مَسْألَة: إذا سَبَّح بالإمام اثنان من المأمومين، فإنه يرجع إلى قولهما، سواء سبحوا به إلى زيادة، أو نقصان، وسواء قلنا: إنه يبني على اليقين، أو على غالب ظنه:
نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه: فقال: لا يجوز له إذا صلى وحده، أو كان إمامًا، أن ينصرف إلا على اليقين، إلا أن يسبحوا به، فيصير إلى يقينهم إذا سبح به نفسان، فإن كان واحدًا، لم يجز عندي؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما قال له ذو اليدين، لم يقبل قوله حتى سأل القوم 1.
وقال أيضًا - في رواية أبي داود - 2: إذا وَهِمَ في صلاته وهو إمام، فسبَّح به مَنْ خلفَه، فإن سبحوا به، فلم يلتفت، وصلى، يعيد، ويعيدون.
فقد صرح القول أن صلاته تبطل إذا ترك المتابعة لهم، وهو اختيار
الجزء: 1 - الصفحة: 392
أبي بكر الخلال 3.
وروى أبو بكر المروذي عنه: إذا قام إلى خامسة، فسبحوا به، فلم يلتفت إلى قولهم، لا يتبعوه، ولا يُسلِّموا، يعجبني أن يصبروا حتى يكون هو يسلِّم بهم 4.
فظاهر هذا: أنه مأمور بالرجوع إلى قولهم، فإن لم يرجع، لم تبطل صلاته.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يجوز أن يرجع إلى قول واحد منهم 5.
وقال مالك - رحمه الله -: يرجع إلى قول اثنين منهم 6.
وقال الشافعي - رحمه الله -: لا يجوز له الرجوع إلى قولهم، ويبني على يقين نفسه 7.
دليلنا: ما روي في حديث ذي اليدين، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى الظهر، فسلم من اثنتين، فقام ذو اليدين فقال: أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر وعمر - رضي الله عنهما -: "أحقٌّ ما قال ذو اليدين؟ "، قالا: نعم،
الجزء: 1 - الصفحة: 393
فصلى ركعتين، وسجد للسهو 8.
ففيه دلالة: على أنه يرجع إلى قول المأمومين، وفيه دلالة أيضًا: على أنه لا يرجع إلى قول الواحد؛ لأنه لم يلتفت لقول 9 ذي اليدين.
فإن قيل: لم يرجع إلى قولهما، وإنما يذكر بقولهما، فرجع إلى يقين نفسه.
قيل له: نقل في الخبر حكم، وهو الرجوع، وسبب، وهو سؤاله لهما عن ذلك، فالظاهر أن الحكم متعلق بذلك السبب.
ولأن قول الاثنين فصاعدًا أمارة ظاهرة تدل على السهو، فجاز الرجوع إليه، وتركُ اليقين، كما قلنا في الحاكم يرجع إلى قول الشهادة؛ لأنها أمارة ظاهرة، ويترك الأصل واليقين، وهو براءة الذمم 10، وكذلك
الجزء: 1 - الصفحة: 394
العمل بخبر الواحد جائز، وهو أمارة، وغلبة ظن، وإن كان الأصل هو اليقين، وكذلك في الصيام إذا حال دون هلال شوال غيم في ليلة الثلاثين، فشهد اثنان برؤية الهلال، فإنه يرجع إلى شهادتهما، وهو غالب ظن، فيترك اليقين والأصل الذي هو بقاء الشهر، كذلك ها هنا.
ولأنه لا يمتنع أن يرجع إلى قول غيره في فعل نفسه، الدليل عليه: ما رُوي عن أنس - رضي الله عنه - قال: بعث أبو موسى بالهرمزانِ 11 معي إلى عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين نزل على حكمه، فلما قدمتُ به، لم يتكلم الهرمزان، فقال عمر - رضي الله عنه -: تكلم، فقال: كلام حي، أم كلام ميت؟ فقال له: تكلم، ولا بأس عليك، فقال: نحن وأنتم - معاشرَ العرب - حيث جعل الله بيننا وبينكم، كنا نستعبدكم ونغصبكم 12، فلما كان الله معكم، فليس لنا بكم يدانِ، فأمر عمر - رضي الله عنه - بقتله، فقال له أنس: تقتله وقد قلت: لا بأس عليك! فقال عمر لأنس - رضي الله عنهما -: من يشهد معك؟ فأتى عمرَ بنُ الزبير - رضي الله عنه - وقد كان = فمع يقين العلم بالكذب أولى أن لا يقبل).
