مَسْألَة: إذا شك في صلاته، فلم يدر أثلاثًا صلى أم أربعًا؟ فإنه يبني على اليقين، سواء كان أول ما أصابه السهو، أو كان يعرض له ذلك كثيرًا، أو سهوًا كان إمامًا أو منفردًا
نص على هذا في رواية ابن القاسم، فقال: أنا أذهب إلى أن أَبني على اليقين، لا آخذ بالتحري؛ لأنه أصح في الرواية 3.
وكذلك روى أبو داود 4 فقال: كان أبو عبد الله لا يذهب إلى التحري، وكان يرى أن يبني على الأقل.
وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا 5، وبه قال مالك 6،
الجزء: 1 - الصفحة: 373
والشافعي 7، وداود 8 - رحمهم الله -.
وروى أبو طالب عنه 9 في الإمام خاصة: أنه يتحرى، فقال: إذا صلى بقوم، فلا بأس أن يتحرى، وينظر إلى مَنْ خلفه، فإن قاموا، تحرى وقام، وإن سبَّحوا به، تحرى، وفعل ما يفعلون.
ويجب أن يُحمل هذا على أن للإمام رأيًا، فإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين، وهو اختيار الخرقي من أصحابنا 10.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إذا شك في صلاته، فإن كان أول ما أصابه، استأنف الصلاة، وإن كان له كثيرًا، تحرى، فإن كان له رأي، عمل على رأيه الغالب، وإن لم يكن له رأي، بنى على اليقين منه 11.
فالدلالة على أن صلاته لا تبطل إذا كان أول ما أصابه: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 12 قال: نا يونس بن محمد 13 قال: نا فليح 14
الجزء: 1 - الصفحة: 374
عن زيد بن أسلم 15، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه -، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا شكَّ أحدُكم في صلاته، فلم يَدْرِ كَمْ صلَّى، فليبنِ على اليقين، حتى إذا استيقن أن قد أتمَّ، فليسجد سجدتين قبل أن يسلَّم، فإنه إن كانت صلاته وترًا، كان شفعًا، وإن كان شفعًا، كان ذينك ترغيمًا للشيطان" 16. وروى أحمد - رحمه الله - 17، وذكره أبو بكر في كتابه قال: سمعت إبراهيم بن [سعد] 18 قال: حدثني محمد بن إسحاق 19 عن مكحول (5)، عن كريب 20، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أنه قال لي عمر - رضي الله عنه -: يا غلام! هل = ويقال: فليح لقب، واسمه: عبد الملك، قال ابن حجر: (صدوق، كثير الخطأ)، توفي سنة 168 هـ. ينظر: التقريب ص 497.
الجزء: 1 - الصفحة: 375
سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شك الرجلُ في صلاة ماذا يصنع؟ قال: فبينا هما كذلك، إذ أقبل عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -، قال: فيما أنتما؟ فقال عمر - رضي الله عنه -، سألتُ هذا الغلام: هل سمع من رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، أو أحدًا من أصحابه: إذا شكَّ الرجل في صلاته، فلم يدر واحدة صلَّى أو ثنتين؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا شك أحدُكم في صلاته، فلم يدر واحدةً صلى أو اثنتين، فليجعلْها واحدة، وإذا لم يدرِ اثنتين صلى أم ثلاثًا، فليجعلْها ثنتين، وإذا لم يدر ثلاثًا صلى أم أربعًا، فليجعلْها ثلاثًا، ثم يسجد إذا خرج من صلاته وهو جالس قبل أن يسلِّم" 21. وروى أبو بكر في كتابه بإسناده عن علقمة 22 عن عبد الله بن = (ثقة)، توفي سنة 98 هـ. ينظر: التقريب ص 516.
الجزء: 1 - الصفحة: 376
مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا شك أحدكم في صلاته، فليتحرَّ الصوابَ، ثم يسجد سجدتين" 23، يعني: للسهو.
فوجه الدلالة من هذه الأخبار: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر في حديث أبي سعيد، وابن عباس بالبناء على اليقين والسجود، وفي حديث ابن مسعود بالتحري والسجود، ولم يفرق بين أن يكون ذلك في أوله، أو بعد تكرره، فهو على عمومه.
والقياس: أنه شاكٌّ في عدد الركعات، فوجب أن لا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا تكرر منه ذلك، وإن شئت قلت: شك فيما يجب عليه فعلُه في الصلاة، فلا تبطل بذلك صلاته، أصله: إذا شك هل قرأ الفاتحة، وهذا أولى؛ لأنه تأثير لتخصيص عدد الركعات في التعليل 24، وإن شئت قلت: شك في فعل ما أمر به في الصلاة، فوجب أن لا تبطل صلاته، أصله: ما ذكرنا، وهذا أولى من الذي قبله؛ لأن ما يجب فعلُه وما لا يجب فعلُه في مسنونات الصلاة سواء.
فإن قيل: لا يجوز اعتباره بالقراءة؛ لأن الزيادة في القراءة لا تُبطل الصلاة، والزيادة في الركعة وسائر الأفعال تبطل الصلاة.
