مَسْألَة: إذا صلى أميّ بقارئ، فسدت صلاة القارئ، ولم تفسد صلاة الأمي:
ذكر الخرقي هذا في مختصره 2، فقال: وإن أمّ أميٌّ أميًّا وقارئًا، أعاد القارئ وحدَه، وقد أومأ إليه أحمد في رواية المروذي، ويوسف بن موسى: إذا كان يصلي بقوم، ويلحن لحنًا فاحشًا، لا يُصلى خلفه 3،1
الجزء: 2 - الصفحة: 345
وبه قال مالك - رحمه الله - 4.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: تبطل صلاة الأمي، والقارئ جميعًا 5.
وقال الشافعي - رحمه الله -: صلاة الأمي صحيحة، وصلاة القارئ قولان: في الجديد: قال: تبطل، وفي القديم: هي 6 صحيحة 7.
فالدلالة على أن صلاة القارئ باطلة خلافًا للشافعي في أحد القولين: ما روى أبو مسعود الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يؤم القومَ أقرؤهم لكتاب الله - عز وجل -" 8، فأمر بتقديم الأقرأ، فإذا قدم الأمي، خولف الأمر، ودخل تحت النهي، والنهي يقتضي الفساد.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن الزهري - رضي الله عنه - 9 قال: مضت السنَّة: أنه لا يؤم الناسَ من ليس معه 10 ............................... = ورؤوس المسائل للهاشمي (1/ 194)، والهداية ص 99، والمغني (3/ 29)، ومختصر ابن تميم (2/ 304)، والفروع (3/ 30)، والإنصاف (4/ 395).
الجزء: 2 - الصفحة: 346
من القرآن شيء 11، فظاهر هذا: أنه أراد سنَّة النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولأن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة، على حسب اختلاف الناس في ذلك، فعند أحمد 12، ومالك 13، وأبي حنيفة 14 - رحمهم الله -: يتحمل عنهم في جميع الصلوات، وعند الشافعي - رحمه الله - 15 في القول القديم 16: في الصلاة التي يجهر فيها، وفي القول الجديد: إذا أدركه راكعًا، فإن كان أميًا، فليس من أهل التحمل، فلم تصح إمامته، كما أن الحكم لما كان القصد منه الفصل بين الخصوم، والنظر في أحوال الشهود وتزكيتهم، فإذا لم يكن الحاكم من أهل هذه الأشياء، لم ينعقد له الحكم.
فإن قيل: أليس لو ائتم بجُنب، ولم يعلم بحاله، فإن ائتمامه يصح، وإن لم يكن من أهل القراءة.
قيل له: القياس عندنا: أنه إذا صلى بقوم، وهو محدِث، وذكر بعد فراغه: أن صلاتهم باطلة، ولكن تركنا القياس هناك للأثر، وما استُثني من القياس لا يُلزم بقضاء، ولهذا نقول: لو علم بحدث الإمام في أثناء
الجزء: 2 - الصفحة: 347
الصلاة: إن صلاتهم باطلة.
وأجاب عن هذا قوم، فقالوا: الجنب من أهل القراءة في الجملة، وإن لم توجد منه القراءة، فصح الائتمام به؛ كما لو ائتم بقارئ ولم يقرأ، والأمي ليس من أهل القراءة بحال، فلم يصح الائتمام به، وهذا لا يجيء على أصلنا؛ لأن القارئ إذا لم يقرأ، لا تصح إمامته، وإن كان من أهلها، نص عليه أحمد - رحمه الله - في رواية [ابن] مشيش 17: فيمن صلى بقوم ولم يقرأ؟ يعيد ويعيدون، فإن كان جنبًا، يعيد ولا يعيدون، ويمكن أن نجيب نحن بهذا الجواب على وجه آخر: أن الجنب من أهل القراءة في الجملة، وقد أتى بها في هذه الحالة، وإن لم يكن من أهلها، فوجب أن يعتد بها؛ كما قلنا في الجنب إذا خطب، وقرأ في خطبته، فإنه يعتد بذلك، وإن كان ممنوعًا من القراءة في هذه الحال، وأيضًا: فإن القراءة شرط من شرائط الصلاة، فلم يصح اقتداء القادر عليه بالعاجز عنه؛ دليله: الطهارة، لا يصح اقتداء المتطهر بمن به حدث لا يرقأ؛ كالمستحاضة، ومن به سلس البول، والريح، وقد نص أحمد على هذا في رواية أبي حامد الخفّاف 18: في الذي يسيل منه الدم الفاحش لا يضبطه: لا يعجبني
الجزء: 2 - الصفحة: 348
أن يؤم الناس، إنما يعذر من نفسه.
فإن قيل: المستحاضة، ومن به سلس البول عليه نجاسة، لم يأت ببدل يقوم مقام إزالتها.
قيل له: والأمي لم يأت ببدل يقوم مقام القراءة في باب التحمل، وعلى أن هذا المعنى يوجب عليه إعادة الصلاة إذا زال العذر بعد الفراغ من الصلاة، ولا خلاف أنه لا إعادة عليها، فكان يجب أن نقول: تصح إمامتها؛ لصحة الصلاة في حقها، وهذه المسألة مبنية على أن العاجز عن القيام، والركوع، والسجود، والستارة لا تصح إمامته بمن هو قادر عليها.
واحتج المخالف: بأن القاعد يؤم القائم، والمتيمم يؤم المتطهر، كذلك لا يمتنع أن يؤم الأمي للقارئ.
والجواب: أن القاعد لا يؤم القائم إلا في موضع، وهو إمام الحي إذا كان يرجى برؤه استحسانًا.
والقياس: أنه مثل مسألتنا أنه لا يصح، على أن القراءة آكد؛ بدليل: أنها لا تسقط في صلاة النفل، ويسقط القيام فيها، وأما المتيمم، فقد أتى ببدل عن الطهارة، وبدلُ الشيء يقوم مقامه، وهذا لم يأت ببدل الصلاة، ولأن الطهارة لا يتحملها، والقراءة يتحملها, ولأن هذا يلزم عليه من به سلس البول.
= روى عن الإمام أحمد مسائل حسانًا، توفي سنة 299 هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (1/ 204)، وسير أعلام النبلاء (13/ 560).
الجزء: 2 - الصفحة: 349
فإن قيل: فيجب عليه إذا أتى الأمي ببدل القراءة، وهو: سبحان الله، والحمد لله، أن يصح الاقتداء به، كما يصح اقتداء المتوضئ بالمتيمم؛ لأن البدل يقوم مقامه.
قيل: الطهارة لا يتحمل، والقراءة يتحمل.