مَسْألَة: الوتر سنة مؤكدة، وليست بواجبة:
نص على هذا في رواية ابن القاسم 1، ومحمد بن عبد الملك 2 الدقيقي 3، واللفظ لابن القاسم، قال: قيل لأبي عبد الله: أليس يروون 4: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "زادكم الله صلاة، وهي الوتر" 5، فقال أحمد - رحمه الله -: الفرض إذًا ست صلوات، الوتر سنةٌ، عملَها رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون.
فقد صرح بالقول: إنها سنة غير واجبة، وقد علَّق القول في رواية صالح 6، .................................................
الجزء: 2 - الصفحة: 165
والفضل بن زياد 7، وجعفر بن محمد 8، واللفظ لجعفر: في رجل يترك الوتر متعمدًا، فهو رجل سوء لا ينبغي أن تقبل شهادته؛ فإنه لا شهادة له.
فظاهر هذا: أنه واجب، وليس هذا على ظاهره، وإنما قال هذا: فيمن يداوم [على] ترك الوتر طول عمره، أو أكثره؛ فإنه يفسق بذلك، وكذلك جميع السنن إذا داوم على تركها؛ لأنه بالمداومة يحصل 9 راغبًا عن السنة، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من رغب عن سنتي، فليس مني" 10، ولأنه إذا داوم على تركها، لحقته التهمة في أنه غير معتقد لكونها سنةً، وهذا 11 ممنوع، ولهذا قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أنا بريءٌ من كل مسلم بين ظهرانَي المشركين لا تراءى نارهم" 12، وإنما قال ذلك؛ لأنه متهم في أنه يُكَثِّر
الجزء: 2 - الصفحة: 166
جمعهم، ويقصد نصرَهم، ويرغب في دينهم، فكلام أحمد خرج على هذا، وأنه يمنع من المداومة على تركها، وإلا، فهو في الأصل سنة غير واجب، وبه قال مالك 13، والشافعي 14، وداود 15 - رحمهم الله -.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: الوتر واجب 16.
دليلنا: قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: 238] يعني: العصر عندنا 17، وعندهم 18، فلو كان الوتر واجبًا، لصارت الصلوات ستًا، ولم يكن لها وسطى؛ لأن الست لا وسط لها.
وأيضًا: روى طلحة بن عبد الله - رضي الله عنه - قال: جاء رجل إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من أهل نجد ثائر الرأس، تسمع دويَّ صوته، ولا تفقه ما يقول، حتى دنا، فإذا هو يسأل عن الإسلام؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "خمسُ صلواتٍ = كراهية المقام بين أظهر المشركين، رقم (1604)، وذكر عن البخاري: أن الصحيح من الحديث هو المرسل، وكذا قاله أبو حاتم، وصوب الإرسالَ الدارقطني.
ينظر: العلل لابن أبي حاتم (2/ 140)، وعلل الدارقطني (13/ 464).
الجزء: 2 - الصفحة: 167
كتبهن الله على عباده في اليوم والليلة"، قال: هل عليَّ غيرُهن؟ قال: "لا، إلا أن تطوَعَّ" ... إلى أن قال: واللهِ! لا أزيد على هذا، ولا أنقص، فقال: "أفلح إن صدق" 19، وروي: "أفلح - والله - إن صدق" 20، وروي: "دخل الجنة - والله - إن صدق" 21، ففي هذا الخبر دليلٌ على نفي وجوب الوتر من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه قال: "خمس صلوات كتبهن الله على عباده"، فدل على أن السادسة غير مكتوبة عليهم، والثاني: أن غيرها تطوع، والثالث: أن الأعرابي لما قال: لا أزيد عليها، قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفلح - والله - إن صدق"، فلو كان الوتر واجبًا، لزمه أن يزيد عليها.
فإن قيل: الخبر ينفي كونَ الوتر مكتوبة، ونحن نقول: إنه ليس بمكتوبة، فلا يلزمنا.
قيل له: الكتابة عبارة عن الثبوت، وما يأثم بتأخيره، ويجب فعله، والذي يدل عليه مكتوب في اللوح، ومنه قوله: "جرى القلم بما هو كائن
الجزء: 2 - الصفحة: 168
إلي يوم القيامة" 22، وما هو مكتوب في اللوح فهو يعمُّ الفرض، وغيرَه، فيجب أن يكون قوله: "لم يكتب عليكم" نفيًا في مقابلة ذلك الإثبات، فيعم النفي جميع المكتوب، والذي يبين صحة هذا: قوله عليه السلام: "رفع القلم عن ثلاثٍ" 23، ومعناه: رفع الواجب، والفرض.
كذلك قوله: "ولم يكتب" نفيٌ للثبوت، فهو عام في نفي كل ثابت، ولأن معنى الكتابة في اللغة: هو الثبوت، فيحصل معنى: يثبت علي، ولم يثبت عليكم.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا الخبر قبل إيجاب الوتر، ثم أوجب الوتر بعد ذلك بقوله: "إن الله زادكم صلاة"، قالوا: وهذا الجواب يمنع الاحتجاج به من الوجوه الثلاثة.
