مَسْألَة: لا يجوز اقتداء المفترِض بالمتنفِّل، ولا من يصلِّي الظهر بمن يصلِّي العصر في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية أبي الحارث 3: في إمام صلى بقوم، وهو ينوي النافلة، ومَنْ خلفَه يريد الفرض؟ لا تجزئهم صلاتهم، وإذا كان الإمام يصلي الظهر، وهو يريد العصر؟ يعيد الصلاة، ولا تجزئه.
ونحو12
الجزء: 2 - الصفحة: 321
هذا نقل المروذي 4: إذا كان الإمام في صلاة التراويح، والمأموم في الفرض.
وكذلك نقل حنبل 5، ويوسف بن موسى 6، وقال في رواية يوسف بن موسى - وقد ذكر له حديث معاذ - رضي الله عنه - 7 -، فقال: قد كنا نسهل فيه، وما يعجبنا، وهذا يدل على رجوعه عن القول بالجواز.
وهو قول أبي حنيفة 8، ومالك 9 - رحمهما الله -.
وفيه رواية أخرى: يجوز، نص عليها في رواية إسماعيل بن سعيد 10: لا بأس أن يؤم الرجل القوم في صلاة قد صلاها، وإذا صلَّى
الجزء: 2 - الصفحة: 322
خلف إمام وهو ينوي العصر، والإمام ينوي الظهر، جاز، وقال: مما يقوي حديثَ معاذ: حديثُ النبي - صلى الله عليه وسلم - في صلاة الخوف، صلَّى بطائفتين ركعتين ركعتين 11، ونحو ذلك نقل صالح 12، قال: لا أعلم شيئًا يدفع حديثَ معاذ، وإن ذهب إليه ذاهب، لم أَعِبْه.
وبهذا قال الشافعي - رحمه الله - 13.
وجه الرواية الأولة: ما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" 14، والائتمام به: هو: أن يفعل ما يفعل الإمام، فإذا نوى المأموم فرضًا، والإمام نفلًا، فلم يفعل مثل ما فعل، فلا يكون مؤتمًا به.
فإن قيل: أراد به: الائتمام في ظاهر أفعاله، ألا ترى أنه قال: "إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا"؟
قيل له: ظاهره يقتضي الائتمام به في جميع أفعاله، وقوله: "إذا ركع فاركعوا، وإذا سجد فاسجدوا" تخصيصُ بعضِ ما شمله العموم،
الجزء: 2 - الصفحة: 323
وذلك لا يوجب تخصيصه.
فإن قيل: كيف يلزم الائتمام به في النية، وهو لا يعلم بنيته؟
قيل له: المسألة [فيمن] قد علم أن إمامه متنفل، فنوى هو الفرض، واقتدى به، ويدل عليه أيضًا: قوله - عليه السلام -: "لا تختلفوا على إمامكم" 15، وهذا قد اختلف عليه، فوجب أن لا يجزئه، والقياس: أن المصلي إذا افتتح النافلة، ثم ذكر أن عليه فريضة، لم يجز أن يبني عليها فريضة، كذلك إذا كان المأموم في فرض، والإمام في نفل، يجب أن لا يجوز الاقتداء به؛ لأنه يبني فرضًا على تحريمة النفل، وتبين صحة هذا على أصلنا: أن صلاة المأموم متعلقة بصلاة الإمام، وتفسد بفسادها، فلم يصح هذا في حق الإمام، كذلك في حق المأموم، ولأن إمامه متنفل، فلم يصح أن يأتم به للفرض؛ دليله: إذا كان في صلاة الكسوف، واستسقاء، وكل من لم تصح صلاته بنية إمامه لم يصح الاقتداء به؛ دليله: إذا نوى صلاة الجمعة، فإنه لا يجوز أن يقتدي بمن يصلي الظهر؛ لأن نية الظهر لا يؤدى بها الجمعة، فإذا نوى الإمام الظهر، والمأموم الجمعة، لم يصح اقتداؤه، كذلك ها هنا, ولا يلزم عليه المتنفل إذا اقتدى بالمفترض؛ لأن نية الفرض تصح أن يؤدى بها النفل، ألا ترى أن من دخل في صلاة على أنها عليه، ثم تبين أنها ليست عليه، كان له أن يمضي فيها، وتكون له نافلة؟ وكذلك لو أحرم بصلاة الفرض منفردًا، ثم حضر جماعة، فقلبها نفلًا ليدخل في الجماعة، فإنها تكون نفلًا، وإن كان قد