قيل له: الزيادة في الأفعال إذا تعمدها تُبطل الصلاة، فأما إذا لم
الجزء: 1 - الصفحة: 377
يتعمدها، وعملَها سهوًا، لم تبطل صلاته، وإذا لم يتيقنها، وكان شاكًا هل زاد أم لا؟ فالأصل: أنه ما زاد، فيكون بمنزلة المتيقن أنه لم يزد، فلا يضر ذلك صلاته.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "دع ما يَريبُكَ إلى ما لا يَريبُكَ" 25، وإذا بنى على اليقين، لم يأمن أن يكون قد زاد في صلاته ركعة، فيكون الشك باقيًا من هذا الوجه، وظاهر الخبر يقتضي تركَ الشك من جميع الوجوه، وإذا استقبل، تيقن أنه أدّى 26 فرضه من غير زيادة ولا نقصان.
والجواب: أن المراد به: تركُ الشك، والبناء على اليقين، وهو الأخذ بالأقل الذي هو يقين، وقد روينا ذلك في حديث أبي سعيد، وابن عباس - رضي الله عنهم - حُمِل الخبر عليه.
واحتج: بما روى أحمد - رحمه الله - بإسناده 27، وذكره أبو بكر عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا إغرارَ في صلاةٍ ولا تسليمٍ" 28.
الجزء: 1 - الصفحة: 378
قال أحمد - رحمه الله - في رواية ابنيه 29: سألت أبا عمرو 30 عن قوله: "لا إغرارَ في صلاة ولا تسليم"، فأنكرها بالألف.
فوجه الدلالة: أنا لو قلنا: نأخذ بالأقل، لكان قد انصرف منها وهو شاكٌّ فيها، ففيه غرر بها.
والجواب: أن المراد به: أن المصلي لا ينصرف وهو شاكٌّ في نقصانها، هكذا قال أبو عبيد 31: "لا غرار في الصلاة"؛ أي: لا نقصان 32، فإذا أخذنا بالأقل، وزاد حتى تيقن التمام، لم يكن شاكًا في النقصان، = المصلي، رقم (929)، والحاكم في المستدرك، كتاب: الصلاة، باب: التأمين، رقم (972)، وقال: (حديث صحيح على شرط مسلم)، ووافقه الذهبي في التلخيص (1/ 396)، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (318).
الجزء: 1 - الصفحة: 379
وإلى هذا أومأ أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله، فقال: لا تخرجْ منها [إلا] وأنت تظن أنها كاملة؛ حتى لا يكون منه شكّ، ويكون على الكمال واليقين 33. والذي يدل على أن المراد به: هو النقصان: قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في حديث عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه -: "حتى يكون الوهم في الزيادة"، رواه أحمد - رحمه الله -، وذكره أبو بكر في كتابه، فقال: نا إسماعيل بن إبراهيم 34 قال: نا محمد بن إسحاق قال: حدثني مكحول - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلى أحدكم، فشك في صلاته، فإن شك في الواحدة والاثنتين، فليجعلْهما واحدة، وإن شك في الاثنتين والثلاث، فليجعلْها ثنتين؛ حتى يكون الوهم في الزيادة، ويسجد سجدتين قبل أن يسلِّم، ثم يسلِّم" 35. قال محمد 36: قال لي حسين المغازلي 37: أسند ذلك؟ قال:
الجزء: 1 - الصفحة: 380
قلت: لا، [فقال] 38: لكنه حدثني: أن كريبًا مولى ابن عباس حدثه عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جلست إلى عمر بن الخطاب، فقال: يا ابن عباس! إذا اشتبه على الرجل في صلاته، فلم يدر أزاد أم نقص؟ قلت: والله! يا أمير المؤمنين! ما أدري، ما سمعت في ذلك شيئًا.
فقال عمر: والله! ما أدري.
قال: فبينا نحن على ذلك، إذ جاء عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا الذي تذكران؟ فقال له عمر - رضي الله عنه -: ذكرنا الرجل يَشُكُّ في صلاته كيف يصنع؟ فقال: سمعتُ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ... هذا الحديث 39.
وهذا يدل على أنه المراد بقوله: "لا غرار في الصلاة ولا نقصان".
واحتج: بأنه يمكنه أداء فرضه بيقين، فوجب أن يلزمه، ألا ترى أن من أمكنه أن يتوجه إلى القبلة، ويؤدي صلاته إليها بيقين، لزمه ذلك، ولا يتحرى، ويصلي إليها على غالب الظن؟ كذلك ها هنا.
والجواب: أنه يبطل بمن تيقن الطهارة، وشك في الحدث، فإنه لا يجب عليه أن يتوضأ، ويجوز له أن يصلي، وعلى أن المعنى في الأصل: أن المطلوب معنى موجود، وهو الكعبة، فإذا أمكنه الوصول إليها قطعًا ويقينًا، لم يجز الاجتهاد والظن، وليس كذلك في مسألتنا، فإن المطلوب فَعَله وهو شاكٌّ هل فعله أم لا؟ فإذا فعله، كان شاكًا في الزيادة المفسدة
الجزء: 1 - الصفحة: 381
لصلاته، والأصل عدمُها، فكان الشك فيما أصله عدمُه غيرَ قادح في صلاته، كالشك في الحدث الذي الأصلُ عدمُه.