الجزء: 2 - الصفحة: 169
قيل له: لا نسلم لك أن ها هنا ما يدل على إيجاب الوتر، بل عندنا أنها غير واجبة، وما تذكره من الأخبار التي تعتقد أنها على الوجوب، فنحن نتكلم عليها - إن شاء الله تعالى -. وأيضًا: ما روى أبو بكر بإسناده، وأبو داود أيضًا 24 عن ابن محيريز 25: أن رجلًا من كنانة - يُدعى المُخْدِجي 26 - سمع رجلًا بالشام - يُدعى أبا محمد 27 - يقول: (الوتر واجب)، فقال المخدجي: فَرُحْت إلى عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -، فأخبرته، فقال: كذب أبو محمد، سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "خمس صلوات كتبهن الله تعالى على العباد، فمن جابهن لم يُضيِّع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن، كان له عند الله عهدٌ 28 أن يدخله الجنة، ومن لم يأت بهن، فليس له عند الله عهد، إن شاء عذبه،
الجزء: 2 - الصفحة: 170
وإن شاء أدخله [الجنة] 29 " 30. وهذا يدل على أن الوتر لا يجب.
وأيضًا: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند 31 قال: نا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك، عن أبي بكر بن عمر 32، عن سعيد بن يسار 33، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أوتر على البعير 34، وعند المخالف لا يجوز فعله على الراحلة؛ لكونه واجبًا، فدل على أنه غير واجب.
وروى أبو بكر النجاد قال: نا محمد بن عبد الله 35 قال: نا محمد
الجزء: 2 - الصفحة: 171
ابن العلاء 36 قال: نا خالد بن مخلد 37 عن العمري 38، عن موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر على راحلته 39، وهذا إخبار عن دوام الفعل.
فإن قيل: يقابل هذا بما روى جابر - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي على الراحلة حيثما توجهت به، فإذا أراد المكتوبة، أو الوتر، نزل 40. = الإمام أحمد، قال الذهبي: (مطين وثقه الناس)، توفي سنة 297 هـ. ينظر: طبقات الحنابلة (2/ 309)، وميزان الاعتدال (3/ 607).
الجزء: 2 - الصفحة: 172
قيل: نحن نقول بهما جميعًا، فنقول: يجوز على الراحلة، ويجوز نازلًا عنها.
وروى ابن المنذر بإسناده 41 عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوتر حق وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل" 42، وهذا نص.
وروى أبو بكر النجاد في كتابه قال: نا محمد بن عبد الله قال: نا محمد بن حرب 43 قال: ............................ = تهذيب الكمال (26/ 462).
الجزء: 2 - الصفحة: 173
نا شجاع بن الوليد 44، عن أبي جناب 45، عن عكرمة، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ثلاث هنَّ عليَّ فريضة، وهنَّ لكم تطوعٌ: الوتر، والتهجد، وركعتا الفجر" 46، فسماها تطوعًا في حقنا، وعندهم: أنها واجبة، والتطوع لا يعبر به عن الواجب.
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -.
وروى أبو بكر بإسناده عن عاصم بن ضمرة 47 عن علي - رضي الله عنه - قال: = (ثقة فاضل)، توفي سنة 261 هـ. ينظر: التقريب ص 533.
الجزء: 2 - الصفحة: 174
الوتر ليس بحتم، ولكن سنة سنَّها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - 48. وروى أيضًا بإسناده عن عبادة بن الصامت - رضي الله عنه -: أنه سئل عن الوتر؟ فقال: حسن 49 جميل، قد عمل به رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -، [والمسلمون من] 50 بعده، وليس عليكم بواجب 51. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن يحيى بن سعيد 52: أن رجلًا سأل ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الوتر، أواجب هو؟ قال: فقال ابن عمر: قد أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا كثر عليه، قال: أواجب هو! أواجب هو! 53.
الجزء: 2 - الصفحة: 175
والقياس: أنها صلاة لم يشرع لها الإقامة، فلم تكن واجبة على الأعيان، أصله: ركعتا الفجر، وعكسه: سائر الصلوات الواجبة على الأعيان، وفيه احتراز من صلاة الجنازة؛ لأنها لا تجب 54 على الأعيان، وإنما هي فرض على الكفاية، وفيه احتراز عن الصلاة المنذورة؛ لأنها ليست على الأعيان، وإنما تجب على الناذر.
فإن قيل: يؤذن ويقيم للعشاء وللوتر جميعًا؛ لأنهما صلاتان جمعهما وقت واحد؛ كصلاتي عرفة، ومزدلفة.
قيل له: هذا لا يصح؛ لأنه لو جاز أن يقال هذا في الوتر، لجاز أن يقال في الركعتين بعد المغرب، وبعد الظهر: إن الأذان لها وللفرض؛ لأنها تابعة للفرض، وتفعل في وقتها، ولأن الوتر قد يؤخر عن نصف الليل، ويفعل في آخر الليل، ولا يجوز تأخير العشاء إلى ذلك الوقت، فكيف يقال: بأن هذا أذان للصلاة، ويفعل في وقت آخر.
وقد قيل: هي صلاة ليست بفرض، فلم تكن واجبة على الأعيان؛ كسائر الصلوات، ولأن الوتر أحد نوعي الصلاة المرتبة، فكان منه تطوع، أصله: الشفع، ولأن الفرائض لما انقسمت إلى: شفع، ووتر، كذلك = والأثر: رواه الإمام أحمد في المسند رقم (5216)، قال: حدثنا وكيع: حدثنا سفيان عن عمر بن محمد، عن نافع: (سأل رجل ابن عمر عن الوتر، أواجب هو؟ فقال: أوتر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمسلمون)، وإسناده كلهم ثقات.
