مَسْألَة: إذا صلى الظهر في منزله يوم الجمعة قبل أن يصلي الإمام مَنْ لا عذرَ له، كانت صلاته باطلة:
نص عليه في رواية صالح 1، وابن منصور 2: فيمن صلى في بيته الظهر أربعًا، فإن أدرك الإمام، جمع، وإن لم يدرك الإمام، أعاد الظهر؛ لأنه لا ينبغي أن يصلي الظهر حتى تفوته الجمعة.
الجزء: 3 - الصفحة: 161
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: تجزئه صلاته ما لم يخرج بعد ذلك يريد الجمعة، فإن خرج بنية الجمعة، انتقضت جمعته 3.
وقال مالك - رحمه الله -: إن كان في وقت لو سعى إلى الجمعة، لأدركها، أو ركعة منها، لم تجزئه، ويعيدها، وإن كان [في] وقت لو سعى إلى الجمعة، لم يدرك ركعة منها، أجزأه 4.
وقال الشافعي - رضي الله عنه - في الجديد: مثل قولنا، وقال في القديم: يجزئه بكل حال، وقد أساء 5.
وهذه المسألة مبنية على أصل: هل فرض الوقت الجمعة، أم الظهر؟
فعند أحمد - رحمه الله -: فرض الوقت الجمعة.
وعند أبي حنيفة - رحمه الله -: فرض الوقت الظهر، وعليه إسقاطه بإتيان الجمعة.
وتبين الخلاف في أصل آخر: فمن حضر الجمعة، وهو ذاكر للفجر، فخاف أن تفوته الجمعة إن اشتغل بالفجر: يصلي الجمعة، ويؤخر الفائتة؛ كمن ذكر الفجر في آخر وقت الظهر: يبدأ بالظهر.
وعند أبي حنيفة: يبدأ بالفجر؛ لأنه إن فاتته الجمعة، صلى فرض الوقت عنده، وهو الظهر من غير فوات، وقد نص أحمد - رحمه الله -
الجزء: 3 - الصفحة: 162
على هذا الأصل أيضًا في رواية مهنا 6: فيمن نسي صلاة، فذكرها وهو في المسجد يوم الجمعة عند حضور الجمعة، قال: يبدأ بالجمعة، هذه يخاف فوتها.
وقد خرج أبو إسحاق بن شاقلا - رحمه الله -: وجهين في فرض الوقت، هل هو الجمعة، أم الظهر 7؟ وشرح كلامه أنه قال: يتوجه لأحمد - رحمه الله - في المسألة قولان: أحدهما: أن الجمعة ظهر مقصورة؛ لأنه 8 قال: إنما قصرت الصلاة من أجل الخطبة، وقال في موضع آخر: هي عيد، قال: والأشبه بمذهبه: أنه لا يقال: إنها ظهر، إلا أنه لا يختلف قوله: إن الجمعة تجزئ قبل الزوال، فهذا بمذهبه أشبه، ثم قال: ولو كانت ظهرًا مقصورة بأوصاف، جاز أن يصليها أكثر من ركعتين مع وجود الأوصاف؛ كصلاة السفر لما كانت ظهرًا مقصورة، جاز أن يصليها أكثر من ركعتين مع وجود الأوصاف، فلما لم يجز ذلك، بطل أن تكون 9 ظهرًا مقصورة.
فإن قيل: الجمعة إذا صُليت، سقط الظهر، فدل على أن الجمعة
الجزء: 3 - الصفحة: 163
ظهر، ولو كانت عيدًا، لم تسقط الظهر؛ كصلاة العيد.
قيل: إنما سقطت؛ لأنها بدل عنها؛ كما أن التيمم بدل عن الماء، ومعلوم أن التيمم ليس هو الوضوء بالماء، وفارقت 10 صلاة العيد؛ لأنها فرض علي الكفاية، فلا تسقط فرضًا على الأعيان، والجمعة فرض على الأعيان.
فهذا كلام أبي إسحاق.
والدلالة على أن فرض الوقت الجمعة: ما روى محمد بن كعب - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فعليه الجمعة في يوم الجمعة، إلا مريض أو امرأة أو مملوك" 11، فأخبر أن الواجب عليه في يوم الجمعة صلاة الجمعة، وعندهم: أن الواجب هو الظهر، ولأنها صلاة مؤقتة يأثم بتركها، فوجب أن تكون واجبة بنفسها؛ كسائر الصلوات، ولا يلزم عليه إذا ترك قضاء الصلوات حتى مات: أنه يأثم بذلك، وليس بواجب في نفسه؛ لأن تلك الصلاة غير مؤقتة، ولأن الأبدال على ضربين: بدل مرتب لا يجوز فعله إلا عند العجز عن المبدل منه؛ مثل: الصوم في كفارة الظهار، والقتل، وغير ذلك.