الجزء: 2 - الصفحة: 324
انعقد بنية الفرض 16، وإذا كانت نية الإمام مما يصح أن يؤدى بها صلاة المأموم، صح اقتداؤه به، ولا يلزم عليه اقتداء المقيم بالمسافر أنه جائز على اختلاف الروايتين؛ لأن نية المسافر يجوز أن يؤدي بها صلاة المقيم، ألا ترى أنه لو دخل في صلاة مسافر، ثم نوى الإقامة، بنى عليها صلاة مقيم؟ ولو أن مسافرًا فاتته صلاة، فاقتدى فيها بمقيم، صح اقتداؤه به؛ لأن نية المقيم يجوز أن يُؤدي بها المسافر، ألا ترى أن المسافر لو صلى بنية التمام، صحت صلاته؟ ولا يلزم عليه إذا صلى الظهر خلف من يصلها قضاءً، فإن فيها روايتين: نقل ابن منصور - رحمه الله - 17: الجواز؛ لأنه قد تصح صلاته بنية إمامه على وجهٍ، وهو: إذا غلب على ظنه أن الوقت قد خرج، فأحرم بالصلاة ينوي القضاء، فبان أن الوقت باقٍ، فإنه يتم صلاته بتلك النية، ونقل صالح - رحمه الله - 18: المنع، وهو أصح؛ لأنه لا تصح صلاته بنية إمامه، وهو نية القضاء، ولا يلزم عليه المريض إذا [صلى] 19 بمرضى الظهر يوم الجمعة، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد الجماعة 20، كانت صلاته نفلًا له، وفرضًا للقوم؛ لأنها صارت نفلًا للإمام بعد الفراغ من الصلاة، فهو في حال الإمامة تصح صلاته بنية إمامه،
الجزء: 2 - الصفحة: 325
ولا يلزم عليه إذا أدرك الإمام وهو في التشهد؛ لأن أصحابنا - رحمهم الله - اختلفوا في ذلك، فالخرقي - رحمه الله - قال 21: ينوي صلاة الظهر.
فعلى هذا لا يدخل في العلة بقضاء.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا - رحمه الله -: ينوي الجمعة، وهو المذهب 22، فعلى هذا: لا يلزم؛ لأنه تصح صلاته بنية إمامه؛ لأنه حين يدخل معه ينوي الجمعة، وإنما تصير ظهرًا فيما بعد ذلك من طريق الحكم، ولا يلزم عليه إذا أحرم بالجمعة مع الإمام، ثم زُحم عن الركعتين؛ لأن في ذلك روايتين 23: إحداهما: يبني عليها ظهرًا.
والثانية، وهو اختيار أبي بكر الخلال، وأبي [بكر] 24 عبد العزيز - رحمهما الله -: يبني عليها جمعة.
فإن قيل: من يصلي ركعتي الفجر يجوز أن يقتدي فيهما بمن 25 يصلي الفرض، وإن لم يصح أداؤهما بنية الفرض، فما أنكرتم أيضًا أن
الجزء: 2 - الصفحة: 326
يصح اقتداء من يصلي الفرض بمن يصلي النفل، وإن لم يجز أداء الفرض بنية النفل.
قيل له: ركعتا الفجر تطوع، ويجوز أداء التطوع بنية الفرض 26، وقد بينا ذلك، فجاز اقتداء من يصلي ركعتي الفجر بمن يصلي الفرض، ونية النفل لا يصح أن يؤدّى بها الفرض بحال، فلا يجوز اقتداء من يصلي الفرض بمن يصلي النفل، على أن حنبل - رحمه الله - روى عنه: من صلى ركعتي الفجر في جماعة لا تجزئ صلاة الجماعة من ركعتي الفجر.
فإن قيل: يجوز أن يُصلي المتطهر بالماء خلف المتيمم، وإن كانت طهارة الإمام لا تصلح لصلاة المأموم، ولا يؤدى بها، وكذلك صلاة القائم خلف القاعد، وإن كان القعود لا يؤدى به صلاة القادر على القيام، لذلك يجوز أن يصلي الفرض خلف المتنفل، وإن كانت نية صلاة الإمام لا تصلح لنية صلاة المأموم.
