مَسْألَة: إذا دخل المسجد، والإمام يخطب يوم الجمعة استُحِب له أن يركع ركعتين تحيةَ المسجد:
نص عليه في رواية الميموني 2، وأحمد بن الحسن (2)، فقال: يصلي الركعتين، والإمام يخطب، ويخففهما، كما جاء إسنادان جيدان عن الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر، وعمر - رضي الله عنهما -، وسمع جابرًا.1
الجزء: 3 - الصفحة: 234
وبهذا قال الشافعي 3، وداود 4 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة 5، ومالك 6 - رحمهما الله -: يجلس ولا يركع.
دليلنا: ما روى أحمد 7 - رحمه الله -، ذكره أبو بكر قال: نا أبو معاوية 8 قال: نا الأعمش عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - قال: جاء سُلَيك الغَطَفاني - رضي الله عنه - إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، والنبيُّ يخطب، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة، فليصلِّ ركعتين خفيفتين" 9.
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن جابر - رضي الله عنه -: قال: جاء سليك الغطفاني والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال له: "أصليت؟ "، قال: لا، فقال: "فصلِّ ركعتين تجوَّزْ فيهما" 10.
وروى أيضًا بإسناده عن جابر قال: دخل النعمان بن قوقل - رضي الله عنه -
الجزء: 3 - الصفحة: 235
ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "يا نعمان! صلَّ ركعتين، ولتخففهما" 11. وروى بإسناده عن عياض بن عبد الله 12 قال: رأيت أبا سعيد الخدري - رضي الله عنه - دخل المسجد يوم الجمعة، ومروانُ يخطب، فقام يصلي الركعتين، فجاء إليه الأحراس ليُجلسوه، فأبى حتى صلى الركعتين، فلما انصرف، قمنا إليه، فقلنا: يا أبا سعيد! كاد هؤلاء أن يقعوا بك، فقال أبو سعيد: ما كنت لأدعهما لشيء، وقد رأيته من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , رأيت رجلًا دخل المسجد، والنبي - صلى الله عليه وسلم - يخطب يوم الجمعة، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصليت يا فلان؟ "، قال: لا، قال: "فصل ركعتين"، ثم دخل ذلك الرجل في الجمعة الثانية، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب يوم الجمعة، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أصليت يا فلان؟ "، قال: لا، قال: "فصل ركعتين" 13، وهذه الأخبار نصوص في المسألة.
الجزء: 3 - الصفحة: 236
فإن قيل: ليس في الخبر أنه كان يخطب للجمعة، ويجوز أن تكون خطبته لغير الجمعة، يدل عليه: ما روى قتيبة 14 عن ليث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: جاء سليك الغطفاني يوم الجمعة ورسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - قاعد على المنبر، فقعد سُليكٌ قبل أن يصلي، فقال له: "اركع ركعتين" 15، ومعلوم أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما كان يخطب للجمعة جالسًا.
قيل له: هذا لا يصح لوجهين: أحدهما: أنه قال في رواية أحمد - رحمه الله -: "إذا جاء أحدكم والإمام يخطب يوم الجمعة، فليصل ركعتين"، ولا يجوز أن يقول هذا، وهو يريد غير خطبة الجمعة.
والثاني: أن الراوي أضاف الخطبة إلى يوم الجمعة، والخطبة لأمر عارض لا تختص بيوم الجمعة، فعلم أنه قصد الخطبة المعهودة ليوم الجمعة.
وقوله: إنه دخل، وهو جالس، فغير مشهور، وقد روينا في حديث أبي سعيد - رضي الله عنه -: أن رجلًا دخل، والنبي - صلى الله عليه وسلم - قائم يخطب؛ ولأنه يجوز أن يكون جالسًا لعذر، وذلك لا يمنع الخطبة جالسًا.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في الوقت الذي كان الكلام مباحًا في الصلاة.
الجزء: 3 - الصفحة: 237
قيل له: في الخبر ما يمنع من هذا، وهو قوله - عليه السلام -: "وتجوّز فيهما"، ولو كان في ذلك الوقت، لم يأمر بالتخفيف.
فإن قيل: فقد رُوي في بعض الألفاظ: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - حين أمره أن يصلي ركعتين، أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه، ثم عاد إلى الخطبة 16.
قيل له: قال محمد بن حرب: قلت لأحمد - رحمه الله -: يروى: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمسك عن الخطبة حتى فرغ من ركعتيه؟ قال: ليس بالجيد، أو من وجه ضعيف 17، وعلى أن عندهم أن إمساكه عن الخطبة لا يبيح له ركعتين، فلا يصح الاحتجاج به.
فإن قيل: رُوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له: "اركع ركعتين، ولا تَعُدْ لمثل هذا" 18.
