: والدلالة على أنه إذا كان الإمام عالمًا بحدث نفسه، يعيدون الصلاة إذا علموا بذلك بعد الفراغ: أنه قاصد لإفساد صلاتهم، والاستهزاء بالدين، فبطلت صلاتهم خلف مَنْ هذه صفتُه؛ كالكافر؛ ولأنه يصير بهذا الفعل فاسقًا، وإمامة الفاسق لا تصح عندنا، وهذا فصل يأتي الكلام فيه - إن شاء الله تعالى -.
- فصل: والدلالة على أنه إذا علم بحدث الإمام في أثناء الصلاة، يعيد: ما رواه الرفاعي 1 ................................ = في ذات المسألة ما نصه: (وقوله - صلى الله عليه وسلم -: "صلاة الجماعة تفضل على صلاة الفذ بخمس وعشرين درجة"، ولو كان حكمها حكم الانفراد، لما كان لهذا الفضل معنى).
الجزء: 1 - الصفحة: 488
عن أبي القاسم الجزري 2، عن أبي حفص بن شاهين 3، عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا فسدت صلاة الإمام، فسدت صلاة من خلفه" 4، وظاهر هذا يقتضي فسادها في عموم الأحوال، إلا ما خصه الدليل، ولأنه علم يحدث الإمام في صلاته، فوجب أن تبطل صلاته، دليله: إذا علم بحدثه في صلاة الجمعة قبل أن يعقدها بركعة، فإن جمعتهم تبطل، ولو علموا بحدثه بعد الفراغ من صلاته، لم تبطل جمعتهم عندهم.
فإن قيل: لا تبطل جمعتهم، بل ينوون 5 الانفراد، وينوون (4) بها الظهر.
قيل له: قد بطلت صلاته التي أحرم بها، وهي الجمعة، وينوي فرضًا آخر، وهو الظهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 489
فإن قيل: إنما بطلت جمعته؛ لأن من شرطها الإمام، وقد عُدِم، وليس من شرط هذا الإمام.
قيل: لا فرق بينهما؛ لأن من شرط الجماعة إمام، وإذا عدم الإمام، بطلت الجماعة، وعلى أنه قد تصح الجمعة بغير إمام، وهو إذا كان مسبوقًا، فسلَّم إمامه، فإنه يتمها منفردًا.
واحتج المخالف: بما روى الشافعي 6، وأبو داود 7 - رحمهما الله - بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كبر في صلاة من الصلوات، ثم أشار إلى الناس: أن امكثوا، ثم رجع - صلى الله عليه وسلم - وعلى جلده أثرُ الماء 8، ورُوي: ثم رجع وقد اغتسل (2).
الجزء: 1 - الصفحة: 490
وقد روى الشافعي 9، وأبو داود بإسناده 10 عن أبي بكرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل في صلاة الفجر، فأومأ إليهم: أن مكانكم، فذهب، ثم جاء ورأسه يقطر فصلى بهم 11.
والجواب: أنه ليس في الخبر أن القوم كانوا كَبَّروا.
فإن قيل: لما قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "لا تقوموا حتى تروني قد خرجت" 12، وقال في الخبر: "مكانكم"، علمنا أنهم كانوا في الصلاة؛ لأنهم لو لم يكونوا في الصلاة، لكانوا منهيِّين عن القيام عند غيبة النبي - صلى الله عليه وسلم - بقوله: "لا تقوموا في الصف حتى تروني" 13.
قيل له: ليس في قوله: "على رِسْلكم، ومكانَكُم" أمرٌ بالقيام،
الجزء: 1 - الصفحة: 491
ويحتمل أن يكون المراد به: اثبتوا ولا تنصرفوا.
فإن قيل: روي في خبر أبي هريرة - رضي الله عنه - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للناس: "مكانكم"، فلم يزالوا قيامًا ينتظرون حتى خرج.
قيل: يحتمل أنهم لم يزالوا قيامًا في غير صلاة ينتظرونه حتى خرج.
فإن قيل: روى الدارقطني بإسناده 14 عن أنس - رضي الله عنه -: أنه قال: دخل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صلاته، فكبر وكبرنا معه، ثم أشار إلى القوم: كما أنتم، فلم نزل قيامًا حتى أتانا نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قد اغتسل ورأسُه يقطُر ماء 15.
قيل له: إن ثبت هذا الخبر، فلا دلالة فيه؛ لأنه لا خلاف أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما رجع، كَبَّر، وقد قال لهم: "إذا كبر الإمام، فكبروا" 16، فلم يكونوا ليخالفوا النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيتركون التكبير عند تكبيره، فالظاهر من أمرهم: أنهم استأنفوا التكبير عند تكبير النبي - صلى الله عليه وسلم -.
فإن قيل: روى أبو هريرة - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس جنبًا،
الجزء: 1 - الصفحة: 492
فأعاد ولم يعيدوا 17. قيل له: روى أبو بكر النجاد في كتابه بإسناده عن عبد الله بن زُرير 18 عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: صلى بنا النبي - صلى الله عليه وسلم -، ثم انصرف، ثم جاء ورأسُه يقطر، فأعادوا، قال: "إني صليت بكم وأنا جنب، فمن أصابه مثلُ الذي أصابني، أو وجد رِزًّا في بطنه 19، فليفعلْ مثلَ الذي صنعت" 20. وروى النجاد أيضًا في كتابه عن خلد 21 عن أبي جابر محمد بن
الجزء: 1 - الصفحة: 493
عبد الرحمن بن خالد 22، عن سعيد بن المسيب 23: أنه لما رجع، استأنف بهم الصلاة، وفي لفظ آخر: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالناس وهو جنب، فأعاد وأعادوا 24، وهذه الزيادة من رواية من روى أنهم لم يعيدوا، لا تنفي ثبت 25 الإعادة، وتلك تنفي، والمثبتة منها أولى؛ كالشهادة التي تثبت أولى من الشهادة التي [لم تثبت] 26. واحتج: بأنه غير منسوب إلى التفريط في الائتمام به، فوجب أن = ابن حجر: (ثقة فقيه)، توفي سنة 158 هـ. ينظر: التقريب ص 485.
