مَسْألَة: إذا سها الإمام فلم يسجد، سجد المأموم في أصح الروايتين:
رواها المروذي عنه، فقال: إذا سها الإمام، فخرج، والقوم خلفه يسجدون لما سها بهم 1. وبه قال مالك 2، والشافعي 3 - رحمهما الله -. وروى يوسف بن موسى عنه: في الإمام يسهو فلا يسجد: لا يسجد
الجزء: 1 - الصفحة: 468
مَنْ خلفه 4، وهو اختيار أبي بكر من أصحابنا 5، وهو قول أبي حنيفة 6، واختاره المزني 7.
وجه الرواية الأولة: أن الإمام إذا سها، فقد حصل النقص في صلاته وصلاة المأموم؛ لأن صلاة المأموم لما كملت بصلاة الإمام، بدليل قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجمع تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" 8، وإذا كملت صلاته بصلاة الإمام، جاز أن تنقص بنقصانه.
فإن قيل: هذا لا يصح؛ لأن حدث الإمام إذا ذكره بعد الفراغ يوجب
الجزء: 1 - الصفحة: 469
نقصان صلاته، ولا يوجب نقصان صلاة المأموم.
قيل له: فرق بينهما، وذلك أن كمال صلاة الإمام بالطهارة لا يوجب كمال صلاة المأموم إذا كان محدِثًا، فلهذا نقصانُ صلاة الإمام بحدثه لا يوجب نقصان صلاة المأموم، وليس كذلك ها هنا؛ لأن صلاة المأموم تكمل بكمال صلاة الإمام، وهو إذا سها المأموم، ولم يسهُ الإمام، فإنه لا يحتاج إلى سجدتي السهو، وجب إذا نقصت صلاة الإمام بالسهو أن تنقص صلاة المأموم.
وطريقة أخرى: وهو أن الإمام لما يحمل عن المأموم حكم سهوه، لزم المأمومَ اتباعُه فيما لا يُعتد به، وهو إذا أدركه ساجدًا أو جالسًا، فكبر خلفه.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تختلفوا على إمامكم" 9، فإذا ترك الإمام، وسجد هو، فقد اختلف على إمامه.
والجواب: أنه قد خرج بالسلام من أن يكون إمامًا، فإذا سجد، لا يكون قد اختلف على إمامه.
واحتج: بأن المأموم يقول: ما سهوتُ، وإنما إمامي سها، فإن سجد للسهو، سجدتُ تبعًا له، وإن لم يسجد، لم أسجد؛ لأني ما سهوت.
الجزء: 1 - الصفحة: 470
والجواب: أنا نقول له: إمامك سها، ونقصتْ صلاتُك بنقصان صلاة الإمام، كما كملتْ بكمالها؛ ولأنه لما تحمّل عنك الإمامُ حكمَ سهوك، لزمك حكمُ سهوه.
واحتج: بأن سجود السهو مسنون، والمأموم يتبع إمامه في ترك المسنون، كما إذا ترك التشهد الأول، والجلوس له، فإن المأموم يتبعه في تركه، كذلك ها هنا.
والجواب: أن سجود السهو عندنا واجب، وقد بينا ذلك فيما قبل، ولا يجوز أن يتبعه في ترك واجب، وما استشهدوا به من ترك التشهد الأول فلا نسلمه أيضًا؛ لأن عندنا: أنه واجب، ولا يتبعه في تركه، ولو سلمنا ذلك نظرًا، فلا يشبه مسألتنا؛ لأنه إنما يتبعه في ترك المسنونات ما دام مؤتمًا به، ومتبعًا له، فأما إذا كان فارقه، وزال اتباعه، فإنه لا يتبعه في ترك المسنونات، وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أبي داود: في الإمام يسلم، وقد بقي عليه من الدعاء شيء: يسلم إلا أن يكون شيئًا يسيرًا 10.
فإن قيل: أليس لو أدرك الإمام ساجدًا، فسجد معه، فلما رفع الإمام رأسه عن السجدة الأولى، وأراد أن يسجد الأخرى، فسدت صلاته، فإن المأموم لا يأتي بالسجدة الأخرى؛ لأن إمامه ما أتى بها.