الجزء: 2 - الصفحة: 176
يجب أن تنقسم النوافل، ولا يجب وتر 55 في النوافل إلا هذا؛ بعلة أنها أحد نوعي الصلاة.
فإن قيل: يقابل هذا بمثله، فيقول: لما كانت صلاة النهار ثلاثًا، يجب أن تكون صلاة الليل ثلاثًا، وليس ها هنا ثالثة إلا الوتر.
قيل: هذا لا يصح على أصلك؛ لأنك فرقت بين الليل، والنهار فيما يرجع إلى النوافل، وقلت في نوافل الليل: إن شاء أربعًا، وإن شاء ستًا، وإن شاء ثمانيًا بسلام واحد، وفي نوافل النهار بخلافه؛ ولأنك فرقت بينهما فيما يرجع إلى الفرض، فقلت: في النهار ثلاث فرائض، وفي الليل فرضان، ولأن الوتر عنده ليس بفرض، كذلك ها هنا.
واحتج المخالف: بما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "أوتروا يا أهل القرآن" 56، وهذا أمر، وأمره على الوجوب.
والجواب: أنا نحمله على أمر الاستحباب، لا الإيجاب؛ بدليل: ما ذكرنا، وقد قال في ركعتي الفجر ما هو آكدُ من هذا، رواه أبو داود
الجزء: 2 - الصفحة: 177
بإسناده 57 عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تدعوهما ولو طردَتْكُم الخيل" 58، وفي لفظ آخر رواه النجاد بإسناده عن أبي هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تدعْ ركعتي الفجر وإن كان الخيلُ في طلبك" 59. وروى أيضًا بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "ركعتا الفجر خيرٌ من الدنيا وما فيها" 60. وروى بإسناده عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "لا تدعوا ركعتي الفجر؛ فإن فيهما الرغائب" 61، وكان ذلك على سبيل
الجزء: 2 - الصفحة: 178
الحث، والاستحباب.
واحتج: بما روى أبو سعيد الخدري - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "من نام عن الوتر، أو نسيه، فليصلِّه إذا ذكره" 62، وهذا أمر.
والجواب: أنه أمر استحباب؛ كما قال: "من لم يصلِّ ركعتي الفجر حتى طلعت الشمس، فليصلِّهما" 63.
واحتج: بما روى أبو هريرة - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: "من لم يوتر، فليس منا" 64، وهذا خارج مخرجَ الذمِّ على ترك الوتر، والذمُّ لا يستحق إلا بترك الواجب، وهذا كما قال: "من غَشَّنا فليس منا" 65، ودل ذلك على وجوب تركه.
والجواب: أن المراد به: ليس من أخيارنا؛ كما قال: "من لم يرحمْ صغيرنا، ..................................... = والرغائب: ما يرغب فيه من الثواب العظيم.
ينظر: لسان العرب (رغب).
الجزء: 2 - الصفحة: 179
ولم يوقِّرْ كبيرنا، فليس منا" 66.
واحتج: بما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن عقبة بن عامر الجهني - رضي الله عنه -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "إن الله قد زادكم صلاة هي خيرٌ لكم من حُمْر النَّعَم: الوتر، وهي لكم ما بين صلاة العشاء إلى طلوع الفجر" 67، والزيادة تقع على الواجبات، لأن النوافل لا غاية [لها]، فتقع الزيادة عليها 68.
واحتج: أنه ليس بفرض، فلا يجوز أن تكون على الفرائض، وعلى أنه تحمل هذه الزيادة على النوافل المرتبة، وهي محصورة.
واحتج: بما روى أبو داود بإسناده 69 عن أبي أيوب الأنصاري - رضي الله عنه -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: .............................
الجزء: 2 - الصفحة: 180
"الوتر حقٌّ على كل مسلم" 70، وليس في ألفاظ الوجوب آكد من قوله: "حقٌّ عليه"، ألا ترى أن شاهدين لو شهدا على أن لفلان على فلان كذا وكذا حق، قُبلت شهادتُهما، مع أن الشهادة لا يقبل فيها الألفاظ المختلفة المعاني؟ والجواب: أنه أراد: أن فعله حق على كل مسلم ندبًا واستحبابًا، وهذا كما روى طاوس عن أبي هريرة - رضي الله عنهما -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "حق على كل مسلم أن يغتسل كل سبعة أيام، وأن يمس طيبًا إن وجده" 71، وهذا استحباب، ويدل عليه: أن أبا بكر بن المنذر روى 72 من طريق بكر بن وائل 73 عن الزهري، ............................
الجزء: 2 - الصفحة: 181
عن عطاء بن يزيد الليثي 74، عن أبي أيوب الأنصاري قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوتر حق، وليس بواجب، فمن أحب أن يوتر 75 بخمس، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل" 76.
واحتج: بأن الكرخي روى عن أبي أيوب الأنصاري: أنه قال: "الوتر حق واجب، فمن شاء أوتر بسبع، ومن شاء أوتر بخمس، ومن شاء أوتر بثلاث، ومن شاء أوتر بواحدة، ومن غلب إلى أن يومئ، فليومئ" 77، قالوا: وهذا فيه دلالة على وجوبه من وجوه:
أحدها: قوله: "حق".
