مَسْألَة: إذا افتتح الصلاة منفردًا، ثم ائتم بغيره، فسدت صلاته في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية حنبل 1: في رجل دخل المسجد، فصلى ركعتين أو ثلاثًا ينوي الظهر أو العصر، ثم جاء مؤذن فأذن وأقام: لم يدخل معهم، فإن دخل معهم في الصلاة، لم تجزئه حتى ينوي بها الصلاة مع الإمام ابتداء الفرض 2. وبهذا قال أبو حنيفة 3، ومالك - رحمهما الله - 4. وعنه رواية أخرى: تجزئه، وتصح صلاته، نص عليه في رواية بكر بن محمد عن أبيه، عنه 5: إذا صلى ركعتين من فرض، ثم أقيمت الصلاة، فإن شاء دخل مع الإمام، فإذا صلى ركعتين، سلم، وأعجبُ
الجزء: 2 - الصفحة: 391
إليَّ أن يقطع الصلاة، ويدخل 6 مع الإمام 7.
فظاهر هذا جوازُ ذلك.
واختلف أصحاب الشافعي في تحصيل مذهبه 8، فقال المزني 9: إن ائتم به قبل أن يركع، أجزأه، وإن ائتم به بعد أن ركع، لم يجزئه، ومنهم من قال: قبل الركوع قولان، وبعد الركوع قول واحد: لا يجوز.
دليلنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تختلفوا على إمامكم" 10، وهذا قد اختلف عليه حين كبّر قبله، والنهي يدل على فساد المنهي عنه، ولأن تحريمته سبقت تحريمة الإمام، فلم يصح ائتمامه به؛ كما لو أراد أن يدخل مع الإمام في الصلاة، فكبر قبله، وقال لي أبو بكر الشامي 11: في هذا الأصل قولان كمسألتنا، ولا فرق بينهما، وقال: هذا منصوص
الجزء: 2 - الصفحة: 392
لنا، وعلى أنه ينتقض بالمسبوق بثلاث ركعات إذا استخلف، فإنه يصلي بهم ما بقي عليهم، وإن كان تحريم المأمومين قد سبقت تحريمته، ولأنه ركن سبق به الإمام، فلم يعتد له به من غير عذر، أصله: من فرغ من ركوعه قبل إمامه، تبين صحة هذا: أن التكبير آكد؛ لأنه يدخل به في الصلاة، والركوع يدخل في إثباتها، ولا يلزم عليه إذا استخلف مسبوقًا أنه يصير إمامًا له وقد سبقه بأركان، هناك عُذر في الاستخلاف.
وقيل: إن صلاة المنفرد مخالفة لصلاة المأموم؛ لأن المنفرد يلزمه حكم سهوه، والمأموم لا يلزمه حكم سهوه، ويلزمه حكم سهو غيره، والمنفرد لا يلحق فساد صلاته من جهة غيره، والمأموم تلحق فساد صلاته تارة من جهته، وتارة من جهة غيره - وهو الإمام - أخرى، وإذا ثبت اختلاف الصلاتين، قلنا: إذا افتتح الصلاة منفردًا، فقد انعقدت صلاته على صفة من الصفات، وجهة من الجهات، فلم يجز له أن يصرفها بنية إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ كما لو افتتح صلاة الجمعة، لم يجز له أن يصرفها بنيته إلى الظهر، وكذلك لو افتتح الظهر، لم يجز له أن يصرفها إلى الجمعة، والنفل إلى الفرض، وهذا ينتقض على أصلنا بالمسافر، له أن يصرف صلاته من الجهة التي انعقدت عليها إلى جهة أخرى مخالفة لها؛ بأن يجعلها صلاة مقيم، وإن كانا مختلفين، وكذلك المستخلف يصرف صلاته عن الجهة التي انعقدت، وهي كونه مأمومًا إلى جهة أخرى مخالفة لها، وهي كونه إمامه، وكذلك المفترض له صرفها إلى النفل - وهي جهة أخرى - إذا حضرت جماعة، وكان قد أحرم بها منفردًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 393
يصيّرها نافلة، ويسلِّم؛ ليدخل معهم في الفرض، ولكن يمكن أن يقال: أحرم بالصلاة الفرض منفردًا، فلم يجز له صرفها إلى الجماعة، أو نقول: فلم يصح أن يصير مأمومًا فيها؛ دليله: إذا أحرم منفردًا، ثم قلبها إلى الجمعة، فصار مأمومًا.
فإن قيل: إنما لم يصح ذلك في الجمعة؛ لأن من شرط الإحرام وجودَ الجماعة في عدد مخصوص، وهذا معدوم في غيرها.