قيل: الفصل بينهما: أن سجود السهو يفعله لتكمل صلاته، فإذا
الجزء: 1 - الصفحة: 471
لم يفعله إمامه، فعله هو عن نفسه، وليس كذلك في تلك المسألة؛ لأن المأموم يفعله لاتباع إمامه، لا لتكملة صلاته، فلهذا إذا لم يفعله الإمام، لم يفعله المأموم، فبان الفرق بينهما.
فإن قيل: أليس [سجود] التلاوة يتوجه على التالي والمستمع، ثم ثبت أن التالي لو تركه، سقط عن المستمع، سواء كان التالي في صلاة، أو في غيرها، نص عليه في رواية المروذي، قال: قُرِئ على أبي عبد الله السجدة، فلم يسجد، فقلت له: لم تسجد؟ فقال: لو سجدتَ، سجدتُ 11.
قيل له: سجود التلاوة سنة، والمستمع لها تابع، والقارئ هو المتبوع، ولهذا قال أحمد - رحمه الله - في رواية: ... 12 إذا كان القارئ صبيًا 13 أو امرأة، لم يسجد المستمع 14، والسنن لا يثبت حكمها إلا بعد ثبوت المتبوع، ولهذا قلنا في السنن الراتبة كسنة الظهر، والمغرب، والعشاء: لا تثبت إلا بعد أن تتقدم المفروضة، وليس كذلك سجود السهو؛ لأنه واجب عندنا, ولأن فعل تلك لا يعود بكمال القراءة، فتركها لا يعود بنقصانها، وسجود السهو يعود بكمال الصلاة، فتركه يعود بنقصانها.
الجزء: 1 - الصفحة: 472
آخر الجزء الرابع عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه، وعلى والديهم، والمسلمين أجمعين -.
48 -
مَسْألَة: إذا صلى بقوم وهو جُنب أو محدِث، فإن كان عالمًا بحدث نفسه، أعاد وأعادوا، علموا أو لم يعلموا، وإن كان ناسيًا، فإن علموا بذلك في أثناء الصلاة، أعاد وأعادوا أيضًا، وإن علموا بعد الفراغ منها، أعاد، ولم يعيدوا:
نص عليه في مواضع، فقال في رواية المروذي: إذا صلى الجنب بأصحابه ناسيًا، يعيد ولا يعيدون، وإن كان ذاكرًا، يعيد ويعيدون، وإن ذكر وهو في الصلاة أنه لم يتمضمض، ولم يستنشق، يعيدون، وإن لم يذكر حتى فرغ، يعيد ولا يعيدون 15، وقد نص على معنى هذا في رواية ابن القاسم 16، وأبي طالب 17، وغيرهم.
وقد روى بكر بن محمد عن أبيه عنه كلامًا يدل على أنه إذا كان ناسيًا
الجزء: 1 - الصفحة: 473
أنهم لا يعيدون، سواء علموا بذلك في الصلاة، أو خارجًا منها، فقال: في إمام صلى بقوم، فلما دخل في الصلاة، أو صلى بعضها، شك أنه متوضئ أم 18: لم يجزئه، حتى يستيقن أنه كان على وضوء، ولا تفسد صلاتهم، إن شاؤوا قدّموا، وإن شاؤوا صلَّوا فرادى 19.
فقد نص على أن علمهم بفساد صلاته في أثناء الصلاة لا يوجب عليهم الإعادة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يعيد ويعيدون بكل حال 20.
وقال مالك - رحمه الله -: إن كان عامدًا، يعيد ويعيدون، وإن لم يعلموا بذلك، وإن كان ناسيًا، أعاد ولم يعيدوا 21.
وقال الشافعي - رحمه الله -: يعيد ولا يعيدون، عالمًا كان أو ناسيًا 22، وهو قول داود 23.
فالدلالة على أنهم لا يعيدون إذا لم يكن عالمًا بحدثه، وعلموا بذلك بعد الفراغ من أفعال الصلاة، خلافًا لأبي حنيفة - رحمه الله -: ما روى
الجزء: 1 - الصفحة: 474
أبو الحسن الدارقطني 24 عن جويبر 25 عن الضحاك 26، عن البراء بن عازب - رضي الله عنه - قال: صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بقوم، وليس هو على وضوء، فتمت للقوم، وأعاد النبي - صلى الله عليه وسلم - 27.