الجزء: 1 - الصفحة: 494
تصح صلاته؛ قياسًا على من اقتدى بمن مس زوجته لغير شهوة، أو نام زائلًا عن مستوى الجلوس نومًا يسيرًا، أو علم بحدثه بعد فراغه من الصلاة.
والجواب: أن هذا يبطل بمن اقتدى بكافر، أو امرأة.
فإن قيل: هو منسوب إلى التفريط.
قيل له: قد بينا أن المأموم لم يكلف معرفة حال الإمام، فكيف يكون مفرطًا في الائتمام بهما مع الجهل بحالهما، وأما إذا صلى خلف من مس امرأته لغير شهوة، أو نام زائلًا نومًا يسيرًا، فالمعنى فيه: أن الاقتداء به يصح في حال العلم بحاله عندنا، فجاز أيضًا في حال الجهل، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأنه لا يجوز الاقتداء به مع العلم بحاله، فجاز أن لا يجوز أيضًا مع الجهل؛ كما لو كان كافرًا، أو امرأة، وأما إذا علم بحدثه بعد الفراغ من الصلاة، فقد بينا الفرق بين أن يعلم بذلك في الصلاة، وبين أن يعلم خارجًا منها، من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن شكّه في الصلاة يوجب عليه التحري، أو البناء على اليقين، وخارج الصلاة لا حكم له، وكذلك انقطاع دم المستحاضة، وانقضاء مدة المسح، ورؤية الماء في الصلاة يبطلها, ولا يؤثر ذلك خارجًا منها، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بأن من لم تصح صلاته بصلاة غيره، لم تبطل صلاته ببطلان صلاته، أصله: بطلان صلاة بعض المأمومين، وربما قالوا: كل من بطلت صلاته - بمعنى: انفرد به - لم تبطل صلاة غيره ببطلان صلاته، أصله: المأموم إذا كان جنبًا.
الجزء: 1 - الصفحة: 495
والجواب: أن هذا يوجب أن لا تبطل صلاة غيره، وإن كان عالمًا بحاله؛ كما لا تبطل صلاة غير المأموم، على أنا قد بيّنا أن صلاة الإمام غير متعلقة بصلاة المأموم، فلهذا لم تفسد بفسادها, وليس كذلك المأموم؛ لأن صلاته متعلقة بصلاة الإمام من الوجه الذي ذكرنا، وهو أن الإمام لو علم أن المأموم محدِث، لم يمنع ذلك من صحة صلاته، وكذلك لو سها المأموم، لم يلزم الإمام حكم سهوه، ولو سها الإمام، لزم المأموم حكمه، فلهذا لم تفسد صلاة الإمام بفساد صلاة المأموم، وفسدت صلاة المأموم بفساد صلاة الإمام.
واحتج: بأنه لو صلى في ثوب نجس, صحت صلاتهم، نص عليه في رواية يوسف بن موسى: إذا صلى في ثوب 27، يعيد ولا يعيدون 28، كذلك ها هنا.
والجواب: أن هذا محمول على أنه إن علم بعد الفراغ منها.
واحتج: بأن قال: صلاة المأموم تتعلق بصلاة الإمام في الفضيلة، لا في الجواز والبطلان، ألا ترى أن كلَّ ما تبطل به صلاة المنفرد تبطل به صلاة الجماعة، فإذا لم يتعلق صلاة المأموم بصلاة الإمام إلا في الفضل، وجب إذا لم تصح صلاته أن يزول الفضل دون الجواز.
الجزء: 1 - الصفحة: 496
والجواب: أنه لو كان كذلك، لوجب إذا كان المأموم عالمًا يحدث الإمام أن تبطل الفضيلة، ويبقى الجواز، وقد اتفقنا على بطلان الأمرين، فبطل ما قاله.
واحتج: بأنه ليس على المأموم معرفة طهارة الإمام من طريق الاجتهاد، ولا من طريق اليقين، وقد يخطئ الإنسان في كثير مما أُمِر بالاجتهاد فيه، فيعذر، فما لم يؤمر بالاجتهاد فيه، ولا معرفته من جهة اليقين أولى أن لا يعذر في خطئه.
والجواب: أن هذا يوجب أن يعذر إذا صلى خلف امرأة أو كافر.
فإن قيل: الإمام مؤتمن على طهارته، ولا يوقف عليها إلا من جهته، فإذا علمنا بقوله، لم يقبل رجوعه بعد ذلك؛ كالمرأة إذا أقرَّت بانقضاء العدة، ووجب، ثم رجعت عن ذلك، وقالت: لم تنقض عدتي بَعْدُ: أنَّا لا نقبل قولها.
قيل: فيجب أن لا يقبل قوله قبل الدخول في الصلاة؛ لهذا المعنى، وعلى أنا إنما لم نقبل رجوع المرأة بعد التزويج؛ لأن دخولها في عقد النكاح اعتراف منها بصحته، فإذا ادعت ما يوجب فسخه، وإبطال حق الزوج، لم تصدَّق، وليس كذلك في مسألتنا؛ لأن هذا من أمر الدين، فيقبل قوله فيه؛ كما يقبل قوله قبل الدخول في الصلاة.
والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 497
49 -