مَسْألَة: إذا احترقت النجاسة، وصارت رمادًا، لم تطهُر:
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية حمدان بن علي 1 - وقد سئل عن حمّام يوقد بالعذرة، هل يغتسل منه؟ -، فقال: كيف يصنع ببخاره؟
الجزء: 2 - الصفحة: 52
فكأنه كرهه.
وكذلك في رواية محمد بن 2: يكره الغسل من ماء الحمام الذي يوقد بالعذرة 3. وإنما كره ذلك؛ خوفًا أن يحصل من رمادها في الماء، وقال أيضًا في رواية المروذي: في تنور شُوي فيه خنزير: لا يُخبز فيه حتى يُغسل ويُقلَع ما فيه 4.
وهذا كله يدل على أن النجاسة لم تطهر بالنار، وبه قال مالك 5، والشافعي 6 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة: يطهر 7، وكذلك الخلاف في الخنزير إذا وقع في ملّاحة 8، فصار 9 ملحًا، عندنا: لا يطهر، وعنده: يطهر.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ [الفرقان: 48]،
الجزء: 2 - الصفحة: 53
وقال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ﴾ [الأنفال: 11]، فمنه دليلان:
أحدهما: أنه وصف الماء بهذه الصفة، فدل على أن غيره حكمُه بخلافه.
والثاني: أنه امتنَّ علينا بأن جعل الماء مطهِّرًا لنا، فلو شاركه غيره، لبطل الامتنان في هذا المعنى؛ ولأن ما لم ينجس بالاستحالة، لا يطهر بالاستحالة.
دليله: الدم، وعكسه الخمر، لما نجس بالاستحالة، طهر بالاستحالة، ولا يلزم عليه الطعام، والشراب الذي يصل إلى الجوف؛ لأن نجاسة ذلك توصله إلى الجوف لا بالاستحالة، ألا ترى أنه لو تقيأه في الحال قبل الاستحالة كان نجسًا.
واحتج المخالف: بأن المعنى الموجب لنجاسة هذه الأشياء وجودها على ضرب من الاستحالة، فإذا احترقت، وصارت رمادًا، زالت تلك الاستحالة، فوجب أن تزول النجاسة، ألا ترى أن العصير إذا صار خمرًا، فإنه تنجس لوجوده على ضرب من الاستحالة، فإذا صار خلًا، زالت تلك الاستحالة، وكذلك البيض يستحيل دمًا، فتنجس، ثم يصير فرخًا، فيطهر؛ لزوال الاستحالة الموجبة للتنجيس، كذلك ها هنا.
والجواب: أن هذا يبطل بالدبس النجس إذا عُقد ناطفًا 10، أو لحم
الجزء: 2 - الصفحة: 54
الميتة إذا طبخ، أو قُدِّدَ (1) بالملح، فإن الاستحالة موجودة، ولا يطهر، على أن المعنى في العصير إذا صار خمرًا، أو في البيض إذا صار دمًا لمّا نجس بالاستحالة، طهر بالاستحالة؛ لزوال المعنى الذي أوجب نجاسته، وليس كذلك ها هنا؛ لأن هذه النجاسة لم تنجس بالاستحالة، بل أعيانها نجسة، فلم تطهر بالاستحالة؛ كالدم، وأما العلقة، فليست بنجسة؛ لأنه ليس بدم مسفوح، فهو كالكبد.
والجواب: أن الماء لم يكن مطهرًا لكونه محيلًا، وإنما عندنا: للشرع، والتوقيف، وعندهم: لكونه طاهرًا، وهذا المعنى معدوم في النار.
65 -