مَسْألَة إذا تفرق (1) العدد قبل فراغ الإمام من الجمعة، فلم يبق معه أحد، أو بقي معه أقل من العدد المعتبر فيها، لم يجز أن يصليها جمعة، واستقبل الظهر:
نص عليه في رواية عبد الله 2 - وقيل له: إن بعض الناس يقول: إذا كان الإمام يصلي بهم، فذهبوا، وبقي وحده، أو معه واحد -، أنه يصلي جمعة؟ -، فقال: سبحان الله! ما أعجب هذا! يجمع برجل واحد، لا يجمع حتى يكونوا أربعين رجلًا.
قال أبو بكر 3: لا أعلم عن أبي عبد الله خلافًا إن لم يتم العدد في الصلاة أو الخطبة: أنهم يعيدون الصلاة؛ لأن انتهاءها في هذا الوقت كابتدائها.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن تفرقوا قبل أن يعقد الركعة بسجدة، استقبل الظهر أربعًا، وإن تفرقوا بعد أن عقدها بسجدة، بنى عليها 4.
وقال مالك - رحمه الله -: إن تفرقوا بعد أن يعقد الأولى بسجدتين، استقبل الظهر، ..................................1
الجزء: 3 - الصفحة: 141
وإن تفرقوا بعد أن عقدها بسجدتين، بنى عليها 5.
واختلف قول الشافعي - رضي الله عنه - 6: فله في الجديد قولان 7: أحدهما - وهو المشهور -: بمثل قولنا، والثاني: إن بقي معه اثنان، صلاها جمعة، وإن بقي واحد، أو وحده، صلاها ظهرًا.
وقال في القديم قولًا ثالثًا: إن بقي معه [واحد] 8، صلاها جمعة، وإن بقي وحده، صلاها ظهرًا.
دليلنا: أنه شرط يختص الجمعة، فوجب أن يكون شرطًا في الابتداء والاستدامة؛ دليله: الذكورية، والحرية، ولا يلزم عليه الوقت؛ لأنه لا يختص الجمعة؛ لأنه معتبر في سائر الصلوات، ولأنهم تفرقوا عنه قبل فراغه من صلاة الجمعة، فيجب أن يمنع ذلك من صحتها؛ دليله: إذا تفرقوا قبل أن يعقد الركعة بسجدة أو سجدتين، وكل معنى وجب أن يصحب الركعة الأولى من أصل الجمعة وجب أن يصحب الركعة الثانية من أصل الجمعة؛ دليله: الستارة، والطهارة، ونحو ذلك من الشرائط، ولا يلزم عليه الوقت أنه ليس بشرط في الركعة الثانية؛ لأنه ليس بشرط في الركعة الأولى، وإنما يشرط في التحريمة، ونحن قلنا: كل معنى وجب أن يصحب الركعة الأولى، وقولنا: من أصل الجمعة؛ احتراز:
الجزء: 3 - الصفحة: 142
من المسبوق إذا انفرد بالقضاء؛ لأن أصل الجمعة هي التي صلاها الناس غيرَ المسبوق.
فإن قيل: الطهارة والستارة وجودها شرط في جميع صلاة المأموم، ومشاركة الإمام في جميعها ليست بشرط؛ بدليل: المسبوق إذا قام يقضي، كذلك لا يمتنع أن تكون الطهارة والستارة في جميع صلاة الإمام شرطًا في صحتها، ولا يكون مشاركة المأموم له في جميعها شرطًا.
قيل له: إنما لم يكن العدد شرطًا في جميع صلاة المأموم، [فإنه] 9 يبني على جمعة تمت وكملت شرائطها، وليس كذلك الإمام؛ فإنه يبني ركعة على ركعة واحدة، وهي شرط الجمعة، فافترقا، وتبين صحة هذا الفرق بينهما: أن عندهم: أن المسبوق إذا أدرك جزءًا من الصلاة، ثم سلم الإمام، بقي عليه ركعتان منفردًا، والإمام لا يدرك الجمعة بإدراك جزء منها مع العذر، وهو إذا انفضوا عنه في الركعة الأولى، فدل على الفرق بينهما.
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "من أدرك من الجمعة ركعة، فليصلِّ إليها أخرى" 10.
الجزء: 3 - الصفحة: 143
والجواب: أنه محمول علي المسبوق؛ بدليل ما ذكرنا.
واحتج: بأن الاشتراك إذا وجد في إحدى الركعتين، تعلق به إدراك الجمعة؛ كالمأموم المسبوق.
والجواب عنه: ما تقدم، فلا وجه لإعادته.
واحتج: بأن الوقت شرط، كما أن العدد شرط، ثم ثبت أنه لو أحرم بالصلاة لجمعة، فخرج وقتها، فإنه يبني عليها جمعة، كذلك في باب العدد.
والجواب: أن هذا على أصل المخالف لا يصح؛ لأن عنده: أن الجمعة تبطل بخروج وقتها، فيجب أن يقول مثله في العدد، وأما على أصلنا، فلأنه ليس بشرط في الركعة الأولى، وإنما هو شرط في التحريمة، والعدد شرط في الأولى، فكان شرطًا في الثانية.
واحتج: بأنه إذا صلى الإمام الجمعة صلاة الخوف، فصلى بالطائفة الأولى ركعة، فارقته فعلًا وحكمًا، وبقي وحده، كان له أن يتمها جمعة مع الطائفة الثانية، كذلك ها هنا.
والجواب: أن الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أن له عذر [اً] = (1600)، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الجمعة، باب: من أدرك ركعة من الجمعة، رقم (5736)، والحديث بهذا اللفظ وهم، قاله أبو حاتم.
ينظر: العلل لابن أبي حاتم (1/ 354)، رقم (491)، وعلل الدارقطني (9/ 223)، والتنقيح لابن عبد الهادي (2/ 574).
الجزء: 3 - الصفحة: 144
في الانفضاض عنه في صلاة الخوف، فلهذا كان له أن يصلي الجمعة، ولا عذر لهم في مسألتنا، فهذا لم يكن له أن يصلي جمعة.
والثاني: إذا انفضوا في مسألة الخوف، فهو يتوقع من يجيء فيصلي معه الركعة الثانية، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه لا يتوقع غير من كان معه أن يصلي بهم.
واحتج: بأن الإمام لا يمكنه أن يحترز عن انفضاضهم بعد الإحرام، فوجب أن يكون معفو [اً] عنه.
والجواب: أنه في الابتداء أيضًا لا يمكنه الاحتراز قبل الدخول في الصلاة، ومع هذا، فوجوده شرط، وعلي أنا لا نوجب عليه جمعهم، وإنما يقال له: صلِّها (1) ظهرًا.
واحتج: بأن النية شرط في الابتداء دون الاستدامة، كذلك العدد.
والجواب: أن استصحاب النية شرط في الابتداء والاستدامة، وإنما لا يجب استدامة ذكرها، والله أعلم.
148 -