مَسْألَة: إذا اجتمع جنائز رجال على الانفراد، ونساء على الانفراد، ورجال ونساء، فالسنة أن يسوى بين رؤوسهم:
نص عليه في رواية صالح، وابن منصور: إذا اجتمع جنائز رجال ونساء وصبيان يسوى بين رؤوسهم على حديث ابن عمر - رضي الله عنهما -، فإن اختار أن يخالف بينهم، فيكون بجعل صدر الرجل عند وسط المرأة، ويقوم عند صدر الرجل، فيكون قد قام عند صدر الرجل ووسط المرأة، خلافًا لأبي حنيفة رحمه الله في قوله: إن جعل رأس كل واحد أسفل من رأس الآخر كدرج فحسن، وإن جعلوا رأس كل واحد بحد رأس الآخر فحسن، ولا فرق عنده بين جنائز الرجال والنساء في حال الانفراد والاجتماع.
وقال الشافعي رحمه الله: إذا اجتمع جنائز الرجال على الانفراد، والنساء على الانفراد سوى بين رؤوسهم، وإن اجتمع جنائز رجال ونساء خالف بين رؤوسهم، فيكون صدر الرجل عند وسط المرأة، فيكون قد قام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة.
الجزء: 4 - الصفحة: 263
دليلنا: ما روى أبو حفص بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يسوي بين الرؤوس من الرجال والنساء.
فإن قيل: يعارض هذا ما روى النجاد بإسناده عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه -: كان يجعل الرجل مما يليه، والنساء مما يلي القبلة، ويجعل المرأة أسفل من الرجال يحدرها قليلًا كأن رأسها عند صدر الرجل.
وبإسناده عن واثلة بن الأسقع - رضي الله عنه - وكان من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -: كان مات في طاعون فيه بشر كثير، فكان إذا صلى على الرجال والنساء جعل الرجال مما يليه والنساء مما يلي القبلة، ويجعل رؤوسهن عند ركبتي الرجل، وكان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقدمونه فيصلي كذلك ولا ينكرونه.
قيل: هذا مطرح؛ لأن من اعتبر المخالفة بين رؤوسهم يقول على غير هذا الوجه: وهو أنه يجعل صدر الرجل عند وسط المرأة، وإذا كان مطرحًا لم يحتج به؛ لأن السنة عندنا أن يقف الإمام عند صدر الرجل، وعند وسط المرأة، فإذا اجتمع جنائز رجال فمتى خالف بين رؤوسهم خالف مسنون الموقف؛ لأنه يؤدي إلى أن لا يقف عند صدر كل واحد منهم، وإذا سوّى وقف عند صدر كل واحد.
وكذلك إذا اجتمع جنائز نساء فمتى خالف بينهم خالف مسنون الموقف؛ لأنه إلى أن لا يقف عند وسط كل واحده منهن وإذا سوى بينهن أصاب مسنون الموقف.
الجزء: 4 - الصفحة: 264
وإذا اجتمع جنائز رجال ونساء، فالنساء تبع للرجال؛ لأنهن يتأخرن عنهم في الموقف، وإذا كانوا تبعًا سقط اعتبار الموقف في حقهن، وكان الاعتبار بالمتبوع وهو الرجل الذي يلي الإمام، كما إذا جمع بين الحج والعمرة لما كانت العمرة تبعًا للحج سقط اعتبار أفعالها، وكان الترتيب لأفعال الحج.
فإن قيل: كان يجب أن يخالف بين جنائز الرجل والنساء؛ لأنه يصيب بذلك مسنون الموقف.
قيل: إنما وافقنا للمعنى الذي هو أن المرأة تبع للرجل، فسقط اعتبار الموقف في حقها، وكان الاعتبار بالرجل كالعمرة مع الحج.
احتج المخالف: بأنه إذا سوى بينهم يصير كالصف الواحد، وإذا جعله مدرجًا يصير كالصف بعد الصف، وله أن يفعل ذلك في الصف؛ لأنه إن شاؤوا وقفوا صفًا واحدًا، وإن شاؤوا وقفوا صفًا دون صف مثل الدرج، بل هذا هو الأفضل، نص عليه في رواية الميموني فقال: أحب إلي إذا كان فيهم قلة فله أن يجعلهم ثلاث صفوف، وإن كان وراءه أربعة جعلهم صفين.
والجواب: أنا لا نقول: إنه مخير بين تفريق الصف وبين جمعه كما قالوا هم في مسألتنا، بل نقول: المستحب أن يفترقوا صفوفًا لما فيه من الحظ للميت كما ورد الشرع، فروى أبو حفص العكبري بإسناده عن مالك بن هبيرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مؤمن يموت فيصلي عليه أمة من المسلمين بلغوا أن يكونوا ثلاثة صفوف إلا غفر له"، فكان
الجزء: 4 - الصفحة: 265
مالك بن هبيرة يتحرى إذا دخل أهل الجنازة أن يجعلهم ثلاثة صفوف.
وروى أيضًا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ما من مسلم يصلي عليه صفوف المسلمين إلا أوجب".
وبإسناده عن خير بن (1) نعيم الحضرمي أن أبا الزبير أو (2) عطاء بن أبي رباح أخبره أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى على جنازة ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - سابعهم، فجعلهم ثلاثة صفوف: الصف الأول ثلاثة، والصف الثاني رجلين، والثالث رجلًا، ورسول الله بأبي وأمي عليه الصلاة والسلام بين أيديهم.
وهذا المعنى معدوم في المخالفة في الصلاة عليهم، إذ ليس هناك فضيلة ورد الشرع بها بل فيه مخالفة مسنون الموقف، والله تعالى أعلم.
79 -