مَسْألَة: إذا سبقه الحدث في صلاته بطلت الصلاة:
نص عليه في رواية الميموني 3، ...........................12 = (1/ 178)، والطبقات (2/ 412).
الجزء: 1 - الصفحة: 228
وإسحاق بن إبراهيم 4، وصالح 5، قال صالح: قلت 6: قال سفيان في الضحك والريح: يعيد الوضوء والصلاة، وفي الرعاف 7: يبني؟ فقال: إني أعجبُ إليَّ أن يتوضأ في هذا كله ويستأنف الصلاة 8. وبهذا قال مالك 9، والشافعي - رحمهما الله - في الجديد 10. وروى حنبل عنه: أنه يتوضأ، ويبني على صلاته 11. وهو قول أبي حنيفة - رحمه الله - 12، والشافعي - رحمه الله - في القديم 13، وداود 14.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
وروى عنه الفضل بن زياد: إن كان الحدث من السبيلين، يبتدئ الصلاة، وإن كان من غيرهما؛ كالرعاف والفصاد 15 ونحوه، توضأ وبنى 16.
وهو قول سفيان - رضي الله عنه - 17.
فالدلالة على أنه يبتدئ الصلاة: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا صلاة إلا بطهور" 18، وهذا لا طهور له، فوجب أن لا يكون صلاة.
فإن قيل: لا تجوز الصلاة بغير طهور؛ لأنه لو فعل جزءًا منها بغير طهور، لم يعتد به.
قيل له: إلا أنه داخل في الصلاة، ومتلبس فيها قبل أن يتوضأ، والخبر يقتضي: نفي الصلاة إذا لم تكن طهارة.
وأيضًا ما روى أبو داود 19، وذكره أبو بكر بإسناده عن علي بن طلق - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فسا أحدُكم في الصلاة، فلينصرف،
الجزء: 1 - الصفحة: 230
فليتوضأ، وليُعد صلاته" 20، ولم يفرق بين أن يكون مختارًا، أو مغلوبًا عليه.
والقياس: أنه حدثٌ يمنع من المضي في الصلاة، فوجب أن يمنع من البناء عليها، قياسًا على الحدث إذا تعمده، وعكسه حدث الاستحاضة، ومن به سَلَس؛ لأن هناك لا يمنع المضي، فلا يمنع البناء.
فإن قيل: امتناع المضي فيها لا يدل على بطلانها، كالأمة إذا عتقت في الصلاة، لا يجوز لها [أن] 21 تمضي فيها بغير قناع، ولا تبطل صلاتها، وأهل قباء لما علموا بوجوب التوجه إلى الكعبة، لم يجز لهم المضي فيها إلى تلك الجهة، ولم تبطل صلاتهم.
قيل له: إنما لم تبطل صلاتها، وصلاة أهل قباء؛ لأن ذلك عمل يسير، وهو الستر، والاستدارة إلى القبلة، وها هنا عمل كثير؛ ولأن ما أوجب الطهارة في خلال الصلاة أبطل الصلاة.
دليله: الماسح على الخفين إذا انقضت مدة مسحه في الصلاة، وكما لو احتلم في صلاته في حال نومه، أو أصابته بُنْدُقة 22، فشجته،
الجزء: 1 - الصفحة: 231
وسال دمه، فإنهم قد وافقوا في هذه المسائل أنه يبتدئ الصلاة، كذلك ها هنا.
فإن قيل: المعنى في المسح على الخفين: أنه لا يرفع الحدث، وإنما أُبيح له أداءُ الصلاة به ما دام الوقت باقيًا، فإذا خرج الوقت، ارتفعت الرخصة، وقد حصل له جزء من الصلاة مع الحدث، فيجب عليه أن يستقبل، وها هنا صح دخوله في الصلاة على طهارة صحيحة، ففارقَ حكمَ الماسح، وكذا الاحتلام؛ فإن القياس يقتضي فيه البناء كالحدث، لكن خصصناه من جملة القياس، فلا يقاس عليه، وأما الحدث بالبندقة، فإنما 23 ابتداء؛ فإنه حصل بفعل آدمي.
قيل له: أما قولك: إن المسح لا يرفع الحدث، فلا نسلم لك هذا، بل يرفع الحدث، وهذا أصل قد تقدم الكلام فيه في الطهارة في مسألة: إذا خلع خفيه، هل تبطل الطهارة بكمالها، أم لا؟
وعلى أن هذا المعنى لم يمنع من المضي في جميع الصلاة، مع بقاء الوقت، فأولى أن لا يمنع الاعتداد.