قيل: لا يمتنع أن يختلفا في الطهارة، والقيام، ولا يختلفا في النية؛ بدليل: صلاة الجمعة، يجوز أن يكون الإمام فيها جالسًا 27، والمأموم متوضئًا قائمًا، ولا يجوز أن يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر.
فإن قيل: من شرط الجمعة أن تكون مع الإمام، ولا تجوز منفردًا،
الجزء: 2 - الصفحة: 327
فكان من شرطها أن يكون الإمام في صلاة الجمعة، وليس كذلك سائر الصلوات، فإنه ليس من شرط صحتها فعلُها مع الإمام، ويجوز فعلها منفردًا، فلم يكن من شرط صحتها اتفاق النيتين.
قيل له: كون الجمعة شرطها إمام، والظهر ليس من شرطها إمام، لا يمنع بناء أحدهما على الآخر عندك، ألا ترى لو خرج وقت الظهر، وهو في الصلاة، بنى الظهر على الجمعة؟ وعلى أن هذا يبطل بصلاة الفرض خلف من يصلي الاستسقاء، والكسوف، لا يصح، وإن لم يكن من شرطها إمام.
آخر الجزء السادس عشر من أجزاء المصنف - رحمة الله عليه، وعلى كاتبه ووالديه وجميع المسلمين يا رب العالمين -.
واحتج المخالف: بما روى جابر بن عبد الله - رضي الله عنهما -: أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "كان يصلي بالناس ببطن نخل 28 صلاة الخوف، فصلى بطائفة ركعتين، ثم سلم، ثم جاءت طائفة أخرى، فصلى بهم ركعتين، ثم سلم" 29،
الجزء: 2 - الصفحة: 328
ومعلوم أن الركعتين الأخيرتين كانتا نفلًا للنبي - صلى الله عليه وسلم - وفرضًا للطائفة الثانية، فهذا يدل على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل.
والجواب: أنه ليس في الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان نوى سفرًا تقصر فيه الصلاة، ويجوز أن يقال: إنه كان مقيمًا، وكان فرضه أربع ركعات فصلى بكل طائفة ركعتين، فكانت له أربع ركعات، ولكل طائفة ركعتان، ثم قضت كل طائفة ركعتين.
فإن قيل: ففي الخبر ما يمنع هذا التأويل، وهو أنه صلى بطائفة ركعتين وسلم، وبطائفة أخرى ركعتين وسلم.
قيل: يحتمل أن يكون أراد بالسلام التشهد كما في حديث عائشة - رضي الله عنها - "وفي كل ركعتين فسلم" 30 يعني: فتشهد.
فإن قيل: لم يرو أن كل واحدة من الطائفتين قضت ركعتين، ولم = الرقاع، رقم (4136 و 4137)، ومسلم في كتاب: صلاة المسافرين، باب: صلاة الخوف، رقم (843).
الجزء: 2 - الصفحة: 329
ينقل كما روى ابن عباس - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى صلاة الخوف ركعتين، فكان لهم ركعة ركعة، وللنبي - صلى الله عليه وسلم - ركعتين 31، ومعلوم أن كل طائفة قضت، وإن لم ينقل إلينا، كذلك هذا، وعلى أنا لو سلمنا أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان مسافرًا، لم يكن في الخبر دلالةٌ على جواز اقتداء المفترض بالمتنفل؛ لأنه يحتمل أن يكون ذلك في وقت كان يعاد فيه الفرض مرتين في يوم واحد، فكان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينوي بالصلاة الثانية فرضًا، والطائفة الثانية أيضًا كذلك.
فإن قيل: لم يرو في شيء من الأخبار: أنه كان يعاد الفرض في وقت من الأوقات.
قيل له: بلى رُوي في حديث عمرو بن شعيب عن خالد بن أيمن 32 - رضي الله عنهما - قال: كان أهل العوالي يصلون في منازلهم، ثم يصلون مع
الجزء: 2 - الصفحة: 330
النبي - صلى الله عليه وسلم -، فنهاهم أن يعيدوا الصلاة في يوم مرتين، قال عمرو: فذكرت ذلك لسعيد بن المسيب، فقال: صدق 33.
