مَسْألَة: من يقدر على القيام، ولا يقدر على الركوع والسجود، فإنه يصلي قائمًا، ويومئ إيماءً بالركوع، وفي السجود يجلس فيومئ:
وقد قال أحمد - رحمه الله - في رواية عبد الله 1، وإسحاق بن إبراهيم 2، وأبي طالب 3: في المريض يصلي قاعدًا إذا كان القيام يوهنه ويضعفه.
فأسقط القيام عند العجز عنه، وظاهر هذا: أنه متى لم يكن عاجزًا لم يسقط عنه، لعجزه عن الركوع والسجود، وهو قول مالك 4، والشافعي - رضي الله عنهما - 5.
وقال أبو حنيفة - رحمه الله -: يصلي قاعدًا يومئ إيماءً، فإن صلى قائمًا، أجزأه 6.
الجزء: 2 - الصفحة: 304
دليلنا: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال لعمران بن حصين - رضي الله عنه -: "صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع، فقاعدًا، فإن لم تستطع، فعلى جنب تومئ" 7، وهذا مستطيع للقيام، فيجب أن يلزمه، ولأنه مستطيع للقيام في الصلاة المفروضة من غرِ مشقة، ولا متابعة، ولا كشف عورة، فلم يجز له تركُه؛ قياسًا على المستطيع للركوع والسجود، ولا يلزم عليه المريض؛ لقولنا: من غير مشقة، ولا صلاة النافلة؛ لقولنا: فريضة، ولا صلاة المأموم إذا صلى إمامه جالسًا؛ لقولنا: ولا متابعة، ولا العريان؛ لقولنا: ولا كشف عورة، وإن شئت قلت: مستطيع للقيام أشبهَ القادرَ على الركوع، ولا يلزم العريان، والمؤتمَ بالجالس؛ فإنه يستوي فيه الفرع والأصل، ولأن القيام ركن من أركان الصلاة، فلم يسقط بعجزه عن الركوع والسجود؛ قياسًا على القراءة وغيرها من الأركان.
واحتج المخالف: بأن فرض القيام لم يثبت في الأصول إلا مع الركوع والسجود، فإذا سقط، سقط القيام؛ بدلالة: الراكب لما سقط عنه الركوع، سقط عنه القيام، ولأن الركوع آكدُ من القيام؛ بدليل: أنه يجب في موضع يسقط فيه القيام؛ كالتطوع، ثم اتفقنا على أن فرض الركوع ها هنا ساقط، ففرض القيام أولى.
والجواب: أن صلاة الجنازة يسقط فيها الركوع، ولم يسقط فيها القيام، وعلى أن القيام لم يسقط في النافلة لسقوط الركوع، ألا ترى أنه
الجزء: 2 - الصفحة: 305
قبل أن يركب الراحلة إذا صلى على الأرض، لا يجب عليه أن يقوم فيها، ويجوز أن يصلي قاعدًا؟ ولأنه لو كان الفرض إذا لم يجب فيه الركوع، لا يجب فيه القيام؛ اعتبارًا بالنافلة على الراحلة، لوجب أن لا يجب السجود؛ اعتبارًا بها، فلما وجب السجود، وخالف النوافل على الراحلة، ولأن المعنى المسقِطَ للركوع في صلاة النافلة على الراحلة موجود في القيام، وهو: تعذر القيام على الراحلة؛ كتعذر الركوع والسجود، وليس كذلك؛ لأن العجز يختص الركوع، ولا يتعداه إلى القيام، فيجب أن لا يسقط غيره.
وقد روى مهنا (1) عن أحمد - رحمه الله - فيمن طعن دبره، ومتى سجد، خرجت منه الريح؟ قال: يسجد ولا يومئ.
فقد أوجب السجود، ولم يسقطه لأجل الطهارة؛ لأنه حدث مستديم، فلا يسقط معه السجود؛ كالمستحاضة.
98 -