مَسْألَة: إذا أصاب الأرضَ بولٌ، فصب عليه الماء حتى غمره، وزال طعمه، ولونه، وريحه، فقد طَهُر الموضع، والماءُ الذي خالطَ البولَ طاهر:
نص عليه في رواية أبي طالب 1: في البول في المسجد يُصب عليه الماء، فيقوم الماء في المسجد، وهو بقدر دلو، فهو طاهر، والماء أيضًا طاهر.
وبهذا قال مالك 2، والشافعي 3 - رحمهما الله -.
الجزء: 2 - الصفحة: 46
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: لا يطهر الموضع حتى ينتقل البول عنه إلى موضع آخر، فإذا انتقل البول عنه إلى موضع آخر، فقد طهر الموضع الذي كان أصابه، ونجس الموضع الذي انتقل إليه، والماء الذي دفعه عن موضعه ونقله نجسٌ أيضًا 4. دليلنا: ما روى أبو بكر بإسناده في كتابه عن أبي هريرة - رضي الله عنه -: أن أعرابيًا دخل المسجد، ورسولُ الله - رضي الله عنه - جالس، فصلى ركعتين، ثم قال: اللهم ارحمني ومحمدًا، ولا ترحم معنا أحدًا، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لقد تَحَجَّرْتَ واسعًا"، ثم [لم] 5 يلبث أن بال في المسجد، فأسرع الناسُ إليه، فنهاهم النبي - صلى الله عليه وسلم -، وقال: "إنما بُعثتم ميسِّرين، ولم تبعثوا معسِّرين، صُبُّوا على بوله سَجْلًا من ماء"، أو قال: "ذَنوبًا من ماء" 6. فوجه الدلالة: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُصب عليه الذَّنوب لإزالة النجاسة، فلو كانت النجاسة لا تزول به، ولا يطهُر الموضع، وينجُس الماء الذي يجتمع، لما أمر أن يُصب الذنوب عليه؛ لأن في ذلك تكثير [اً] للنجاسة، وليس فيه إزالتها.
الجزء: 2 - الصفحة: 47
فإن قيل: روي أن الأعرابي بال عند عتبة المسجد، فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يُصب عليه ذنوبٌ من ماء، فيحتمل أن يكون قد جرى الماء إلى خارج المسجد 7.
قيل له: لا يجري حتى يختلط بالبول، فإذا جرى إلى خارج المسجد، زاد موضع النجاسة، وكان الموضع بحاله، وكلُّ ما ورد الماء عليه، صار بملاقاة النجاسة نجسًا.
فإن قيل: روي في خبر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بأن يُحفر مكانه 8، وعندكم: لا يتغير حفر المكان، ونحن نقول: إذا حفر، وغسل الموضع، فإنه يطهر، وقد روي في بعض الأخبار: أنه قال: "خذوا ما بال [عليه] من التراب، وألقوه، وأهريقوا على مكانه ماء" 9.
قيل: قد روى بكر بن محمد عن أبيه 10، عن أحمد - رحمه الله -:
الجزء: 2 - الصفحة: 48
أنه قيل له: يروى في حديث الأعرابي عن ابن عياش 11، عن سمعان 12، عن أبي وائل 13، عن عبد الله - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "فأمر به، فحفر"، وقال: ما أعرف سمعان، وهذا حديث منكر 14، وقال أبو داود: يرويه عبد الله بن معقل 15 بن مقرن 16، وهو لم يلق النبي - صلى الله عليه وسلم - 17.
وعلى أنه لو صح هذا، لم يدل على ما يذهبون إليه، بل يُحمل على أنه قصد تخفيف النجاسة، فألقى بعض التراب الذي أصابه البول، ثم صب الماء عليه، كما أمر بالحتّ والقرص من دم الحيض.
فإن قيل: يحتمل أن تكون أرض المسجد رخوة تشرب الماء، فانحط البول إلى جوف الأرض، وطهر وجهها.
قيل: الموضع طهر بالماء الذي ورد عليه، ولا يجري حتى يختلط
الجزء: 2 - الصفحة: 49
بالبول، فيتعدى إلى الموضع، وقد نجس.
وتبنى المسألة على أن الماء المزال به النجاسة طاهر، إذا لم يكن متغيرًا، وقد حكم بطهارته.
