المبحث الخامس: عَقِيدَتَهُ
حيث إن الكتاب المراد تحقيقه في الفقه، وليس من كتب المعتقد؛ لذا سأشير إلى أهم أمر غُمِزَ فيه القاضي - رحمه الله - من جهة المعتقد، ويمكن حصر ذلك فيما يتعلق بصفات الله - سبحانه وتعالى -، وقد تُكلِّم في القاضي - رحمه الله - من جهتين: الجهة الأولى: التفويض لمعاني الصفات، وهذا أمر قد ثبت عن القاضي - رحمه الله -، قال ابن تيمية - رحمه الله -: ( ... ونوع ثالث سمعوا الأحاديث والآثار، وعظَّموا مذهب السلف، وشاركوا المتكلمين الجهمية في بعض أصولهم الباقية، ولم يكن لهم من الخبرة بالقرآن والحديث والآثار، ما لأئمة السنة والحديث، لا من جهة المعرفة والتمييز بين صحيحها وضعيفها، ولا من جهة الفهم لمعانيها، وقد ظنوا صحة بعض الأصول العقلية للنفاة الجهمية، ورأوا ما بينهما من التعارض ... هؤلاء تارة يختارون طريقة أهل التأويل ... وتارة يفوِّضون معانيها، ويقولون: تُجرى على ظواهرها؛ كما فعله القاضي أبو يعلى وأمثاله في ذلك) 1.
الجزء: 1 - الصفحة: 44
الجهة الثانية: رميه بالتجسيم، والتشبيه، حتى نُقِل عنه: أنه قال: (ألزموني ما شئتم فإني ألتزمه، إلا اللحية والعورة) 2، وقد كذَّب هذا النقل شيخُ الإسلام ابن تيمية - رحمه الله -، وبيّن بطلان نسبته إلى أبي يعلى - رحمه الله - 3. وقد تكلّم غير واحد في كتاب أبي يعلى "إبطال التأويلات"، وأنه أتى فيه بالتجسيم المحض 4، وهذا خطأ على أبي يعلى - رحمه الله -؛ فإنه قد ألَّف كتابًا في الرد على المجسِّمة، بل بالغ حتى قال: بنفي الجسم 5، ومعلوم أن هذه اللفظة لا يصرَّح بإثباتها ولا نفيها 6؛ لعدم ورود نفيها لا في الكتاب ولا في السنة، ولا في قول أئمة الإسلام، بل إن كتابه: "إبطال التأويلات"، ردٌّ على كتاب ألَّفه أحد علماء الأشاعرة 7، = الأمثلة على هذا ينظر: دعاوى المناوئين لشيخ الإسلام ابن تيمية ص 186، ومذهب أهل التفويض في نصوص الصفات ص 209، ولتفصيل عقيدة أبي يعلى من كتبه ينظر: القاضي أبو يعلى وكتابه مسائل الإيمان ص 66 وما بعدها.
الجزء: 1 - الصفحة: 45
وقد أثنى على الكتاب ابنُ تيمية - رحمه الله - في الجملة؛ حيث قال: (وأكثرُ الحق فيها كان مع الفرائية مع نوع من الباطل، وكان مع القشيرية فيها نوعٌ من الحق مع كثير من الباطل) 8. هذه إشارة موجزة لِما وُجِّه لأبي يعلى - رحمه الله - من انتقاد حول معتقده، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 46