والثاني: قوله: "واجب".
الجزء: 2 - الصفحة: 182
والثالث: قوله: "فليومئ"، وهذا أمر.
والرابع: أنه نقل إلى الإيماء عند العجز، وأجراه مجرى سائر الواجبات التي لا تسقط بالعجز عن القيام.
والجواب: أن أبا الحسن الدارقطني ذكره في كتابه 78 من طريق محمد بن حسان الأزرق 79، عن سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن عطاء بن يزيد، عن أبي أيوب الأنصاري، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال 80: ولا أعلم أحدًا قال هذه الكلمة 81 غير محمد بن حسان الأزرق.
ولا تحفظ عن الزهري، ولا عن ابن عيينة، ولو صح، حملنا قوله: "حق على كل مسلم" ندبًا، واستحبابًا على ما تقدم تأويله، وكذلك قوله: "واجبًا" وجوب استحباب، كما روى أبو سعيد الخدري عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "غُسل الجمعة واجب على كل محتلم" 82، وقد قيل في الواجب عن جميع الأخبار التي ذكروها: إن الوتر مما تعم به البلوى، وما هذا طريقه يجب
الجزء: 2 - الصفحة: 183
بيانه عامًا، ولو بيّنه عامًا، نقل نقلًا عامًا، وأخبارهم نقلت نقلًا خاصًا، وهذا لا يثبت عندهم به حكم تعم به البلوى.
واحتج: بأنها صلاة، وهي وتر، فوجب أن تكون واجبة؛ دليله: المغرب.
والجواب: أن المغرب لم تكن واجبة لأنها صلاة وتر؛ لأن عشاء الآخرة واجبة، ولم تشرع وترًا، وكذلك الظهر، والعصر، فامتنع أن يكون علة الأصل ما ذكروا، ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - منع من تشبيه الوتر بالمغرب، وهي ما روى أبو سلمة والأعرج عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: "لا تُشبِّهوا الوتر بصلاة المغرب" 83، وإذا امتنع من التشبيه، لم يجز القياس عليها، وعلى أن المعنى في المغرب: أنه قد سُن لها الإقامة، وليس كذلك ها هنا.
واحتج: بأن الوتر يستحب تأخيره إلى بعد نصف الليل، ويكره تأخير العشاء إلى ذلك الوقت، فلما اختص بوقت لا يشاركه غيره فيه من الصلوات، وجب أن يكون واجبًا كسائر الصلوات.
والجواب: أن جميع الليل في الاستحباب سواء، فلا نسلم ما ادعاه،
الجزء: 2 - الصفحة: 184
والذي يدل عليه: ما روى أبو بكر بإسناده عن علي قال: من كلِّ الليل أوترَ رسول الله - صلى الله عليه وسلم -؛ من أوله، ووسطه، وآخره، وانتهى وتره إلى السحر 84. وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 85 بإسناده عن سعد بن أبي وقاص: أنه كان يصلي العشاء الآخرة في مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ثم يوتر بواحدة لا يزيد عليها، فيقال [له] 86: أتوتر 87 بواحدة لا تزيد 88 عليها؟ فيقول: نعم، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "الذي لا ينام حتى يوتر حازم" 89. ورُوي عن أبي قتادة قال: تذاكرَ أبو بكر وعمر - رضي الله عنهما - بالوتر عند
الجزء: 2 - الصفحة: 185
رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال أبو بكر - رضي الله عنه -: أما أنا، فأوتر أول الليل، فإذا استيقظت، صليت، قال عمر - رضي الله عنه -: أما أنا، فأوتر آخر الليل، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي بكر: "أخذت بالحزم"، وقال لعمر: "أخذت بالقوة" 90، فلو كان مستحبًا تأخيره، لما قدمه أبو بكر - رضي الله عنه -.
وروى أبو هريرة 91، وأبو ذر 92 - رضي الله عنهما -: أوصاني خليلي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بثلاث، وقال أبو ذر: أوصاني حِبِّي بثلاث: بركعتي الصبح، وصيام ثلاثة أيام من كل شهر، والوتر قبل النوم.
وهذا كله يدل على أنه سواء في الاستحباب، وقد قال أحمد
الجزء: 2 - الصفحة: 186
- رحمه الله - في رواية حنبل: إن كان يصلي بالليل، أوتر من آخر الليل؛ لأن آخره أفضلُ لمن قدر على ذلك، فإن لم يقدر على آخر الليل، فأوله، ولا ينام إلا على وتر 93، ونحو ذلك نقل الفضل بن زياد 94. وجواب آخر، وهو: أنه، وإن أخر إلى نصف الليل، فإنه على وجه التبع للعشاء الآخرة، لا أنه وقت يختصه، ألا ترى أنه لا يجوز فعله في ذلك الوقت، إلا أن يتقدمه عشاء الآخرة، وأما سائر الصلوات، فقد أجبنا عنها، والله أعلم.