وبدل مخير يجوز الإتيان به مع القدرة علي المبدل، وتركه يجوز، والإتيان بالبدل؛ مثل: الصوم في كفارة اليمين، وليس في الأصول بدل يجب فعله مع القدرة على المبدل، ولا يجوز فعل المبدل لقدرته عليه، وعندهم: أن الجمعة
الجزء: 3 - الصفحة: 164
هي بدل عن الظهر، ولا يجوز فعل الظهر التي هي مبدلها لقدرته عليها، وهذا مخالف للأصول.
فإن قيل: لا يمتنع ذلك، ألا ترى أنه لو حضرته الصلاة، ومعه ماء، وهو محتاج إليه لإحياء نفسه، فترك البدل 12 وهو التيمم، واستعمل الماء، كان عاصيًا بتركه البدل إلى المبدل؟ كذلك لا يمتنع في مسألتنا.
قيل له: إنما يعصي هناك بإتلاف الماء دون الوضوء، ألا ترى أنه لو أراق الماء، ولم يتوضأ، كان عاصيًا؟ وها هنا يعصي بفعل المبدل عندك، وهو الظهر، فسقط هذا، ويدل على أنه لا يصح فعل الظهر مع القدرة على الجمعة هو: أن كل صلاة حكم بفسادها بعد السعي إلى غيرها وجب أن يحكم بفسادها قبل السعي؛ دليله: إذا صلى الظهر قبل الزوال، أو صلاها على غير طهارة، تبين صحة هذا: أنه مأمور بالظهر بعد فوات الجمعة، فإذا صلوا قبل فواتها، كانت في معنى من صلاها قبل الزوال، وقبل فعل الطهارة.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لو صلى هكذا في غير يوم الجمعة، لم يصح، كذلك في يوم الجمعة، وليس كذلك في مسألتنا؛ فإنه لو صلاها في غير الجمعة، صحت، كذلك إذا صلاها في يوم الجمعة.
قيل له: هذا يبطل بالجمعة؛ فإنه لو صلاها في غير يوم الجمعة، لا تصح، وفي يوم الجمعة تصح.
الجزء: 3 - الصفحة: 165
واحتج المخالف على أن فرض الوقت الظهر: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "وقت الظهر بزوال 13 الشمس"، ولم يفرق بين يوم الجمعة، وبين سائر الأيام.
والجواب: أن الخبر يقتضي أنه إذا كان للظهر وقت، فإن أوله الزوال، ولسنا نسلم أن للظهر وقتًا في يوم الجمعة حتى يكون أوله الزوال.
واحتج: بأنه لو لم يصل الإمام الجمعة حتى خرج الوقت، صلى الظهر فائتة، فلو لم يكن فرضه الظهر في الوقت، لما صلاها فائتة بعد خروج الوقت؛ لأنها لزمته حين أداها.
والجواب: أن هذا يدل على أن الظهر بدل عن الجمعة؛ لأن البدل ما وجب فعله لتعذر غيره، والظهر يوم الجمعة تفعل لتعذر الجمعة وفواتها، فدل على أنها بدل من الجمعة.
واحتج: بأنه وقت لهذه الصلاة في سائر الأيام، فوجب أن يكون وقتًا لها في يوم الجمعة؛ دليله: سائر الأوقات.
والجواب: أنه يبطل بما بعد غروب الشمس، هو وقتٌ لصلاة المغرب في سائر الليالي، وليس بوقت لها عند أبي حنيفة، ومحمد - رحمهما الله - ليلة المزدلفة؛ لأنه لو صلاها بعد غروب الشمس في
الجزء: 3 - الصفحة: 166
الطريق، لم تجزئه 14، فما ينكر أن يكون بعد الزوال وقتًا للظهر في سائر الأيام، ولا يكون وقتًا في يوم الجمعة.
فإن قيل: بعد الغروب هو وقت لصلاة المغرب ليلة المزدلفة، وهو إذا دفع من عرفات قبل غروب الشمس، وحصل بالمزدلفة في وقت المغرب، فإنه يصليها في وقتها؛ لأنه مأمور بفعلها بالمزدلفة.
قيل له: إن كان التعليل لأن يكون الزوال وقتًا للظهر بحال في يوم الجمعة، فنحن نقول بموجبه، وهو في حق المعذور، ومن لا تلزمه الجمعة، وإن كان التعليل للوجوب في كل حال، فهو منتقض بما بعد الغروب؛ فإنه وقت للمغرب في سائر الليالي في غير ليلة المزدلفة، وليس بوقت لها في ليلة المزدلفة في كل حال، فلا فرق بينهما.