والدليل عليه: أن الأجزاء التي تبقى في الثوب من جملة الماء المزال به النجاسة، ألا ترى أنه كلما زيد في عصر الثوب، خرج الماء منه أكثر، فلو كان المنفصل نجسًا، لكان الباقي في الثوب نجسًا، وكان يجب أن لا يطهر الثوب بحال، وقد أجمعنا على طهارة الثوب، فثبت أن الماء المنفصل أيضًا طاهر، وقد أومأ أحمد - رحمه الله - إلى طهارة الماء المنفصل من الثوب في رواية علي بن سعيد 18: في الثوب يمسه البول: يغسل سبع مرات، فإن نقعه في إجّانة 19 حتى يغمره الماء، فأرجو أن يجزئه، إن لم يمكنه أن يصب عليه الماء.
وظاهر هذا: أن المنفصل طاهر؛ لأنه لو كان نجسًا، لم يطهر الثوب بحصوله فيه.
الجزء: 2 - الصفحة: 50
فإن قيل: أكثر الذي يبقى في الثوب إنما كان طاهرًا؛ لأنه لا يمكن الاحتراز منه.
قيل له: لا يمكن الاحتراز من نجاسته أيضًا؛ لأن العادة أن النجاسة إنما تغسل بماء يسير، وليس العادة أنها تُحمل إلى المياه الكثيرة، والجارية، فلو قلنا: إنها تنجس بالملاقاة، كان فيه مشقة، فلا فرق بينهما.
فإن قيل: البلل إنما كان طاهرًا؛ لأنه لم يلاق النجاسة، وإنما لاقى ما جاور النجاسة، وهو الماء الذي أزيل به النجاسة، ومن أصلنا: أن ما نجس بالمجاورة، لم ينجس ما جاوره، والدليل على ذلك: الفأرة إذا وقعت في السمن المائع: أن ما لاقى الفأرة نجس، وما جاور ذلك الموضع طاهر؛ لأنه جاور ما نجس بمجاورة النجاسة.
قيل: هذا لا يصح؛ لأن البلل هو من جملة الماء الذي لاقى النجاسة، فكان يجب أن يكون نجسًا على قولك؛ لأنه لاقى النجاسة، ولم يلاق ما جاور النجاسة، وقد أجمعنا على طهارته، عُلِم أن المعنى ما ذكرنا، ولا يشبه هذا السمن إذا كان جامدًا، فوقعت فيه فأرة: أنه تنجس ما جاور الفأرة حسب؛ لأن ما جاور مكان النجاسة هو جامد، ولم تلاقه النجاسة، وإنما لاقت محلها حسب، والجامدات إنما تنجس بملاقاة النجاسة، فلهذا لم يكن نجسًا، وما اختلفنا فيه من الماء المزال به النجاسة مائع، والبلل بعضه، فلما كان البلل طاهرًا 20، وجب أن يكون نفسه طاهرًا.
الجزء: 2 - الصفحة: 51
واحتج المخالف: بأن كل ما تنجس بملاقاته للنجاسة، فإنه لا يختلف بأن يَرِد على النجاسة، أو تَرِدَ النجاسةُ عليه؛ بدلالة المائعات كلها، واتفقنا على أن البول لو ورد على الماء، لنجَّسه، فإذا ورد الماء عليه، يجب أيضًا أن ينجِّسه؛ ولأنه ما تبقى فيه جزء من النجاسة، ولا يتوصل إلى جزء منه إلا بجزء من النجاسة، فيجب أن يحكم بنجاسته؛ كما لو وردت النجاسة عليه.
والجواب: أن ورود الماء على النجاسة يطهِّر المحل، وما طهر لا يجوز أن يكون نجسًا، وليس كذلك ورودها على الماء؛ لأنها تؤثر في طهارته، ولا يؤثر في طهارتها، فجاز أن يفرق بينهما؛ ولأنه لو نجس بوروده على النجاسة، لم يكن لنا سبيل إلى طهارة النجس، وليس كذلك إذا وردت على الماء؛ لأن لنا سبيلًا إلى صيانة الماء عنه؛ ولأنه ينتقض بالبلل الذي في الثوب، قد تيقنا حصول النجاسة فيه، وهو طاهر، والله أعلم.
64 -