83 -
مَسْألَة: أقلُّ الوتر ركعة، وأكثره إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بركعة، وإن كان الوتر بثلاث بسلام واحد، جاز، إلا أنه يجلس عقيب الثانية، ويقوم إلى الثالثة، وإن كان الوتر بخمس أو سبع بسلام واحد، لم يجلس إلا في الأخيرة، وإن أوتر بتسع بسلام، جلس عقيب الثامنة، ثم يقوم فيأتي بالركعة، ويسلم:
الجزء: 2 - الصفحة: 187
نص على هذا في مواضع، فقال في رواية عبد الله 95: لا يعجبني الوتر بواحدة إلا أن يكون قبلها صلاة، إما أربع، أو ركعتان، أو ست، والذي أذهب إليه، وآخذ به: يسلم في ركعتين، ويوتر بواحدة، وكذلك نقل يوسف بن موسى: لا تعجبني واحدة 96، قيل له: فكم؟ قال: ثلاث، ويسلِّم في الثنتين 97.
فقد بين أن المختار ثلاث يسلِّم من اثنتين.
ونقل أبو طالب عنه 98: لا يجلس في الخمس والسبع إلا في آخرهن، وذكر حديث عائشة - رضي الله عنها -: أنه صلى خمسًا لم يفصل بينهن 99، وذلك إذا عمد إلى الوتر، لم يفصل بينهن، وكذلك نقل أبو داود عنه 100: إذا أوتر بتسع، فلا يقعد إلا في الثامنة، وكذلك نقل
الجزء: 2 - الصفحة: 188
جعفر بن محمد 101: إذا أوتر بتسع، فلا يجلس إلا في الثامنة، ولا يسلم إلا في التاسعة.
فقد بين جواز الوتر بأكثر من ثلاث بسلام واحد.
وقال في رواية علي بن سعيد 102: أما أنا، فأوتر بركعة إذا صليت قبلها عشر ركعات.
وهذا يدل على أن الأفضل هذا، ونقل حنبل عنه 103: لا بأس أن يوتر الرجل بركعة إذا كان قبلها صلاة متقدمة، وإن أوتر بركعة على ما فعل سعد 104، كان جائزًا.
وكذلك نقل يوسف، وأحمد بن الحسين عنه 105: في الرجل يفجؤه الصبح، ولم يكن صلى بعد العتمة شيئًا، ولا أوتر؟ قال: يوتر بواحدة.
قيل له: ولا يصلي قبلها شيئًا؟ قال: لا.
فقد بين جواز الوتر بركعة واحدة، وليس قبلها صلاة.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: الوتر ثلاث ركعات، لا يسلِّم إلا في آخرهن، لا يزيد عليهن، ولا ينقص منهن 106.
الجزء: 2 - الصفحة: 189
وقال مالك - رحمه الله -: الوتر ثلاث يسلم في الركعتين 107.
وقال الشافعي - رضي الله عنه -: الذي أختاره: أن يُصلي إحدى عشرة 108 ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بركعة 109.
فالدلالة على جواز الوتر بركعة منفردة، وعلى جوازه بأكثر من ثلاث، خلافًا لأبي حنيفة: ما روى أحمد - رحمهما الله -، وذكره أبو بكر في كتابه: قال: نا أحمد الزبيري قال: نا عبد العزيز بن أبي رَوَّاد عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال: جاء رجل إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - يسأله عن صلاة الليل، فقال: "صلاة الليل مثنى مثنى، يسلِّم في كل ركعتين، فإذا خفتَ الصبحَ، فصلِّ 110 ركعة توتِرُ لك ما قبلها" 111، وهذا نص في أنه يكون ركعة منفردة.
فإن قيل: نحمل قوله: "يسلِّم في كل ركعتين" على أن المراد به: التشهد في كل ثنتين؛ كما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "وفي كل ركعتين فسلم" 112؛ يعني: فتشهد، يبين صحة هذا: قوله: "توتر [لك] ما قبلها"،
الجزء: 2 - الصفحة: 190
وإنما يصح هذا إذا كانت متصلة بما قبلها.
قيل له: أما حملُه على أن المراد بالسلام: التشهد في كل ثنتين، فلا يصح؛ لأن السلام إذا أُطلق، عقل منه: الذي يُتحلل به من الصلاة، ألا ترى أنه قال: "تحليلها التسليم" 113؟ فعُقل منه السلام المعهود، وهو الذي يقع به التحلل منها، فمن حمله على غير ذلك، أزاله عن ظاهره، وأما قوله: "توتر ما قبلها"، فكذا نقول؛ لأنه لا يصح إلا أن ينوي بالثلاثة وترًا عند الاستفتاح، فأما إن صلى ركعتين من صلاة الليل، وينوي بالثالثة 114 الوتر، فلا، وقد تكون صلاة واحدة تفصل بعضها عن بعض بسلام، ألا ترى أن التراويح عشرون ركعة، ويسلم من كل ركعتين، واسم التراويح يقع على الجميع، كما أن اسم الوتر يقع على الجميع.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 115 قال: نا حسين بن محمد 116 قال: ثنا ابن أبي ذئب عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يصلي ما بين العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، ................................... = وهو ضعيف.
ينظر: التقريب ص 289.
الجزء: 2 - الصفحة: 191
يسلّم في كل اثنتين ويوتر بواحدة 117. وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بواحدة 118. وروى أبو بكر النجاد قال: نا إبراهيم بن عبد الله 119 قال: نا محمد بن كثير 120 قال: نا همام عن قتادة: عن أبي مجلز 121 قال: سألت ابن عمر - رضي الله عنهما - عن الوتر؟ قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: "ركعة من آخر الليل" 122، وسألت ابن عباس - رضي الله عنهما -، فقال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:
الجزء: 2 - الصفحة: 192
"ركعة من آخر الليل" 123. وروى النجاد قال: نا عبيد بن شريك 124 قال: نا ابن أبي مريم 125 قال: نا يحيى بن أيوب 126 عن إسحاق بن أسيد 127، عن عبد الكريم بن أبي المخارق 128، عن الحسن بن أبي الحسن 129 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "أوتروا بثلاث، افصلوا بين الركعتين والوتر" 130.
