مَسْألَة: إذا زُحم المأموم في السجود، فلم يتمكن من السجود على الأرض، وتمكن من السجود علي ظهر إنسان، لزمه ذلك:
1 الجزء: 3 - الصفحة: 145
نص عليه في رواية صالح 2، وأبي الحارث 3، وأبي طالب (1)، وهو قول الشافعي - رضي الله عنه - 4. وقال مالك - رحمه الله -: لا يسجد، فإن سجد، أعاد 5. دليلنا: إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -: روي أبو بكر النجاد بإسناده عن القاسم 6 قال: قال عمر - رضي الله عنه -: إني أراكم قد كثرتم في الجمعة، أو الجمع، أو المسجد، فليسجدِ الرجل على ظهر أخيه 7، ........................................
الجزء: 3 - الصفحة: 146
وفي لفظ آخر 8 رواه عن سيار بن معرور 9 قال: سمعت عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب فقال: أيها الناس! إن هذا المسجد بناه رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ونحن معه المهاجرون والأنصار - رضي الله عنهم -، فإن لم يجد أحدكم مكانًا، فليسجد علي ظهر أخيه، ورآهم يصلون في الظهيرة 10.
فوجه الدلالة: أنه قال هذا بجمع من الصحابة، وخاطبهم بذلك، فلم يظهر عن أحد منهم النكير، فدل على إجماعهم.
ولأنه قادر على متابعة إمامه في السجود، فلزمه ذلك؛ كما لو قدر علي السجود على الأرض، تبين صحة هذا: أنه ليس فيه أكثر من أن موضع السجود أعلى من موضع قدميه، وهذا لا يمنع؛ كما لو سجد = عبد الرزاق في مصنفه رقم (1556 و 1557 و 5465 و 5469)، وابن المنذر في الأوسط (4/ 104) في اشتداد الزحام: أن عمر - رضي الله عنه - قال: (فليسجد أحدكم على ظهر أخيه).
الجزء: 3 - الصفحة: 147
على نشز 11 من الأرض في حال الاختيار، ولأنه لو عجز عن السجود على الأرض لمرض، سجد على حسب الإمكان، وهو أن يومئ أكثر ما يقدر عليه، كذلك سجوده على ظهر غيره هو أكثر ما يقدر عليه.
فإن قيل: المرض لا يعلم متى يزول عذره، وهذا يعلم متى يزول عذره.
قيل: المتيمم لو كان يعلم أنه يجد الماء عن قرب بعدَ صلاته بالتيمم، جاز له أن يصلي بالتيمم، وإن علم زوال عذره.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "جُعلت لي الأرض مسجدًا" 12، فامتنع جواز السجود على غيرها، وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلوا كما رأيتموني أصلي" 13، والنبي - صلى الله عليه وسلم - لم يسجد على ظهر غيره.
والجواب: أن البهيمة إذا كانت طاهرة، ولم يمكن السجود على الأرض، جاز له السجود عليها.
واحتج: بأن ما لم يكن محلًا للسجود في غير الزحام، لم يكن محلًا في الزحام؛ دليله: الإيماء.
والجواب: أنه إنما لم يجز له الإيماء؛ لأنه يمكنه زيادة عليه، فلهذا لم يجز له الإيماء، وإذا سجد على ظهر غيره، فليس يمكنه
الجزء: 3 - الصفحة: 148
الزيادة على ذلك، والله أعلم.
149 -
مَسْألَة: إذا ركع مع الإمام، ثم زحمه الناس، فلم يقدر علي السجود حتى سجد الإمام، وقام إلى الركعة الثانية، ثم زال الزحام، والإمام قائم في الركعة الثانية، فإنه يشتغل بقضاء السجدة التي فاتته من الركعة الأولى، وإن كان راكعًا، تابع الإمام في الركوع، ولم يتشاغل بالقضاء:
أومأ إليه أحمد - رحمه الله - في رواية أبي طالب 14، فقال: في الرجل يكبر مع الإمام يوم الجمعة، فإن لم يقدر [أن] يسجد على الأرض، يسجد على ظهر رجل، فإن لم يقدر أن يركع ويسجد، يتبعه يركع ويسجد، هو أجود، قيل له: بعد ما يقوم الإمام؟ قال: نعم.
فقد أجاز القضاء بعد ما يقوم إلى الثانية، قال أبو بكر في كتاب الشافي: إذا أتى بما سبقه الإمام به يوم الجمعة بعده، وقيل: إن يركع، فلا بأس.
وروى أحمد بن القاسم عنه 15: في الرجل يصلي خلف الإمام
الجزء: 3 - الصفحة: 149
ركعة؟ يجعلها كأنها فائتة يقضيها إذا فرغ.
وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بالقضاء في الركعة الثانية؛ لأنه قال: يقضي إذا فرغ، وكذلك نقل المروذي عنه 16: إذا ركع الإمام ورفع قبل أن يركع الرجل، لم يعتد بتلك الركعة، قيل له: فما تقول إن أصابه هذا في الجمعة؟ فقال: الجمعة غير هذا.
وكذلك نقل المروذي عنه أيضًا 17: إذا سجد الإمام، ورفع رأسه، فإن كانت 18 سجدة واحدة، تبعه إذا رفع رأسه، وإن كانت (3) السجدتان، لم يعتد بتلك الركعة.
وظاهر هذا: أنه لا يتشاغل بقضاء ما فاته معه من الركوع والسجود، بل يتبعه، فإذا فرغ الإمام من صلاته، قضى ما فاته، والرواية الأولى أصح، وأنه يتشاغل بالقضاء ما لم يركع الركعة الثانية، وهو قول مالك - رحمه الله - 19.
وقال أبو حنيفة: يبدأ بما فاته، ولا يتبع الإمام في الركعة الثانية، إلا بعد أن يقضي، سواء أدرك معه الركوع في الثانية، أو لم يدرك 20.
وللشافعي - رضي الله عنه - قولان 21: أحدهما: مثل الرواية الأولى، والثاني:
الجزء: 3 - الصفحة: 150
مثل قول أبي حنيفة.
دليلنا: ما روى أحمد في المسند 22 عن عبد الرزاق عن معمر، عن الزهري، عن أنس - رضي الله عنه - قال: قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون 23 " 24، فوجه الدلالة: قوله - عليه السلام -: "وإذا ركع فاركعوا"، وإمامُه في الثانية راكع، فيجب أن يركع معه.
فإن قيل: فقد قال: "فإذا سجد فاسجدوا"، وقد سجد الإمام، فيجب أن يسجد المأموم أيضًا.
قيل له: في تلك الحال لم يكن مأمومًا في السجود؛ لعجزه عنه؛ كما إذا أُمر بغسل اليد اليمنى، فقطعت، سقط الأمر المتعلق بها، وأيضًا: فإنه يمكن متابعة الإمام في ركوعه، فلزمه اتباعه؛ دليله: المسبوق إذا أدرك الإمام راكعًا.
فإن قيل: قوله: يمكنه متابعته في الركوع، لا تأثير له في الأصل؛ لأنه لو أدركه، لزمه متابعته.
قيل له: التعليل لوجوب الاتباع، والركوع داخل في ذلك، وله تأثير فيه.
الجزء: 3 - الصفحة: 151
واحتج المخالف: بأنه شارك الإمام في الركوع، أو فيما قبله، فإذا فاته السجود معه، لزمه الاشتغال بقضاء الفائت لزمه 25، أصله: إذا زال الزحام والإمام قائم في الركعة الثانية: أنه يشتغل بقضاء الفائتة من الركعة الأولى، وكذلك إذا كان راكعًا، ولم يخف المأموم فوتَ الركوع إن اشتغل بقضاء ما فاته.
والجواب: أن اشتغال المأموم بالسجود في الركعة الأولى مع قيام الإمام في الركعة الثانية قبل الركوع فيما ورد الشرع به في حال العذر، ووقعت فيه المسامحة والعفو؛ بدليل: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بعسفان صلاة الخوف، فصلى بأصحابه، فقام وقرأ، وركع وسجد بهم، إلا صفًا لم يسجد، ووقفوا قيامًا يحرسون العدو، ولما سجد النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن سجد معه، وقاموا في الركعة الثانية، سجد من لم يسجد، فكانوا في السجود، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم في الركعة الثانية 26، وما زاد على ذلك: وهو أن يكون الإمام راكعًا، والمأمومون في السجود، فلم يرد بذلك شرع، فوجب أن يكون منهيًا عنه؛ لأن الأصل وجوبُ المتابعة للإمام إلا جهلًا عليه، إلا في القدر الذي وردت الرخصة، وهو السجود في صلاة عسفان.
فإن قيل: المعنى الذي لأجله جاز أن يسبقهم بالسجود: ما ذكرنا، وهو المشاركة في الركوع من الركعة الأولى، فلزمهم الاشتغال بقضاء الفوائت معه، فإذا وجد هذا المعنى في الكثير، وجب أن يكون حكمها
الجزء: 3 - الصفحة: 152
في هذا الباب حكم اليسير.
قيل: لا يجوز أن يقال هذا المعنى: إذا وجد في الكثير، يجب أن يوجد في القليل اليسير، كما لا يجوز أن يعمل عملًا كثيرًا في الصلاة، ويجوز اليسير، وكذلك إذا سلّم من نقصان في الصلاة، فإن تطاول ال