مَسْألَة: إذا توضأ الجنب، جاز له اللبث في المسجد:
12 الجزء: 2 - الصفحة: 77
نص عليه في رواية صالح 3.
وقال أبو حنيفة 4، ومالك 5، والشافعي 6 - رضي الله عنهم -: لا يجوز له اللبث قبل رفع الجنابة.
دليلنا: ما روى حنبل 7 قال: نا أبو نعيم 8 قال: نا هشام بن سعد 9 عن زيد بن أسلم قال: كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ورضي عنهم يتحدثون في المسجد وهم على غير وضوء، وكان الرجل [يكون] 10 جنبًا، فيتوضأ، ثم يدخل المسجد، فيتحدث 11.
الجزء: 2 - الصفحة: 78
وهذا إشارة إلى جماعتهم، فصارت المسألة إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
وأيضًا: قد وجد منه إحدى الطهارتين، فجاز له اللبثُ في المسجد، دليله: الطهارة الكبرى، ولا يلزم عليه إذا كان عليه نجاسة؛ لأنه يستوي فيه الأصل، والفرع.
فإن قيل: المعنى في الأصل: أنه قد ارتفع حدث الجنابة، فلهذا جاز له اللبث.
قيل له: علة الأصل تبطل إذا كان عليه نجاسة قد ارتفعت 12، ويمنع من اللبث، وعلة الفرع تبطل بالمسافر إذا عدم الماء وتيمم؛ فإن حدثه لم يرتفع، ويجوز له اللبث في المسجد.
فإن قيل: المتيمم في حكم المتطهر؛ بدليل جواز الصلاة في حقه، وهذا لا يجوز له الصلاة بهذه الطهارة.
قيل له: المحدث الأصغر لا يجوز له الصلاة، ومع هذا يجوز له اللبث في المسجد، وعلى أن المتيمم لا يكون في حكم المتطهر بالماء؛ = الطهارة، باب: الرخصة في اجتياز الجنب المسجد ص 101، وابن تيمية في شرح العمدة (1/ 391)، وبنحوه أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه رقم (1567) عن زيد بن أسلم، وهشام ضعّفه الإمام أحمد، وابن معين، والنسائي، قال أبو حاتم: (يكتب حديثه، ولا يحتج به)، وذهب أبو داود إلى أنه أثبت الناس في زيد بن أسلم.
ينظر: تهذيب الكمال (30/ 204)، وتفسير ابن كثير (4/ 71)، ونيل الأوطار (1/ 326).
الجزء: 2 - الصفحة: 79
لأن عند الشافعي - رضي الله عنه - 13: يستبيح 14 به صلاة واحدة مفروضة، ويستبيح (2) اللبث في المسجد على الدوام.
وأيضًا: فإن الجنب ممنوع من الدخول إلى المسجد حتى يحدث طهارة، كالمُحِلَّ ممنوع من الدخول إلى الحرم حتى يُحدث إحرامًا، ثم لو أحرم بعمرة، جاز له الدخول، وإن كانت العمرة أصغر النسكين، كذلك إذا توضأ الجنب، جاز له الدخول، وإن كانت أصغر الطهارتين، تبين صحة هذا: أنه لا يستفيد بإحرام العمرة ما يستفيده بإحرام الحج من الوقوف، والرمي، والمبيت، وطواف القدوم، ومثله في الطهارة الصغرى لا يستفيد بها ما يستفيده بالكبرى من الصلاة، والقراءة، والوطء للحائض، بل يستفيد بعضها، وهو جواز النوم، والأكل؛ فإن المستحب أن ينام ويأكل على طهارة 15، وتقوم الطهارة الصغرى مقام الكبرى في الاستحباب.
فإن قيل: إحرام العمرة إحرام تام، ألا تراه يَحْرُم به جميع ما يَحْرُم بإحرام الحج؟ والطهارة الصغرى ليست بتامة، ألا تراه لا يستبيح بها
الجزء: 2 - الصفحة: 80
ما يستبيح بالغسل؟
قيل: قد بيّنا أنه لا يستبيح بإحرام العمرة ما يستبيح بإحرام الحج، وكذلك التيمم لا يستبيح به من الصلوات المفروضات، ما يستبيح المتطهر بالماء، ويستبيح به اللبث في المسجد، وكذلك يستبيح بهذه الطهارة أكل الطعام، والنوم، وإن لم يستبح غيره من الأشياء، كذلك ها هنا، ولأن إحرام الحج يحرم الأشياء، ثم التحلل الأول يبيح بعض المحظورات، وهو ما عدا الوطء مع بقاء الإحرام، كذلك حدث الجنابة يمنع أشياء، فجاز أن تُبيح الطهارة الصغرى بعض المحظورات، وهو اللبث.
واحتج المخالف: بأن كل معنى مُنِع الجنب منه قبل الوضوء، مُنع منه بعد الوضوء، دليله: الصلاة، والقراءة، ومس المصحف، والوطء.
والجواب: أنه يبطل بالأكل، والنوم يمنع منه على طريق الكراهة قبل الوضوء، ولا يمنع منه بعد الوضوء؛ ولأنه لا يمنع من الصلاة، ولا يمنع من اللبث؛ كالمحدِث الحدثَ الأصغر، وكذلك لا يمنع من حمل المصحف، ولا يمنع من اللبث، وأما قراءة القرآن، فإنما منع منها؛ لأن حرمتها أغلظ وآكدُ؛ بدليل: أن الحدث الأصغر يمنع من حمل المصحف؛ لحرمة القرآن، ولا يمنع من اللبث في المسجد، وأما تحريم الوطء، وهو آكد من غيره؛ بدليل: أن الحائض إذا أمنت تلويث المسجد، جاز لها الاجتياز فيه، ولم يجز وطؤها 16 في تلك الحال، ولأن التحلل
الجزء: 2 - الصفحة: 81
الأول يبيح محظورات الإحرام، ولا يبيح الوطء، كذلك لا يمنع أن يبيح الوضوء محظورَ اللبث، ولا يبيح غيره.
واحتج: بأنه غسل بعض بدنه، أشبهَ إذا غسلَ غير مواضع الوضوء.
والجواب: أن المحدِث الحدثَ الأصغر جميعُ بدنه محدث، فلو غسل غير مواضع الوضوء، لم تجز له الصلاة، ولو غسل مواضع الوضوء، جاز له أن يصلي، كذلك ها هنا، وإن قاسوا على الحائض إذا انقطع دمها فتوضأت (1)، لم يمنع أن نقول فيها ما نقول في الجنب سواء، كما سوينا بينهما في الاجتياز.
واحتج: بأن حدث الجنابة لم يزل، أشبه إذا لم يتوضأ.
والجواب: أنه إذا تحلل التحلل الأول، لم يزل إحرامه، ومع هذا، فقد أبيح له المحظورات سوى الوطء، ولأنه لا يجوز اعتبار الطهارة الصغرى بعدمها؛ كالمحدث الحدث الأصغر جميعُ بدنه محدِث، ولو توضأ، جاز له الصلاة، ولو لم يتوضأ، لم يجز له، كذلك ها هنا، ولأنه إذا توضأ، جاز له النوم، والأكل من غير كراهة، والله أعلم.
70 -