الجزء: 2 - الصفحة: 193
وروى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي أيوب قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الوتر حق على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس، فليوتر، ومن أحب أن يوتر بثلاث، فليوتر، ومن أحب أن يوتر بواحدة، فليفعل" 131، وهذه الأخبار تدل على جواز الوتر بركعة منفردة.
وروى أحمد - رحمه الله - في المسند 132 قال: نا عبد الرزاق قال: نا معمر عن قتادة، عن زُرارة بن أَوفى 133: أن سعد بن هشام بن عامر 134 - وكان جارًا له - أخبره: أنه دخل على عائشة - رضي الله عنها -، فذكرت عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه كان يصلي تسع ركعات، لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة، فيحمد الله، ويذكره، ويدعو 135، ثم ينهض لا يسلِّم، ثم يصلي التاسعة، فيقعد يحمد الله ويذكره ويدعو (5) ثم يسلم تسليمًا يُسمعنا 136 ثم يصلي ركعتين وهو قاعد 137.
الجزء: 2 - الصفحة: 194
وروى أحمد 138 - وذكره أبو بكر - قال: نا عبد الرزاق قال: نا سفيان 139 عن منصور 140، عن الحكم 141، عن مقسم 142، عن أم سلمة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بخمس أو سبع، لا يفصل بينهن بكلام ولا تسليم 143. وروى أبو بكر بإسناده عن عائشة - رضي الله عنها - قالت: كان رسول - صلى الله عليه وسلم - يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة، يوتر منها بخمس، لا يجلس في شيء من الخمس حتى يجلس في الآخرة، فيسلم 144. وهذه الأخبار تدل على جواز الوتر بأكثر من ثلاث بسلام واحد،
الجزء: 2 - الصفحة: 195
وأنه إذا كان الوتر بخمس أو سبع، سرد الركعات، ولم يجلس إلا في آخرهن، وإن كان بتسع، جلس في الثامنة، وقام، ثم سلم في التاسعة.
فإن قيل: يحتمل أن يكون هذا في الوقت الذي كان يتنفل بالوتر، فلما وجب، قصر على الثلاث، ويحتمل أن يكون المراد بالخبر: كان يُصلي إحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس فيهن الوتر.
قيل له: أما قولك: كان في الوقت الذي يتنفل به، فلا نسلم لك هذا، ولأن الوتر كان على صفة واحدة نفلًا، ولم يكن له حالة كان فيها مسنونًا، ثم وجب، وقد تقدم الكلام في هذه المسألة، وأما قوله: يحتمل أن يكون يُصلي إحدى عشرة، وتسع، وسبع، وخمس، فيهن الوتر، لا يصح؛ لأن عائشة - رضي الله عنها - قد ذكرت في حديث: كان يُصلي ما 145 بين عشاء الآخر [ة] إلى الفجر إحدى عشرة 146 ركعة، يسلِّم في كل اثنتين، ويوتر بواحدة 147، وهذا يقتضي واحدة منفردة، وفي حديث أم سلمة - رضي الله عنها - 148: يوتر بخمس وسبع، لا يفصل بينهن بسلام ولا كلام.
وبتسع لا يقعد فيهن إلا عند الثامنة 149، وهذا يُسقط ما قالوه.
الجزء: 2 - الصفحة: 196
ولأنه إجماع الصحابة - رضي الله عنهم -:
فروى أحمد - رحمه الله - 150، - ذكر [هـ] أبو بكر - قال: نا يحيى بن سعيد عن عبد الله 151، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان يسلم من ركعتين من الوتر، ويأمر بحاجته، ثم يوتر بركعة 152، قال أحمد - رحمه الله - في رواية زياد بن أيوب 153: كان ابن عمر - رضي الله عنهما - يسلم من اثنتين، ثم يقضي حاجته، ثم يقوم فيوتر بواحدة، وهو عندنا ثبت، ونأخذ به.
وروى النجاد بإسناده عن عطاء قال: قال لي ابن عباس - رضي الله عنهما -: ألا
الجزء: 2 - الصفحة: 197
أعلمك كيف توتر؟ قال: قلت: بلى، فقام فصلى ركعة، فأوترها 154. وروى أيضًا النجاد بإسناده عن ابن [أبي] مليكة 155 قال: قدم علينا معاوية حاجًا، فصلى بنا العشاء، فأوتر بركعة، فعابوا عليه، فقال ابن عباس - رضي الله عنهما -: عابوا على أمير المؤمنين بركعة! وإنما الوتر ركعة 156. وروى بإسناده عن عطاء الخرساني 157: أن عبد الرحمن بن عوف - رضي الله عنه - كان يوتر بواحدة 158. وروى بإسناده عن السائب بن يزيد: أن عثمان صلى خلف المقام، فأوتر بركعة 159.