الجزء: 1 - الصفحة: 395
سمع عمر -، فشهد عنده، فأطلقه 13.
فرجع عمر - رضي الله عنه - إلى غيره في أمان نفسه.
وكذلك في الأخبار: روى ربيعة 14 عن سهيل 15 بن أبي صالح 16، عن أبيه 17، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد 18.
الجزء: 1 - الصفحة: 396
فنسي سهيل الحديث، فقال له ربيعة: أنت حدثتني به، فكان سهيل يقول: حدثني ربيعة عني عن أبي هريرة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قضى باليمين مع الشاهد، فكذلك في مسألتنا.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إذا شك أحدكم في صلاته، فلْيُلْغِ الشك، ولْيبنِ على اليقين" 19.
والجواب: أن هذا محمول على المنفرد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بأنه شاكٌّ في عدد الركعات، فيجب أن يبني على اليقين.
دليله: المنفرد.
والجواب: أن المنفرد ليس معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، وليس كذلك الإمام؛ لأن معه أمارة ظاهرة يرجع إليها، فهو كالحاكم يرجع إلى قول الشهود.
= (1343)، وابن ماجه في كتاب: الأحكام، باب: القضاء بالشاهد واليمين رقم (2368)، وصححه أبو حاتم، وأبو زرعة.
ينظر: العلل لابن أبي حاتم رقم (1409). وقصة سهيل مع ربيعة - رحمهما الله - ذكرها أبو داود في سننه بعد هذا الحديث، وابن أبي حاتم في العلل رقم (1392).
الجزء: 1 - الصفحة: 397
فإن قيل: فيجب أن نقول في المنفرد إذا كان بحضرته من يشاهده يصلي، فأخبره بسهوه 20: أن يرجع إلى قوله.
قيل: يحتمل أن يرجع إليهما؛ لأن ما طريقه الأمارة لا فرق بين أن يشتركا فيهما أم لا، ألا ترى أنه لو شهد برؤية الهلال المريض، أو المسافر، أو الحائض، ونحوهم ممن لا يلزمهم الصيام، قُبلت شهادتهم، كما يقبل ممن يلزمه؟ ويحتمل أن لا يقبل؛ لأن من معه في الصلاة أضبط، وأشد تحفظًا كذلك من غيره، والأول أشبهُ بكلام أحمد - رحمه الله -، وأنه يقبل؛ لأنه قال في رواية أبي طالب 21 وصالح 22: لو اختلف رجلان، فقال: أحدهما طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، فقال: لو كانوا ثلاثة، فقال اثنان: قد طفنا سبعًا، وقال الآخر: طفنا ستًا، قُبل قولهما؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل قول القوم.
فقد رجع إلى قول اثنين في الطواف؛ فإن كل واحد غير مشارك له في طوافه.
واحتج: بأن ما أمكن الرجوع في معرفته إلى القطع، لا يُعمل فيه بغالب الظن؛ كالشهادة على الأفعال والعقود لا يجوز تحملُها بالاستفاضة؛ لأنها غالب ظن، ويجوز ذلك فيما لا يمكن معرفتُه؛ كالنسب ونحوه،
الجزء: 1 - الصفحة: 398
وها هنا يمكن الرجوع إلى يقينه.
والجواب: أن الأمارة إذا كانت ظاهرة، رجع إليها، وإن كان فيه تركٌ لليقين؛ كالرجوع إلى خبر الواحد، وقول الشهود، وأن الأصل هو اليقين، وهو براءة الذمة، وإنما لم يشهد بالعقود (1) بالاستفاضة؛ لأنه لا حاجة إلى ذلك، وبه حاجة ها هنا؛ لأنه لا يأمن أن يرجع إلى يقينه، فيزيد في صلاته.
واحتج: بأنه لو شهد، ثم نسي شهادته، فشهد عنده بها، لم يجز أن يشهد بذلك.
والجواب: أن سماع الشهادة إلى الحكام؛ ولأن الشهادة بالحقوق آكدُ من أخبار الديانات، ولهذا تُقبل شهادة الواحد في رؤية الهلال، والله أعلم.
35 -