وقوله: صلى، يقتضي جميعَ الصلاة.
وروى أبو الحسن بإسناده 28 عن إسحاق بن راهويه عن بقية: نا عيسى بن عبد الله الأنصاري 29 عن جويبر عن الضحاك، عن البراء بن عازب، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا صلى الإمام بالقوم وهو جنب، فقد مضت صلاتهم، ثم ليغتسلْ هو، ثم ليُعِدْ صلاته، فإن صلى بغير وضوء، فمثل
الجزء: 1 - الصفحة: 475
ذلك"، وظاهر هذه الأخبار يدل على الفراغ من الصلاة، ثم لم يأمر المأمومين بالإعادة، فدل على أن الإعادة غير واجبة.
واعتمد أحمد - رحمه الله - في المسألة على إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -، فروى أحمد في مسائل عبد الله 30 قال: نا وكيع 31 قال: نا الأعمش 32 عن إبراهيم 33: أن عمر - رضي الله عنه -: صلى بالناس وهو جنب، وأعاد ولم يعيدوا 34.
الجزء: 1 - الصفحة: 476
وروى أحمد - رحمه الله - 35 قال: نا هشيم 36 عن خالد بن سلمة المخزومي 37 عن محمد بن عمرو بن الحارث 38، عن عثمان - رضي الله عنه - قال: يعيد ولا يعيدون إذا صلى بهم وهو جنب 39. وروى عبد الله بن أحمد 40 قال: حدثني أبو معمر 41 قال: حدثني
الجزء: 1 - الصفحة: 477
يزيد 42 بن هارون 43 عن الحجاج 44، عن أبي إسحاق 45، عن الحارث 46، عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - في الرجل يصلي بالقوم وهو على غير وضوء؟ يعيد ولا يعيدون 47. وروى أحمد 48 ...................................
الجزء: 1 - الصفحة: 478
قال نا عبد الرحمن بن مهدي 49 قال: نا سفيان 50 عن معمر، عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - في رجل صلى بقوم وهو على غير وضوء؟ قال: يعيد ولا يعيدون 51. وروى عبد الله: حدثني أبو معمر عن هشيم، عن جابر، عن الشعبي 52، والقاسم 53، وسالم 54، ...................
الجزء: 1 - الصفحة: 479
وأبي جعفر 55 - رضي الله عنهم - قالوا: يعيد ولا يعيدون.
وروى أحمد عن هشيم، عن مغيرة 56، عن إبراهيم 57 ويونس 58 عن الحسن 59. والشيباني 60 عن سعيد بن جبير 61.
وجابر 62 ........................................
الجزء: 1 - الصفحة: 480
عن أبي جعفر 63، وسالم 64، وعد أربعة، قال: يعيد ولا يعيدون، يعني: في الجنب يصلي بالقوم.
وقال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان: أكان بالكوفة أحد يقول: يعيد ويعيدون؟ قال: لا، إلا حمادًا 65، قال أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي: إنما كان حماد يقول: يعيد، ويعيدون اختيارًا أو استحبابًا؛ لأنه روى إبراهيم الصائغ 66 عن حماد: أنه كان يقول: إذا كان يعرف القوم، وذهب الوقت، أعاد الإمام، ................................. = ينظر: التقريب ص 113.
الجزء: 1 - الصفحة: 481
ولم يعد أصحابه 67. وهذا يدل على حصول الإجماع منهم على ذلك قبل أبي حنيفة - رحمه الله -.
فإن قيل: نحمل ما رويتموه على أن القوم تفرقوا, ولم يعرفهم عمر.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه معلوم أن أكثر من صلى خلفه الصحابة، وهم معه في البلد، وعلى أن الذي روينا عن عثمان، وعلي، وابن عمر - رضي الله عنهم - قولًا مبتدأً: أنهم قالوا: يعيد ولا يعيدون.
والقياس: أنه علم بحدث الإمام بعد فراغه من أفعال الصلاة، فلم يلزمه الإعادة، دليله: لو سبق الإمام الحدث، فلم يعلم به المأموم حتى فرغ من الصلاة، فإنه لا يعيد، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى هناك: أن صلاة الإمام لم تبطل، بل يتوضأ، ويبني عليها، فلهذا لم يعد المأموم.