ورُوي عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن تعاد صلاة في يوم مرتين 34.
فإن قيل: فلو سلمنا لكم إعادة الفرض في ذلك الوقت، لكان السؤال عليكم قائمًا؛ لأن عندكم: أن الثانية كانت 35 تكون فريضة، والأولى تصير نفلًا، وهي للمأموم فريضة، وهذا يوجب جواز اقتداء المفترض بالمتنفل.
قيل له: صلاته في حال اقتداء الفرض فيه كانت مؤداة بنية الفرض،
الجزء: 2 - الصفحة: 331
وإنما كانت تصير نفلًا بعد إعادتها، وذلك لا يغير حكم صلاة المأمومين، ألا ترى أنا نقول في المعذور إذا صلى بقوم الظهر يوم الجمعة، وهم معذورون، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد القوم: إن صلاته تصير نفلًا، وصلاة القوم فريضة؟ ولا يغير ذلك حكم صلاة القوم؛ لأنهم حين اقتدوا به كانت صلاته مؤداة بنية الظهر، وإنما خرجت من أن تكون فرضًا له بعد ذلك، فلم يغير حكم صلاة القوم.
واحتج أيضًا: بما روى الحسن عن أبي بكرة - رضي الله عنهما -: أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى بالقوم المغربَ ثلاث ركعات، ثم انصرف، وجاء آخرون، فصلى بهم ثلاث ركعات، فكانت للنبي - صلى الله عليه وسلم - ست ركعات، وللقوم ثلاث ثلاث 36.
الجزء: 2 - الصفحة: 332
والجواب: أنه لو ثبت هذا الخبر، احتمل أن يكون في الوقت الذي كان يعاد فيه الفرض مرتين.
واحتج: بما روى عمرو بن دينار عن جابر - رضي الله عنهما -: أن معاذًا - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - العشاء، ثم ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم 37، فهي له تطوع، ولهم فريضة.
والجواب: أن معاذًا - رضي الله عنه - كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - النفل، ويصلي بقومه الفرض، والدليل على ذلك: أن قومه شكوه إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -، فقالوا: يا رسول الله! إنا نظل في أعمالنا طول النهار، ثم نصلي خلف معاذ، فيقرأ بالبقرة وآل عمران، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: "أفتانٌ أنت يا معاذ؟ ! إما أن تخفف بهم الصلاة، وإما أن تجعل صلاتك معنا" 38، فأشار إلى صلاته المعهودة، وصلاته المعهودة هي صلاة الفريضة، فلو كان ما يفعله معاذ خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - فريضة له، لما قال له النبي - صلى الله عليه وسلم -: "وإما أن تجعل صلاتك معنا"؛ لأنه كان يجعل صلاته معهم، فدل هذا على صحة ما قلناه، وهو أنه كان يصلي خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - نفلًا، ثم يصلي بقومه فرضًا.
فإن قيل: قول جابر: ثم ينصرف إلى قومه، فيصلي بهم، وهو له = الوهم (2/ 475)، والتلخيص (3/ 1056)، وتهذيب السنن (2/ 72).
الجزء: 2 - الصفحة: 333
تطوع، ولهم فريضة 39، يُبطل ما ذكرت.
قيل له: هذه الزيادة غير صحيحة؛ لأن أحمد - رحمه الله - قال في رواية يوسف بن موسى 40: حديث معاذ أخشى أن لا يكون محفوظًا؛ لأن ابن عيينة يزيد فيه كلامًا لا يقوله أحد 41، وعلى أنه يجوز أن يكون جابر قال ذلك ظنًا منه.