قيل له: الظهر والعصر ليس من سر الإحرام بها الجماعة، ولا يصح بناء إحداهما على الأخرى، وعلى أن كون الجماعة شرطًا لا يمنع أن يكون منفردًا في بعضها؛ كآخرها، وهو المسبوق بركعة.
فإن قيل: إنما لم يجز أن يبني الظهر على صلاة الجمعة؛ لأنه ينقل الكاملة - وهي الظهر - إلى الناقصة في عدد الركعات - وهي الجمعة -، فلهذا لم يجز، وليس كذلك ها هنا؛ لأنه ينقل الناقصة - وهي الانفراد - إلى الكاملة - وهي الجماعة -، فلهذا جاز، ألا ترى أن المسافر: يجوز له أن ينقل صلاة السفر - وهي الناقصة - إلى التامة - وهي صلاة الحضر -، ولا يجوز له نقل الإتمام إلى القصر؛ لنقصانها، ولهذا نقول في العبد، والمرأة، والمسافر: إذا أحرموا بالجمعة خلف الإمام، جاز لهم نقلها إلى الظهر؛ لأنه نقل من نقصان إلى تمام، وأما الظهر، والعصر، فإنهما صلاتان مختلفتان، فلهذا لم يجز صرف إحداهما إلى الأخرى، وليس كذلك ها هنا؛ لأنها صلاة واحدة، فلهذا جاز بناء إحداهما على الأخرى.
الجزء: 2 - الصفحة: 394
قيل له: فإذا بنى الفرض على نية النفل، نقل الناقص - وهي النفل - إلى الكامل - وهي الفرض -، ولا يجوز، وكذلك إذا بنى الجمعة على نية الظهر مع بقاء الوقت، لم يجز، وإن كان قد نقل الناقصة في عدد الركعات إلى الكاملة، وهي الظهر، ولأنه لو بنى الظهر على العصر، أو العصر على الظهر، لم يجز، وإن كانا سواء في الكمال، فلم يصح هذا، وأما قوله: إن الظهر والعصر صلاتان مختلفتان، فقد بينا أن الجماعة، والانفراد مختلفان في الأحكام أيضًا، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: إحدى الصلاتين لا يجوز أداؤها بنية الأخرى، فإذا صرف إحداهما إلى الأخرى، بطلت نية الأولى، ولم تحصل نية الأخرى، ومن شرط النية: أن تحصل من أولها، فتبطل صلاته، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن نية الجماعة والانفراد واحدة، فلم يضره أن يبتدئها جماعة، ثم ينفرد عنها.
قيل له: قد يجوز أداء النافلة بنية الفرض، ألا ترى أنه لو دخل في صلاة على أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه، صارت تطوعًا، وله أن يؤديها بتلك النية؟ وكذلك يجوز أداء الظهر بنية الجمعة عند مخالفنا؛ مثل: أن يخرج الوقت وهو في الجمعة: أنه يصلي الظهر بتلك النية، فبطل ما قاله.
واحتج المخالف: بما رُوي: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح بالناس الصلاة، ثم ذكر أنه جنب، فقال: "على رِسْلِكم"، ودخل منزله فاغتسل، ثم خرج
الجزء: 2 - الصفحة: 395
ورأسه يقطر ماء، وصلى بهم 12، فوجه الدلالة منه: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - افتتح بهم الصلاة وهو جنب، فلم تنعقد، وانعقدت صلاةُ القوم، وكانوا منفردين، ثم جاء واستأنف التكبير، وصلى بهم.
والجواب: أنا قد بينا - فيما تقدم - 13 أن القوم لم يكونوا قد كبروا، على أن مخالفنا يقول: إذا كان الإمام حاضرًا، وكبر القوم، واقتدوا به، ثم كبر الإمام بعد ذلك: أنه لا يصح اقتداؤهم به؛ لأنهم قد اقتدوا بمن ليس في الصلاة، فكيف يحتج بهذا الخبر في مسألتنا؟
واحتج: بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أبا بكر - رضي الله عنه - ليصلي بالناس، فتقدَّم وكَبَّر، ثم وجد خفَّة، فخرج وتقدم، فصار النبي - صلى الله عليه وسلم - إمامًا، [و] أبو بكر - رضي الله عنه - مأمومًا 14، وكذلك القوم، وقد كان سبق تكبيرُهم تكبيرَ النبي - صلى الله عليه وسلم -، ومع ذلك، فقد اقتدوا به.
