكذلك قال أحمد - رحمه الله - في رواية علي بن سعيد 23: في الرجل يوجد مقتولًا في أرض العدو، وقد قطع رأسه، ولا يُدرى من المسلمين أم من العدو، يستدل عليه بالختان والثياب، فإن لم يعرف، لا يصلى عليه.
فثبت أن للسيما حكمًا في هذه المواضع في باب الحكم بالإسلام والكفر، كذلك في مسألتنا، وبعضهم ينكر هذا, ولا يسلّمه 24.
واحتج المخالف: بما رُوي أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - قال لأبي بكر - رضي الله عنه -: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله" 25؟ وهذا لم يقل، فوجب أن يكون قتاله مباحًا.
وروى أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلوا صلاتنا، ويستقبلوا قبلتنا، ويأكلوا ذبيحتنا، فإذا فعلوا ذلك، حرمت
الجزء: 2 - الصفحة: 366
علينا أموالهم ودماؤهم إلا بحقها, ولهم ما للمسلمين، وعليهم ما على المسلمين" 26. ورُوي: أن [ابن] 27 عمر - رضي الله عنه - قال: [قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -] (2): "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابُهم على الله تعالى" 28. وروى أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أُمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، ثم قد حرُم عليَّ دماؤهم وأموالهم، وحسابُهم على الله تعالى" 29، فدل هذا على أن من شرط الإسلام تقديم الشهادتين.
الجزء: 2 - الصفحة: 367
والجواب: أن معناه: حتى يقولوا: لا إله إلا الله، أو ما يقوم مقامه؛ بدلالة ما قدمناه.
واحتج: بأنه كافر لم يأت بالشهادتين، فلم نحكم بإسلامه بنفسه، أصله: إذا صام وزكّى، وفيه احتراز من الصبي، إذا حكم بإسلام أحد أبويه؛ لأنه تابع، ولم نحكم بإسلامه بنفسه، وإن شئت قلت: الصلاة من فروع الإسلام؛ لأنه لا تجب إلا بعد الإسلام، فلم نحكم بإسلامه بفعله؛ دليله: ما ذكرنا، وفيه احتراز من الشهادتين؛ لأنها أصل الدين.
والجواب: أنه منتقض بما ذكره الشافعي - رحمه الله - في المرتد المكره 30، وهو أنه قال 31: إذا شهد شاهدان على رجل أنهما سمعاه يرتد، وقالا: ارتد مُخَلًّى آمِنًا حين ارتد، [كانت] 32 تلك ردةً، وغُنم ماله إذا مات، وإن قال ورثته: [إنه] 33 رجع إلى الإسلام، لم يُقبل منهم إلا ببينة، فإن أقاموها أنهم رأوه بعد هذه الشهادة عليه بالردة يصلي صلاة المسلمين، قبلتُ ذلك منهم، وورثتهم ماله، فإن كان هذا في بلاد الإسلام، والمرتد ليس في حال ضرورة، لم أقبل هذا منهم حتى يشهد شاهدان بالتوبة بعد الردة؛ فقد صرح بأن صلاة المرتد في دار الحرب
الجزء: 2 - الصفحة: 368
يحكم بإسلامه بها، وإن صلى في دار الإسلام، لا يحكم بإسلامه، فإذا كان كذلك، كانت العلل منتقضة، وقد قال أبو الطيب 34 الطبري 35: الصحيح عندي: أنه يجب أن يكون الكافر الأصلي في دار الحرب مثل المرتد، ولا فرق بينهما، فإن احترزوا عن هذا، وقالوا: مقيم في دار الإسلام لم يأت بالشهادتين، فلم يحكم بإسلامه؛ كما لو صام وزكَّى، انتقض بمن لا يُعرف منه كفر متقدم، وقد رأيناه يصلي، فإنه يحكم بإسلامه، وعلى أنه لا تأثير لقولهم: في دار الإسلام في الأصل؛ لأنه لو صام أو زكى في دار الحرب، لم يحكم بإسلامه، فلا معنى لهذا، ثم المعنى في الأصل ما ذكرناه، وهو أنه لا يختص شرعنا، وهذا يختص شرعنا، فهو كالشهادتين.
واحتج: بأن الصلاة دلالة على الإسلام، وليس بصريح في الإسلام، وإذا كان في دار الإسلام، احتمل أن يكون قد فعل للتقية، واحتمل أن يكون قد فعل تقربًا وتوددًا إلى المسلمين؛ كما كان أهل الذمة يصومون معهم شهر رمضان تقربًا إليهم، ويصلون على النبي - صلى الله عليه وسلم -، وما أشبه ذلك،
الجزء: 2 - الصفحة: 369
وهذا كما يقول: إن النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا فعل فعلًا لا يدل على الوجوب، احتمل أن يكون فعله ندبًا، أو واجبًا، أو مباحًا، ويخالف هذا: إذا صلى في دار الكفر؛ لأنه قد زال عنه وجوه الاحتمال؛ لأنه لا يحتمل أن يكون تقية، ولا أن يكون تقربًا إلى المسلمين، فاستدل على إسلامه، واعتقاده له، ولا يلزم عليه الشهادتان؛ لأنها صريح، وليست بكناية، فهو كصريح الطلاق وكنايته.
والجواب: أنه لا فرق بين الصلاة، وبين الشهادتين؛ لأن الشهادتين إنما هي دلالة على اعتقاده للإيمان؛ لأن الإيمان يحصل باعتقاده، والشهادة دلالة عليه، والصلاة بهذه المثابة دلالة على إيمانه، وقولهم: إن الشهادة صريح، ليس بصحيح من الوجوه التي ذكرنا.
فإن قيل: فيقولون 36: إن هذه الصلاة صحيحة أم باطلة؟
قيل: في ظاهر الحكم نحكم بصحتها؛ لأننا قد بينا أنها يستدل بها على إسلام سابق؛ كما قالوا هم في الصلاة في دار الحرب في حق المرتد، ويحمل أمره على الصحة، وأن الإسلام قد سبق، وإن أخبرنا عن حاله، وقال: لم يتقدم هذه الصلاة إسلام، قلنا: هي باطلة؛ لعدم شرطها الذي هو الإيمان, ولكن يلزمه الإيمان, كما قلنا في صلاة المرتد في دار الحرب، إذا قال: لم يسبق مني إيمان، حكم ببطلانها، وحكم بإسلامه، لأننا لا نصدقه في ذلك.
الجزء: 2 - الصفحة: 370
واحتج: بأن كلَّ ما لا يكفر بتركه، لم يحكم بإسلامه بفعله؛ كالطهارة.
والجواب: أنا لا نسلم الوصف؛ لأن عندنا: يكفر بتركها, ولا ينتقض بالشهادتين؛ لأنه لا يتركها، وإنما يكفر بجحدها، ويحكم بإسلامه بفعلها، وعلى أن الطهارة لا تختص شرعنا؛ لأن كل أحد يتطهر، ويتنظف، ولأن الطهارة من موانع العبادات.