قيل له: لا نسلم لك هذا؛ لأن الرواية في الحدث إذا سبقه في الصلاة هل يبني أو يبتدئ؟ والصحيح: أنه يبتدئ، وقد تقدم الكلام في ذلك، وحكينا كلام أحمد - رحمه الله -، واختلاف الفقهاء فيه، وقد نص أيضًا في الإمام إذا سبقه الحدث، فروى عبد الله 68، وصالح 69،
الجزء: 1 - الصفحة: 482
ومهنا 70: جوازَ الاستخلاف، وهذا يدل على أن صلاته لم تبطل.
قال أبو بكر 71: ثم رجع عنه 72، وأنبأ عن نفسه: أنه يخرج فيبتدئ الصلاة، ويبتدئون الصلاة، قال (2): وبه أقول 73.
نص عليه في رواية أحمد بن سعيد 74، وبكر بن محمد، فقال: إذا أحدث قبل أن يخرج من صلاته، يخرج فيتوضأ، ويستقبلون الصلاة، ولا يستخلف، ليس هو في صلاة 75.
فإن قيل: فإذا قلت: إن حدَثَ الإمام يُبطل صلاته وصلاة المأمومين، فلا معنى لقولك: علم بحدثه بعد الفراغ، وعندك: أنه تبطل صلاتهم
الجزء: 1 - الصفحة: 483
قبل الفراغ وبعده.
قيل له: لا نقول هذا، بل نقول فيه ما نقوله في مسألتنا، وهو: إن عملوا بسبق حدثه في الصلاة، أعاد وأعادوا، وإن علموا بذلك بعد خروجه من أفعال الصلاة، لم يعيدوا؛ ولأنه لو اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة، وهو لا يعلم، فلما فرغ من صلاته علم، فإنه لا إعادة عليه، كذا إذا اقتدى بمحدث وهو لا يعلم، ثم علم بعد ذلك.
فإن قيل: ذلك المعنى هو في المأموم لا في الإمام، وهو ترك التوجه إلى القبلة، ألا ترى أنه لو لم يقتد بالإمام، وافتتح الصلاة منفردًا إلى تلك الجهة، لم يصح؟ وفي مسألتنا المانعُ معنًى في الإمام.
قيل: هما سواء في العلم بعد الفراغ في الصحة.
فإن قيل: هناك صلاة الإمام لم تبطل، وها هنا صلاة الإمام باطلة.
قيل: هما سواء في منع الاقتداء مع العلم.
واحتج المخالف: بأنه اقتداء بمن لم تنعقد صلاته، فوجب أن يلزمه الإعادة، كما لو كان عالمًا بحاله، أو كان الإمام عالمًا بحال نفسه، والمأموم لا يعلم.
والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم من صلاته، فإن صلاته لا تبطل، وإن لم تنعقد صلاة الإمام، ثم المعنى فيه إذا كان عالمًا بحدث الإمام، أو بحدث نفسه، أنه يقتدي بمن عنده: أنه ليس في صلاة، فهو مفرط، ألا ترى أنه
الجزء: 1 - الصفحة: 484
لو كان متطهرًا، فاعتقد أنه محدث، وائتم به، لم تصح صلاته؟ وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه يعتقد أن إمامه في الصلاة، فهو غير مفرط.
واحتج: بأنه منع في الإمام صحة الاقتداء به في حال العلم به، فوجب أن يمنع صحته في حال الجهل؛ قياسًا على كفر الإمام، وعلى الأنوثية.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يمنع صحة الاقتداء مع العلم، ولا يمنع حال الجهل؛ كمن اقتدى بإمام اجتهد فأخطأ القبلة وهو يعلم، لم تصح صلاته، ولو لم يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، وعلى أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بحاله وبين عدمه، وأما الكفر والأنوثية، فإلحاقُ مسألتنا بإمام اجتهد فأخطأ أشبهُ من إلحاقه بالكافر والمرأة اللذين ليسا من أهل الإمامة في الجملة.