وجواب آخر عن أصل الدليل: وهو أن المعنى في سائر الأيام: أن المأمور به فعلُ الظهر، وليس كذلك في يوم الجمعة؛ لأن المأمور هو الجمعة؛ بدليل: أنه لو صلى الظهر، وترك الجمعة، كان عاصيًا، وإذا ترك الظهر، وصلى الجمعة، كان طائعًا، فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: لا يمتنع أن يكون فرض الوقت هو الظهر، ويكون الناس مأمورين بإسقاطها بالجمعة.
قيل له: إذا كانوا مأمورين بالجمعة، منهيين عن تركها، وإذا فعلوها سقط الفرض، لم يجز أن يكونوا مسقطين لما لم يفرض عليهم.
الجزء: 3 - الصفحة: 167
واحتج: بأنه لو كان فرض الوقت الجمعة، لامتنع وجوب الظهر بعد خروج الوقت؛ لوجود السبب المنافي لوجوبها في الوقت، ألا ترى أن الحائض لو طهرت بعد خروج وقت الظهر، لم يلزمها الظهر؛ لوجود السبب المنافي لوجوبها في الوقت؟ فلما اتفقوا أن عليه الظهر بعد خروج الوقت إذا لم يصل في الوقت، علم أن فرض الوقت الظهر.
والجواب: أن الوقت لم يخل من فرض المبدَل، وهو الجمعة، واذا تعذر فعل الجمعة بفوات وقتها، وجب أن ينتقل إلى البدل، وهو الظهر؛ كما ينتقل إلى أبدال سائر المبدلات عند تعذرها، وليس كذلك الحائض، لأن الوقت في حقها خلا عن فرض الظهر، وعن مبدلها، وهو الجمعة، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج: بأن لو كانت الظهر هي الفرض، لوجب إذا فاتت أن تقضى كسائر الصلوات المفروضات، فلما لم تقض 15، دل على أنها ليست هي الفرض.
والجواب: أن سقوط القضاء لا يمنع توجه الأمر؛ بدليل: صلاة الجنازة لا تقضى عند أبي حنيفة 16، ومع هذا، فهي واجبة، وكذلك النوافل الراتبة، وعلى أنها إنما لم تقض؛ لعدم بعض شرائطها، وهو الخطبة، والعدد، والإمام، وهذا لا يمنع الإيجاب في الأصل؛ كالرقبة إذا عدمها.
الجزء: 3 - الصفحة: 168
واحتج: بأن الجمعة لا يمكنه أداؤها بنفسه؛ لأنها تفتقر إلى عدد، وإمام، وغير ذلك، والإنسان لا يكلَّف عبادة لا يقدر على أدائها بنفسه.
والجواب: أن هذا باطل به إذا سعى إليها، فإنه يلزمه الجمعة، وإن لم يمكنه في هذه الحال أداؤها بنفسه، وعلى أنه قد يلزم الإنسان عبادة، وان لم يمكنه أداؤها بنفسه؛ كالأعمى كُلِّف الصلوات، وإن لم يمكنه أداؤها بنفسه، بل يحتاج إلى من يعاونه في الطهارة، والعلم بالجهة، وحصول الوقت.
واحتج: بأن كل صلاة جاز فعلها من المريض في يوم الجمعة جاز فعلها من الصحيح في يوم الجمعة؛ كالصبح.
والجواب: أن الصبح يؤمر بها في يوم الجمعة على الوجه الذي يؤمر به في غير يوم الجمعة، وليس كذلك الظهر؛ لأنه يؤمر يوم الجمعة بالجمعة دون الظهر، فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: فما معنى قول أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل 17: صلاة 18 الجمعة واجبة فرض، والذهاب إلى الجمعة تطوع سنة مؤكدة.
فكيف تكون فريضة، والذهاب إليها سنة وتطوع؟
قيل: لم يرد بالذهاب إليها: القصد، وإنما أراد به أحد شيئين: إما أن يريد به: البكور الذي وردت السنة بفضله، أو يريد به: السعي الذي
الجزء: 3 - الصفحة: 169
هو سرعة المشي، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حنبل (1): قال الله - عز وجل -: ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: 9]، فسروه على غير وجهه، قالوا: قال ابن مسعود - رضي الله عنه -: لو قرأتها، لسعيت حتى يسقط ردائي (2). فحمل ابن مسعود السعي على الشدة في المشي، والله أعلم.
154 -