الجزء: 2 - الصفحة: 198
وروى بإسناده عن عبد الله بن سَلِمة 160 قال: أمَّنا سعد - رضي الله عنه - في العشاء ثم تنحى، فصلى ركعة، فأتيته، فأخذت بيده فقلت: ما هذه؟ قال: وترٌ أنام عليها 161.
وروى بإسناده عن سعد بن مالك - رضي الله عنه -: كان يصلي العشاء، ثم يصلي ما شاء الله، ثم ينقلب إلى منزله، فإذا كان في السحر، ركع 162 ركعة أوترها 163.
وهذا إجماع منهم على جواز الوتر بركعة.
والقياس: أن الصلاة شفع ووتر، فلما جاز أن يكون الشفع صلاة = باب: ما يقرأ في ركعات الوتر، رقم (1673) عن عبد الرحمن بن عثمان التيمي، والبيهقي في الكبرى، كتاب: الصلاة، باب: الوتر بركعة واحدة، رقم (4782 و 4783)، وأخرجه في معرفة السنن والآثار (4/ 60)، وقال في كنز العمال (13/ 15) رقم (36168): (سنده حسن)، وحسّن إسناده المباركفوري في تحفة الأحوذي (2/ 456).
الجزء: 2 - الصفحة: 199
صحيحة، كذلك أقل الوتر يجوز أن يكون صلاة صحيحة.
وأيضًا: فإن ما جاز أن يقع بين جلستين من الركعات، جاز أن يكون صلاة صحيحة بحال؛ كالركعتين، وقد يقدر أن ركعة واحدة يجوز أن تقع بين جلستين، وهي 164 الركعة الثالثة من صلاة المغرب، فجاز أن يكون صلاة صحيحة؛ كالركعتين، وأيضًا: فإنه إذا أوتر بثلاث ركعات، فإنه يجهر بالقراءة في جميعها، ولم نجد الجهر في الصلوات في أكثر من ركعتين، فلما اتفقنا على أن المستحب الجهر بالقراءة في الجميع، وجب أن يكون الأفضل أن يفصل الثالثة عن الركعتين.
فإن قيل: إنما كان الجهر مسنونًا بالقراءة في الركعتين؛ لأن القراءة فرض فيهما، والصلاة مما يجهر بالقراءة فيها، وأما الوتر، فالقراءة واجبة في جميع ركعاته، وهو من الصلوات التي يجهر فيها بالقراءة، فكان الجهر بها في جميع ركعاته مسنونًا.
قيل له: السؤال باقٍ، وذلك أن القراءة عندك لا تجب في صلاة المغرب إلا في الركعتين الأوليين، ولا تجب في الثالثة، فلما أوجبت القراءة في الجميع، وجب أن يفصل بينهما؛ لتساوي 165 سائر الصلوات في الحكم.
فإن قيل: لا يمتنع أن يخالف بينها، وبين سائر الصلوات فيما
الجزء: 2 - الصفحة: 200
ذكرت، كما خالفت أنت بينها، وبين سائر الصلوات، وقلت: بأن الجميع صلاة واحدة، ولم نجد صلاة واحدة يفصل بعضها عن بعض بسلام.
قيل له: قد وجدنا هذا في النوافل، والوتر عندنا نافلة، ألا ترى أن التراويح عشرون ركعة، ويسلم من كل ركعتين، واسم التراويح يقع على الجميع، كما أن اسم الوتر يقع على الجميع.
واحتج المخالف: بما روى أبي بن كعب - رضي الله عنه - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث، لا يسلِّم حتى ينصرف 166.
وعن عائشة - رضي الله عنها -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسلِّم في ركعتي الوتر 167.
الجزء: 2 - الصفحة: 201
وعن عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل أربعًا أربعًا، ثم ثلاثًا 168.
وعن ابن عباس - رضي الله عنهما -: أوتر النبي - صلى الله عليه وسلم - بثلاث 169.
وعن علي - رضي الله عنه -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يوتر بثلاث ركعات 170.
وفعلُ النبي - صلى الله عليه وسلم -، وأوصافُها، وأعدادُ 171 ركعاتها يَرِدُ على وجه البيان لجملة واجبة في القرآن، فيجب أن يكون على الوجوب، فلا يجوز الزيادة على العدد، ولا النقصان منه.
والجواب عن حديث أُبيّ، وأنه كان لا يسلم، فغير محفوظ؛ لأن أبا داود 172، ....................................
الجزء: 2 - الصفحة: 202
وأبا بكر بن المنذر 173، وأبا الحسن الدارقطني 174 استقصوا على ألفاظه، ولم يذكروا هذا اللفظ، ولو صح، حُمل على أنه قصد بذلك: بيان الجواز دون الفضيلة، ونحن نجيز ذلك، ويكون الفضل فيما ذهبنا إليه؛ لمداومته عليه، ولاشتهاره في الرواية، وعمل الأئمة به.
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية الأثرم 175، وإبراهيم بن الحارث (2): فيمن أخر وتره حتى أصبح: فيعجبني أنه يوتر بركعة ليس قبلها صلاة، وإن أوتر بثلاث لم يسلم بينهن، لم يضق عندي 176، فقد نص على جواز ذلك.
وأما حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان لا يسلم في كل ركعتين، فالمشهور عنها: ما روى أحمد - رحمه الله - في المسند: وأنه كان يصلي ما بين العشاء الآخرة إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم في كل اثنتين، ويوتر بركعة 177.
وروى النجاد عنها - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بواحدة 178.
