مَسْألَة: إذا أصابت الأرضَ نجاسةٌ، فيبست، وذهب أثرها، لم تجز الصلاة فيها
نص عليه في رواية الأثرم، فقال: لا يطهر المكان النجس بالشمس إذا طلعت عليه 4.2
الجزء: 2 - الصفحة: 55
وبهذا قال مالك 5، والشافعي 6 - رحمهما الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: تجوز الصلاة فيها، ولا يتيمم منها 7.
دليلنا: قوله - صلى الله عليه وسلم -: "صبوا عليه ذَنوبًا من ماء" 8، فالظاهر: أن البول لا يطهر إلا بصبِّ الماء عليه، ولأنه محلٌّ نجس، فلم يطهر بالشمس إلى أن ذهب لونها وريحها.
وإن شئت قلت: محلٌّ نجس، فلم يزُل المنعُ بجفافه، دليله: ما ذكرنا؛ ولأن كل بقعة لم يجز التيمم بترابها لأجل النجاسة، لم تجز الصلاة عليها.
دليله: إذا كانت أعيان النجاسة باقية لم تجف، وفيه احتراز من الأرض الرملة، والنَّورة 9.
فإن قيل: إنما لم يجز؛ لأنه إذا تيمم، ضرب على الأرض، فيثير التراب النجس.
قيل له: عندكم: لا يفتقر التيمم إلى هذا؛ لأنه لو وضع [يده] على
الجزء: 2 - الصفحة: 56
الأرض، ولم يعلق بها شيء، أجزأه.
فإن قيل: إنما لم يجز التيمم؛ لأنا نتيقن أن الأرض أحالت جميع أجزاء النجاسة إلى طبعها، ويجوز أن يكون قد ذهب أثرها، وهناك أجزاء نجسة باقية، وقد تيقنا أنها خففت حكمها حتى صيّرتها بمنزلة النجاسة اليسيرة، ويسيرُ النجاسة لا يمنع جواز الصلاة، ويمنع جوازَ الطهارة، فلذلك منعنا جواز التيمم، ولم نمنع جواز الصلاة.
قيل له: قولك: إنا قد تيقنا أنها خففت حكمها حتى صيّرتها بمنزلة النجاسة اليسيرة، لا نسلِّم لك هذا، بل هي على حالها، ولكنها خفت كما خفت على البساط، والثوب.
ولأن النجاسة إذا كانت منبسطة، فكل جزء أشرنا إليه من البقعة كان محكومًا بنجاسته، بدلالة امتناع جواز التيمم به، وإذا كان كذلك، حصلت النجاسة أكثر من قدر الدرهم، وذلك يمنع جواز الصلاة.
واحتج المخالف: بأن من شأن الأرض أن تقلب الأشياء إلى طبعها، فيصيرها أرضًا، قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8]، فأخبر أن ما على الأرض يجعله أرضًا، فإذا كان من شأن الأرض ما ذكرنا، دل ذهابُ أثرها، على أن الأرض أحالتها إلى طبعها، فيصيرها أرضًا، ويوجب ذلك تخفيف حكمها، وكونها بمنزلة النجاسة اليسيرة التي لا تمنع جواز الصلاة، وليس كذلك البساط إذا أصابته نجاسة، وجفت وذهب أثرها: أن الصلاة لا تجزئ عليها؛ لأنه ليس من شأن البساط أن يقلب الأشياء إلى طبعه، فذهاب أثره لا يوجب تخفيف حكمها.
الجزء: 2 - الصفحة: 57
والجواب: أنا لا نسلم أن الأرض تقلب الأشياء إلى طبعها، وإنما تشرب الرطوبة، وتنشفها الشمس، والهواء، وتجففه، كما يكون البساط، ولا فرق بينهما.
والذي يبين صحة هذا: أن الذهب، والفضة، والحديد، والخشب يبقى في الأرض، ولا يصير أرضًا، وكذلك أصول الشجر وعروقها، والزروع 10، وغير ذلك يبقى في الأرض الزمان الطويل، ولا يصير أرضًا، وأما قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾ [الكهف: 8]، فإن الأرض الجزر: التي لا تُنبت، يقال: أرض جرز، وأرض أجراز 11، ومعنى الآية: أن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: جاعل الأرض: الخلفاء، والعلماء، والأمراء 12. وقال مجاهد: الرجال 13، وقال بعضهم: أنواع الأشجار، والثمار، والأموال، ثم ذم لهم الدنيا، وأخبرهم بفنائها، وأنها تصير إلى التراب والبلى، وقيل: إنها تأكل بنيها أكلًا.
والله - سبحانه وتعالى - أعلم.
الجزء: 2 - الصفحة: 58
66 -