مَسْألَة: إذا صلى الظهر في بيته مَنْ لا جمعة عليه؛ كالعبد، والمسافر، والمرأة، والمريض، لم ينتقض ظهره
وهو ظاهر كلام الخرقي - رحمه الله -؛ لأنه قال 5: ومن صلى الظهر يوم الجمعة ممن عليه حضور الجمعة قبل صلاة الإمام، أعادها بعد صلاته ظهرًا، فأوجب الإعادة في حق مَنْ عليه الجمعة، وظاهر كلام أحمد - رحمه الله - يشهد لذلك؛ لأن أبا بكر المروذي 6 قال: كنت23
الجزء: 3 - الصفحة: 170
مع أبي عبد الله بالعسكر، فلم يذهب إلى الجمعة، ولم أذهب أنا، فلما كان الجمعة الأخرى، كنا نسمع النداء، قال: أخاف أن يضيق عليك، اذهب فاشهدها، فمضيت فشهدتها، وكنت قد صليت به أربع ركعات في البيت.
فلو كانت قد انقضت ظهره، لم يعتد أحمد - رحمه الله - بإمامته.
ولأنه قد قال في رواية حنبل 7: لا يجب الغسل يوم الجمعة على من لا يأتي الجمعة.
وقال في روايته أيضًا: ومن كان على فرسخين، ولم يقدر، فلا بأس أن يبيع ويشتري.
ولم يجعله في حكم من عليه الجمعة في مسنون الغسل، وتحريم البيع في وقت النداء، كذلك يجب أن لا يكون في حكمه في باب صلاة الظهر قبل صلاة الإمام، وبهذا قال الشافعي - رضي الله عنه - 8.
وقال أبو بكر - رحمه الله - في الإمامة من كتاب الشافي: وإذا صلى المسافر الظهر، فوجدهم لم يصلوا الجمعة، والمريض، والخائف، والمحبوس، لم تجزئهم صلائهم؛ لأنه لا يجوز أن يصلوا قبل الجمعة 9. = ص 109، والمغني (3/ 222)، والمحرر (1/ 247)، والفروع (3/ 143)، والإنصاف (5/ 179).
الجزء: 3 - الصفحة: 171
وقال في كتاب التنبيه أيضًا: لا يجوز للمسافر، ولا للمريض، ولا من هو مخاطبٌ بالجمعة وغيرُ مخاطبٍ: أن يصلي ظهرًا قبل صلاة الإمام الجمعة، ومن صلى، لم تجزئه، وعليه الإعادة 10.
وقد أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله 11: في المريض يؤخر الصلاة حتى يصلي الإمام، ولا يتقدم الإمام.
فقد منع المريض التقدم.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا صلى في بيته، ثم خرج يريد الجمعة، انتقض ظهره 12. فحكمُه عنده حكمُ من يجب عليه الجمعة.
دليلنا: أن كل صلاة صحت في منزله لم تبطل بدخوله بعد ذلك في صلاة الإمام، أصله: إذا صلى الظهر في منزله، ثم حضر الجماعة، ودخل في صلاة الإمام: أن ظهره لا ينتقض، كذلك ها هنا.
فإن قيل: يُقلب هذا عليكم، فنقول: وجب أن يكون المعذور وغير المعذور فيما ذكرت سواء، أصله: صلاة الظهر.
قيل له: فرض المعذور وغير المعذور في الظهر فرض واحد، وهو الظهر؛ بدليل: أنه لا يأثم بترك غيرها، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه يختلف = ابن تميم (2/ 413)، وشرح الزركشي (2/ 204).
الجزء: 3 - الصفحة: 172
المعذور وغيره في الفرض، فغير المعذور يلزمه إتيان الجمعة، ويأثم بتركها، والمعذور لا يلزمه ذلك، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج المخالف: بأن المعذور تصح له الجمعة؛ بدلالة: إذا صلاها معه في الثاني، يجب أن يصح؛ كمن عليه الجمعة، وإذا صحت الجمعة، لم تجزئه الظهر عن الفرض؛ قياسًا على من عليه الجمعة.
والجواب: أن من عليه فرضها مأمور بإتيانها، عاصٍ بتركها، فلهذا إذا صلاها مع الإمام، كان فرضه الجمعة، ولم تجزئه الظهر، وليس كذلك هذا؛ لأنه ليس عليه إتيان الجمعة، وفرضه الظهر، وقد صلاها، فيجب أن تجزئه، ولا تبطل بإتيان الجمعة بعد ذلك، كما قلنا في صلاة الظهر إذا صلاها في بيته، ثم حضرها مع الإمام، والله أعلم.
155 -