واحتج: بأنه حدث يمنع صحة الاقتداء مع العلم، فمنع مع الجهل، دليله: حدث نفسه.
والجواب: أنَّا قد بيَّنا الفرق بين العلم بالحدث، وبين الجهل به، وأما حدث نفسه، فهو منسوب فيه إلى التفريط في حدث الإمام؛ لأنه ما كلف معرفة طهارته قبل دخوله في الصلاة معه.
واحتج: بأنه اقتداء بمحدِث، فلم تصح صلاته؛ كما لو علم بحدثه في الصلاة.
والجواب: أنه يبطل بالمسبوق إذا استخلف، فأحدث في الركعة
الجزء: 1 - الصفحة: 485
الآخرة عامدًا بعد فراغ المأموم: لا تبطل، وإن كان إمامه محدثًا، وعلى أن العلم بحدثه في الصلاة يخالف العلم خارج الصلاة؛ بدليل: أنه لو اقتدى بإمام اجتهد وأخطأ القبلة وهو لا يعلم حتى فرغ، صحت صلاته، ولو علم قبل الفراغ، نوى مفارقته، ولم يجز له تمام الصلاة معه، فبان الفرق بين العلم بعد الفراغ: أنه يعتد بجميعها معه، وقبل الفراغ لا يعتد بجميعها، وإنما افترقا من وجه، وهو إذا علم بخطئه في الصلاة، ينوي مفارقته، وإذا علم بحدثه، بطلت صلاته؛ لأن العلم بخطئه لا تبطل صلاة الإمام، فلم تبطل صلاته، وحدثُه يبطل صلاة الإمام، فجاز أن يُبطل صلاته، وليس إذا أَثَّر في حال العلم في الصلاة يجب أن يؤثِّر بعد الفراغ، كما أن علمه بخطأ إمامه أَثَّر في الاقتداء قبل الفراغ، ولم يؤثر بعد الفراغ؛ ولأن ما بعد الفراغ من الصلاة لا يُبطل صلاة الإمام ببطلان صلاة المأموم، وهو إذا صلى بمسبوق، وسلّم، ثم أفسدوا صلاتهم، لم تبطل جماعته، كذلك لا تبطل صلاتهم ببطلان صلاة الإمام، ليس كذلك في أثناء الصلاة؛ لأنه تبطل صلاته ببطلان صلاتهم، وهو إذا نقص العدد في الجمعة، بطلت صلاته، وفي الجماعة تبطل جماعته، ويصير منفردًا، ولأنهم قد قالوا: إذا صلى الأمي والقارئ، بطلت صلاة الجميع؛ لأنهم كانوا قادرين أن يأتوا بالصلاة بقراءة، قال الرازي 76: إن لم يعلموا أن
الجزء: 1 - الصفحة: 486
فيهم قارئًا حتى فرغوا من الصلاة: أن صلاة الأمي صحيحة، وإن علموا في الصلاة، لم تصح صلاتهم.
واحتج: بأن صلاة المأموم مضمنة بصلاة الإمام، تفسد بفسادها؛ بدليل: ما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "الإمام ضامن" 77، فلو كان مصليًا لنفسه، ولم تكن صلاة المأموم معقودة بصلاة الإمام، ما كان ضامنًا، وقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة" 78، فلو كان كل واحد مصليًا لنفسه 79؛ ولأنه لو كان = قال الخطيب البغدادي عنه: (أبو بكر الرازي الفقيه، إمام أصحاب الرأي في وقته)، توفي سنة 370 هـ. ينظر: تاريخ بغداد (4/ 314). وقد أكثر المؤلف من ذكره في كتابه "العدة في أصول الفقه" في مواضع متفرقة؛ كما في (1/ 294، 2/ 349 و 360 و 385 و 544 و 591، 3/ 756 و 969) وغيرها.
الجزء: 1 - الصفحة: 487
مصليًا لنفسه، لم يلحق المأمومَ سهوُ إمامه.
والجواب: أنه لا يمتنع أن يتبعه في الفساد في حال، ولا يتبعه في حال؛ كما لو ائتم بمسبوق، فأحدث فيما أدركه معه عامدًا، بطلت صلاته، ولو أحدث فيما يقضيه، فقد فسدت صلاته، وكان المأموم مؤتمًا به.