والجواب: أن القوم كبروا بتكبير الإمام، ثم خرج الإمام عن الإمامة بعذر، وهو خروج النبي - صلى الله عليه وسلم -، فجاز لأبي بكر - رضي الله عنه - والقوم أن يقتدوا؛ كما نقول في الإمام إذا افتتح بالناس الصلاة، ثم سبقه الحدث، فاستخلف رجلًا من القوم: أن لهم أن يقتدوا به على إحدى الروايتين، فإذا كان كذلك، قلنا بموجبه، ولم يكن فيه دلالة على موضع الخلاف.
الجزء: 2 - الصفحة: 396
فإن قيل: فأي عذر هناك، وقد كان يجوز للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن يصلي وراء أمته، وقد صلى وراء عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - 15؟
قيل له: العذر كان في حق أبي بكر - رضي الله عنه - الذي كان إمامًا، ولم نقل: إن العذر في حق النبي - صلى الله عليه وسلم -، وذلك أن خروج النبي - صلى الله عليه وسلم - كان عذرًا في حق أبي بكر، وهو امتناعه من التقدم على النبي - صلى الله عليه وسلم -، ولهذا قال: لم يكن لابن أبي قحافة أن يتقدم على رسول الله، فأقره النبي - صلى الله عليه وسلم - على ذلك 16.
واحتج: بأن للصلاة طرفين: الابتداء، والانتهاء، ثم جاز أن تكون صلاته في الطرف الأول في جماعة، وفي الطرف الثاني منفردًا، وهو أن يفتتح الصلاة خلف الإمام، وقد سبقه بركعة، ففرغ الإمام قبله: أنه يقضي الركعة وحده، كذلك يجوز أن يكون في الطرف الآخر، وهو الأول: منفردًا، وفي الثاني: جماعة.
والجواب: أنا نسوي بين الطرف الثاني، وبين الطرف الأول في الحكم الذي تنازعنا فيه؛ لأن الخلاف فيمن افتتح 17 الصلاة منفردًا، ثم
الجزء: 2 - الصفحة: 397
يصرفها بنيته عن الجماعة التي انعقدت عليها، فينفرد بها عن الإمام لغير عذر: أن صلاته تفسد أيضًا، فأما إذا كان مسبوقًا بركعة، فصار منفردًا بعد فراغ الإمام، فليست هذه من مسألتنا في شيء؛ لأن صلاته انقلبت في الثاني عن الجهة التي انعقدت في الابتداء إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، وهذا لا يدل على جواز نقلها بنيته عن الجهة التي انعقدت إلى جهة أخرى مخالفة لها من طريق الحكم، ألا ترى أن من افتتح الجمعة جاز أن تصير صلاته في الثاني ظهرًا عند مخالفنا من طريق الحكم، وهو أن يخرج الوقت، فيبني الظهر على تحريمة الجمعة؟ ولو أراد أن ينقل صلاته بنيته إلى الجمعة، أو الجمعة إلى الظهر، لم يصح، وكذلك من دخل في الظهر، جاز أن تصير صلاته نفلًا من طريق الحكم، وهو أن يتبين له بعد ما دخل فيها بنية الظهر أنه كان صلاها: أنها تصير نافلة، ويجوز له أن يبنيها على تحريمة الفرض، ولو افتتح صلاة نافلة، ثم [أراد] 18 أن يصرفها بنيته إلى الفرض، أو الفرض إلى النافلة لغير عذر، لم يصح.
وجواب آخر، وهو أصح، : أنه إنما صار منفردًا في آخر الصلاة لعذر، وهو خروج الإمام من صلاته، وهذا المعنى معدوم في مسألتنا، وللعذر تأثير على ما نبينه فيما بعد - إن شاء الله تعالى -.
واحتج: بأنها صلاة واحدة خير في فعلها بين صفتين لا تختلفان
الجزء: 2 - الصفحة: 398
في العدد، إذا أحرم بها على إحدى الصفتين، جاز له نقلها إلى الأخرى، أصله: إذا أحرم بصلاة التطوع قائمًا، وصلى ركعة، جاز له أن يصلي الأخرى قاعدًا، وإن أحرم بها قاعدًا، وصلى ركعة، جاز له يصلي الركعة الأخرى قائمًا، وفيه احتزار من القصر، والإتمام؛ لأنهما يختلفان في عدد الركعات.
والجواب: أن أحكام صلاة القائم والقاعد أحكام واحدة غير مختلفة، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنهما مختلفان في الأحكام من الوجه الذي ذكرنا، والله أعلم.
109 -