وقد ضعَّف أحمد - رحمه الله - ........................
الجزء: 2 - الصفحة: 203
ما رووه 179، فقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن حديث عائشة - رضي الله عنها -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بثلاث؟ فقال: هذا خطأ، إنما هو: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجلس في الثانية، ولا يسلم، وروى أيضًا محمد بن أصرم المزني: أن أبا عبد الله سئل عن حديث عائشة - رضي الله عنها -: كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسلم من ركعتين من الوتر؟ فضعفه من قِبَل سعيد بن أبي عروبة 180، قال في رواية عبد الله 181: كان سعيد اختلط في حديثه أخيرًا 182، وعلى أنا نحمل ما روته على الجواز؛ بدليل ما ذكرنا.
وأما حديث علي، وابن عباس - رضي الله عنهم -، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أوتر بثلاث، فليس فيه بيان هل كان بسلام واحد، أو بسلامين، وقد روينا فيه بيانًا، وأنه فصل بينها بسلام.
واحتج: بما روى محمد بن كعب القرظي 183 - رحمه الله -: أن
الجزء: 2 - الصفحة: 204
النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن البتيراء 184، وهو أن يوتر الرجل بركعة ليس فيها صلاة تتقدمها.
وهذا كما رُوي عن عائشة - رضي الله عنها -: أنها كانت تقول: الوتر سبع وخمس، والثلاث بتراء 185.
واحتج: بما رُوي عن عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -، أنه قال: ما أجزأت ركعة قَطُّ 186.
والجواب: أنا لا نعرف هذا، ولو صح، حُمل على الفرض؛ لأن
الجزء: 2 - الصفحة: 205
ابن عباس - رضي الله عنهما - كان يقول: صلاة الحضر أربع، وصلاة السفر ركعتان، وصلاة الخوف ركعة 187، فقال ابن مسعود - رضي الله عنه -: ما أجزأت ركعة قط 188.
وعلى أن محمد بن نصر المروزي روى بإسناده 189 عن إبراهيم عن الأسود: أن عبد الله بن مسعود - رضي الله [عنه] 190 - كان يوتر بسبع، وبخمس 191، وهذا خلاف مذهبهم، فلم يكن فيما رووه عنه حجة.
واحتج: بأنها صلاة هي وتر، فوجب أن يكون 192 ثلاثًا بتسليمة واحدة؛ كالمغرب.
والجواب: أنه لو كانت كالمغرب، لوجب أن لا يتعدى الجهر من المثنى إلى الثلاث، ولا يتعدى وجوب القراءة عندك إلى الثلاث؛ كالمغرب، فإن قلت: بأن الجهر، ووجوبَ القراءة يتعدى إلى الثالثة، دل على أنها غير موصولة.
واحتج: بأن الوتر لا يخلو إما أن يكون نفلًا، أو واجبًا، فإن كان
الجزء: 2 - الصفحة: 206
نفلًا، فيجب أن 193 أنه الفروض، وليس في الفروض ركعة مفردة صلاة، وإن كان واجبًا، لم يجز الاقتصار على ركعة واحدة؛ كسائر الصلوات، ولأن كل من يقول: إنه واجب، فإنه يقول: ثلاث ركعات بتسليمة واحدة.
والجواب: أنه نفل، وقد دللنا عليه فيما تقدم، وإذا كان نفلًا، كان التسليم من كل مثنى أولى؛ كما قلنا في سائر النوافل، وقد ذكرنا أن الأصل أن يسلم من كل ركعتين، وليس في النوافل التسليم بثلاث، فسقط هذا.
واحتج: بأنها صلاة وتر، فلم يُفصل عما قبلها؛ دليله: إذا كان الوتر بخمس، أو سبع، أو تسع، أو بإحدى عشرة، فإنه لا يُفصل بينه وبين ما قبله، كذلك إذا كان بثلاث.
والجواب: أن الأفضل هنا: أن 194 يسلم من كل ركعتين، ولكن إذا لم يفصل، جاز، ومثله نقول: إذا كان الوتر ثلاثًا، الأفضلُ أن يفصل بينهما بسلام، فإن لم يفعل، جاز، فلا فرق بينهما.
الجزء: 2 - الصفحة: 207
واحتج: بأن أقل صلاة النفل ركعتان، وهذه الوتر نافلة، فكان يجب أن يصله بما قبله.
والجواب: أن الركعة الواحدة هل تكون صلاة صحيحة؟ فيها روايتان:
إحداهما: تكون صلاة، نص عليه في رواية إسماعيل بن سعيد (1): إذا نذر أن يصلي نافلة ركعة، فلولا أنها صلاة مجزئة، لم تجزئه، فعلى هذا لا يصح القياس.
والثانية: لا تكون صلاة، نص عليه في رواية أحمد بن هشام (2): في رجل صلى ركعة تطوعًا، ثم سلم يظن أنها اثنتان، ثم ذكر؟ قال: يُصلي أخرى، ثم يسجد سجدتي السهو بعد السلام، وهذا يمنع أن تكون الركعة صلاة، فعلى هذا الفرق بينهما: أن الركعة ليس قبلها صلاة، فتكون تابعة لها، وليس كذلك الوتر؛ لأنها، وإن كانت منفصلة بسلام، فهي تابعة لما قبلها، والجميع وتر، والله أعلم.
84 -