قيل له: أراد به: ولا تعد إلى التأخير إلى مثل هذا الوقت؛ ولأن الخطبة ذكرٌ يتقدم الإقامة، فلم يمنع تحيةَ المسجد؛ دليله: الأذان.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه لا يمنع غير تحية المسجد، فلهذا لم يمنع تحية المسجد، وها هنا يمنع غير تحية المسجد، فمنع تحية المسجد.
الجزء: 3 - الصفحة: 238
قيل له: لا يمتنع أن يمنع غير تحية المسجد، ولا يمنع تحية المسجد، كما قلت في حال زوال الشمس يمنع غير الفرض، ولا يمنع الفرض، وكذلك بعد العصر، وبعد الفجر لا يمنع قضاء الفوائت، ويمنع غيرها من النوافل.
فإن قيل: تحية المسجد لا تجوز عندك في وقت النهي، وإن كان لها سبب.
قيل له: النهي هناك يختص الصلاة، ألا ترى أنه لا ينهى عنه غيرها؟ والنهي ها هنا لا يختص الصلاة، ألا ترى أنه ينهى عن غيرها، وهو الكلام؟
واحتج المخالف: بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: 204]، وروي: أن هذه الآية نزلت في شأن الخطبة، ورُوي: أنها نزلت في القراءة خلف الإمام 19، وهي عليهما جميعًا، فأمر باستماع الخطبة، والاشتغالُ بالصلاة يمنع من استماعها.
والجواب: أن هذا محمول على وجوب الإنصات، وترك الاشتغال، ما عدا تحية المسجد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما رُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: سمعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: "إذا دخل أحدكم المسجد والإمامُ على المنبر، فلا صلاة له ولا كلام حتى يفرغ الإمام" 20.
الجزء: 3 - الصفحة: 239
والجواب: أنه محمول على ما زاد على تحية المسجد؛ بدليل: ما ذكرنا.
واحتج: بما رُوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب: أنصت، فقد لَغَوْتَ" 21، والأمرُ بالإنصات في تلك الحال من المعروف، وقد جعله النبي - صلى الله عليه وسلم - لغوًا، ونهى عنه، والصلاة أكثر منه، فأحرى أن يكون منهيًا عنها.
والجواب: أنه يجوز أن ينهى عن ذلك القول، ولا يكون تنبيهًا على النهي عن الركعتين؛ كما لم يكن ذلك تنبيهًا 22 على المنع من قضاء الفوائت والوتر في حال الخطبة، ولا فرق بينهما؛ لأن تلك صلوات لها سبب، وركعات المسجد كذلك.
واحتج: بما روى أبو داود 23 عن عبد الله بن بسر صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم -، و- رضي الله عنه -، قال: جاء رجل يتخطَّى رقاب الناس يوم الجمعة، والنبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يخطب، فقال له رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "اجلس، فقد آذيتَ" 24، وروى أبو
الجزء: 3 - الصفحة: 240
عبيد في غريب الحديث 25: "وآنيت" 26، ولم يأمره بالصلاة.
والجواب: أنه يجوز أن يكون قال له ذلك بعد ما كان صلى ركعتين.
واحتج: بأنه منهي عن الكلام في حال الخطبة، فوجب أن يكون منهيًا عن ابتداء الصلاة التطوع؛ قياسًا على من كان حاضرًا، فخرج الإمام، وابتدأ بالخطبة.
والجواب: أن الكلام لا سبب له، ألا ترى ما له سبب يجوز، وهو: إذا رأى ضريرًا تردَّى، فإنه يحذره البئر، وليس كذلك تحية المسجد؛ لأنه مندوب إليها في الجملة، فهي صلاة لها سبب، فجاز فعلها، وإن لم يجز فعلها نافلة مبتدأة، كما جاز قضاء الفوائت بعد العصر وبعد الفجر، وإن لم تجز النوافل؛ لأنه لا حاجة به إليها، ولا سبب لها.
واحتج: بأن كل حال لو كان فيها حاضرًا، لم يجز له أن يبتدئ التطوع، فإنه إذا أدركه في تلك الحال، لم يجز له أن يبتدئ به، أصله: حال اشتغاله بالجمعة.
والجواب: أنه إذا دخل والإمام يصلي، فصلى معه، يتضمن التحية؛
الجزء: 3 - الصفحة: 241
لأنه قد اشتغل بالصلاة، ألا ترى أنه لو دخل المسجد، وعليه صلاة فريضة، فإنه يشتغل بالفريضة؛ لأن ذلك يتضمن التحية؟ وليس كذلك المستمع؛ فإنه لم يأت بالتحية، ولا بما يتضمنها، فلهذا فرقنا بينهما، والله أعلم بالصواب.
165 -