مَسْألَة: إذا أصاب أسفلَ الخفِّ نجاسةٌ، فمسحه بالأرض، وصلى، لم تجزئه في أصح الروايات:
12 الجزء: 2 - الصفحة: 19
نص عليه في رواية الفضل بن زياد 3: فيمن وطئ بنعله على فأرة، فتبين أثرها: عليه غسلُه، قيل له: فمسحه؟ قال: لا.
وكذلك نقل عبد الله عنه 4: إذا كان السرجين رطبًا من بغل أو حمار، فيعجبني غسله.
وظاهر هذا: أن حكمها لا يزول بالمسح، وروى عبد الله عنه: أنه سئل عن البول في النعل والخف هو بمنزلة الثوب 5؟ فقال: أرجو أن يكون أخفَّ 6.
فظاهر هذا: أنه يزول بالمسح.
ونقل ابن منصور عنه 7: في الأرض يطهر بعضها بعضًا سوى البول والعذرة الرطبة.
فظاهر هذا: أن البول، والعذرة لا يزول حكمها إلا بالغسل، ويزول حكم غيره من النجاسة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: إن كانت النجاسة لها جِرْمٌ قائم؛ كالعذرة ونحوِها، وجفّت، فمسحه بالأرض وصلى فيه، أجزأه، وإن كانت رطبة، أو أصابه بول، ..........................
الجزء: 2 - الصفحة: 20
لم يجزئه إلا الغسل 8.
وللشافعي - رحمه الله - قولان: أحدهما هو القديم: تجوز الصلاة فيه، والثاني: وهو القول الجديد: لا تجوز الصلاة فيه 9.
فالدلالة على أنه لا يجوز الصلاة فيه قبل الغسل: هو ملبوس نجس، فلم تجز الصلاة فيه إلا بعد الغسل، دليله: الثوب.
وإن شئت قلت: فلم يقم مسحه مقام غسله، ، دليله: الثوب.
ولأنه لو لم تصبه إلا الرطوبة، لم يجزئه إلا الغسل، كذلك إذا كان معها جِرْم؛ كما لو كانت النجاسة رطبة، لم يجزئه إلا الغسل، كذلك إذا جفت، كما لو لم يكن لها جُرم، وكما لو أصابت الثوب.
واحتج المخالف: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا وطئ أحدُكم الأذى بنعليه، فإن طهورهما التراب" 10. وروى أبو عبد الله بن بطة في سننه عن عائشة - رضي الله
الجزء: 2 - الصفحة: 21
عنها - قالت: سئل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن الرجل يطأ بنعليه الخَبَث، ثم يصلي فيهما؟ قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الترابُ لها طَهور" 11، والخبث إذا أطلق، انصرف إلى النجاسة.
والجواب: أن الأذى ها هنا محمول على ما يُستقذر من الأشياء؛ كالمخاط، والبزاق، والطين، وقد يسمى ذلك طهارة؛ لأن الطهارة في اللغة: النظافة، والنزاهة من الأشياء.
واحتج: بأن أسفل الخف محل يتكرر ملاقاته للنجاسة، فزال حكمه بالمسح، دليله: السبيل.
والجواب: أنا لا نسلم أنه يتكرر ملاقاته للنجاسة؛ لأن عامة الأرض طاهرة، ولهذا نقول: ما يلحق ثوبه من طين أو بلل، يُحكم بطهارته، وإنما المواضع النجسة منها قليلة يمكن الاحترازُ منها، بل الأصل المقيس عليه يتكرر ملاقاته للنجاسة في اليوم والليلة، فجاز أن يخفف فيه، فيقوم المسح مقام الغسل.
واحتج: بأنه حكم لو تعلق بالرِّجل، كان فرضه الغسل، فإذا تعلق بالخف، جاز المسح فيه، كالطهارة عن الحدث.
= (حديث مضطرب الإسناد لا يثبت)، وينظر: علل الدارقطني (8/ 159).
الجزء: 2 - الصفحة: 22
والجواب: أن الطهارة عن الحدث أوسع، ألا ترى أنها لو عمت سائر البدن، غسلَ أربعةَ أعضاء، ويقدِّم غسلَ النجاسة عليها عند عدم الماء، وليس لها بدل، والطهارة عن الحدث لها بدل.
واحتج: بأن جِرْم الخفِّ مستحصفٌ كثيف، وجِرم النجاسة متحلل سخيف، فإذا جفت، نشفت الرطوبة التي فيها إلى نفسها فهي أزيلت، فالحك والمسح زال الجرم 12، والرطوبة التي حصلت فيه، ولم يبق في الخف من أجزاء النجاسة إلا شيء يسير مثلها لو انفرد، لم يمنع جواز الصلاة، ولا يلزم عليه إذا كانت رطبة؛ لأن الجرم إذا أزيل بالحك والمسح، يثبت الرطوبة التي كانت معه تلاقيه لتجف، كأنه لم يصبه غيرها، ولا يلزم عليه البول؛ لأنه ليس له جرم ينشف الرطوبة إلى نفسه، فإذا مسحه بالأرض، علمنا أن أجزاء النجاسة باقية في الخف كما كانت، ولا يزيل تلك الأجزاء إلا الغسل، ولا يلزم عليه الثوبُ إذا أصابته نجاسة، فجفت أو لم تجف، كان لها جِرمٌ أو لم يكن، لا يجزئه إلا الغسل؛ لأن الثوب متحللٌ يتداخله [أجزاء] 13 النجاسة، فلا يزيله الحك.
والجواب: أن في حال الملاقاة قد نجس الخف، وجفاف النجاسة لا يجذب تلك الرطوبة التي لاقت الخف؛ بدليل: أنه لو وقع ذلك الخف بعد مسحه في ماء يسير، أو مسحه بخرقة رطبة، نَجَّس الثوبَ والماء، فلو كان جفافُ النجاسة قد جذب الرطوبة إلى نفسه، لوجب أن يحكم بطهارة
الجزء: 2 - الصفحة: 23
المحل، ولما لم يحكم بذلك، دل على بطلان هذا، والله أعلم.
60 -