وأما قولك: إن القياس يقتضي في الاحتلام: أنه يبني أيضًا، لكن خصصناه بدليل، فغير صحيح؛ لأن المعنى الذي لأجله تركت القياس في الاحتلام موجود في غيره من الأحداث، فيجب أن يترك القياس له.
= ينظر: اللسان (بندق).
الجزء: 1 - الصفحة: 232
وأما قولك: إن الحدث بالبندقة حصل بفعل آدمي، فيبطل إذا وقعت آجُرّة 24 على رأسه من هبوب ريح، ومرور سِنَّور 25 عليها، فشجته، فإن صلاته تبطل، وإن كان ذلك بغير فعل آدمي، وعلى أن هذا لا يوجب الفرق بينهما في البناء والابتداء، كما لم يوجبه في بعض الطهارة وبطلانها.
واحتج المخالف: بما روى ابن أبي مليكة 26 عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قاء 27، أو رعفَ، فلينصرفْ فليتوضأ، وليبنِ على ما مضى من صلاته ما لم يتكلَّمْ أو يُحْدِث" 28.
والجواب: أن أبا طالب سأل أحمد - رحمه الله - عن حديث ابن
الجزء: 1 - الصفحة: 233
عياش 29 عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من قاء أو رعف"، فقال: كذا رواه ابن عياش، وإنما رواه ابن جريج عن أبيه 30، وليس فيه عائشة - رضي الله عنها -، ولا النبي - صلى الله عليه وسلم - 31. ورُوي عن أبي عبد الرحمن بن أبي حاتم 32 قال: سألتُ أبي 33 عن هذا الحديث؟ فقال: هذا خطأ، إنما يرويه ابنُ جريج عن أبيه، عن ابن أبي مليكة، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 34.
الجزء: 1 - الصفحة: 234
وجواب ثاني 35: وهو أنه لو صح واتصل، فإنا نحمل قوله: "يبني" بمعنى: يبتدئ؛ لأنه يقال لمن فعل مثلَ ما سبق بفعله: بنى عليه، فيقال: فلان 36 يبني على حديث فلان، وفلان يبني دار فلان، وإن كان مبتدئًا بها.
وقوله 37: "ما لم يتكلم" حث على المسارعة إليه قبل الاشتغال بغيره حتى لا يفوته الوقت.
واحتج: بما روي عن عمر 38، وعلي 39، وابن عمر 40 - رضي الله عنهم - جواز البناء، ولا نعرف عن نظرائهم خلافه.
= بدلًا عن: (يرويه)
الجزء: 1 - الصفحة: 235
والجواب: أنه قد رُوي عن المسور بن مخرمة - رضي الله عنه -: أنه يستأنف الصلاة 41، وروى أبو حفص البرمكي 42 بإسناده عن الزهري: أن معاوية - رضي الله عنه - صلى بالناس، فطُعن وهو ساجد، فسلّم، وقال: أتموا صلاتكم، فصلى كل رجل لنفسه، ولم يقدِّم رجلًا 43. وقوله: "سلّم" يقتضي: أنه لم يتم صلاته.
واحتج: بأنه حدث خارج الصلاة لا يتعلق به غسلُ جميع البدن، فإذا حدث في الصلاة بغير فعل آدمي، لم تبطل الصلاة، دليله: دم الاستحاضة، وبول من به سلس البول، ولا يلزم عليه الضحك؛ لأنه ليس بحدث خارج الصلاة، ولا يلزم عليه الاحتلام؛ لأنه يتعلق به غسل جميع البدن، ولا يلزم عليه إذا أصابته بندقة فشجته؛ لأنه حصل بفعل الآدمي.
الجزء: 1 - الصفحة: 236
والجواب: أنه يبطل بانقضاء مدة المسح، وبوقوع الآجرّة على رأسه بهبوب الريح، ومشي السنور عليها، فإنه بغير فعل آدمي، ولا يتعلق به غسلُ جميع البدن، وهو حدث خارج الصلاة، ومع هذا، فإنه يُبطل الصلاة، ثم المعنى في الأصل: أنه لا يمنع من المضي في الصلاة، أو لا يوجب عملًا طويلًا، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه بخلافه، والله أعلم.
18 -