الجزء: 2 - الصفحة: 334
فإن قيل: كيف يجوز أن يظن بمعاذ: أنه كان يترك فضيلة أداء الفرض خلف النبي - صلى الله عليه وسلم -، ويؤدي خلفه النفلَ، ومع قومه [الفرضَ] 42. قيل له: يجوز أن يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - أمره أن يؤم قومه، ويصلي بهم الفرض، فكان امتثاله لأمره أفضل من أداء فرضه معه، وعلى أنه لو ثبت أن معاذًا كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - الفرض، ثم يصلي بقومه بعد ذلك، لم يكن في الخبر دلالة على موضع الخلاف؛ لأنه ليس فيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - علم بذلك، فأقره عليه، وفعلُ الصحابي لا يثبت به حجة، إلا أن يعلم به النبي - صلى الله عليه وسلم -، فيقره عليه، ألا ترى أن عمر - رضي الله عنه - قال لرفاعة بن رافع حين أخبره أنهم كانوا يجامعون على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يغتسلون إلا بعد الإنزال: أفأخبرتم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك، فرضيَه 43؟ فأخبر أن فعلهم ليس بحجة إلا بعد إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم -. ورُوي عن سعد بن وقاص - رضي الله عنه -: أنه قال: كان منا من يرمي بست، ومنا من يرمي بسبع 44. ولم يكن ذلك حجة؛ لأنه لم يقره النبي - صلى الله عليه وسلم -
الجزء: 2 - الصفحة: 335
عليه، وعلى أنه يحتمل أن يكون ذلك في وقت كان يعاد فيه الفرض مرتين، وهذا جواب شيخنا أبي إسحاق، ذكره في تعاليقه على كتاب العلل.
واحتج: بأنهما صلاتان متفقتان في الأفعال، يجوز الانفراد بكل واحد منهما، فجاز أن يؤدي إحداهما خلف الأخرى؛ قياسًا على فرضين متفقتين 45، أو نفل خلف فرض، وفيه احتراز عن الجمعة خلف من يصلي الفرض؛ لأن الانفراد لا يجوز، ومن الظهر خلف من يصلي صلاة الكسوف، أو صلاة الجنازة؛ لأنهما مختلفتان في الأفعال.
والجواب: أن الاتفاق 46 في الأفعال الظاهرة لا يدل على صحة الاقتداء؛ بدليل: أن صلاة المرأة توافق صلاة الرجل في الأفعال، ولا يدل ذلك على جواز الاقتداء، وكذلك المومئ عندك يؤم القادر على الركوع والسجود، وإن كانا لا يتفقان في الأفعال الظاهرة، وإذا كان الإمام في صلاة المغرب أو الفجر، والمأموم في صلاة العصر، صح عنده، وإن اختلفا في الأفعال، وأما إذا كان الإمام في فرض، والمأموم في نفل، = الحج، باب: عدد الحصى التي يرمي بها الجمار، رقم (3077)، واللفظ له، وهو عن مجاهد يرويه عن سعد - رضي الله عنه -، قال أبو حاتم: (مجاهد لم يدرك سعدًا).
ينظر: المراسيل لابن أبي حاتم ص 205، وبيان الوهم والإيهام (2/ 559).
الجزء: 2 - الصفحة: 336
فالمعنى فيه: أنه بنى أنقص الصلاتين على أكملهما, وليس كذلك ها هنا؛ لأنه بنى أكمل الصلوات على أنقصهما، فلم يجز؛ كما لو أحرم بالنفل لنفسه، ثم نوى الفرض، ولأن النفل قد يصح أداؤها بنية الفرض، وهذا معدوم في مسألتنا؛ لأن نية الإمام لا تصح أن يؤدَّى بها صلاة المأموم، فأشبه من يصلي الجمعة خلف من يصلي الظهر، ومن يصلي الظهر خلف من يصلي الكسوف.
واحتج: بأنه لو سجد الإمام سجدة، ثم قدم مسبوقًا بركعة: أن المقدَّم يفعل هذه السجدة نفلًا، والمأموم فرضًا.
والجواب: أنه يفعلها فرضًا بحكم المتابعة، ولو تركها، فسدت صلاته.
واحتج: بأنه لو صلى بقوم الظهر يوم الجمعة، ثم شهد الجمعة، ولم يشهد القوم، كانت صلاته نفلًا، وفرضًا للقوم.
والجواب: أنا قد أجبنا عن هذا، وهو: أنها إنما صارت نفلًا للإمام بعد الفراغ من الصلاة، وخروجه عن حال الإمامة، وما يطرأ على الإمام بعد الفراغ، وخروجه عن حال الإمامة، مما لو كان موجودًا في حال أدائها، منعَ صحتها، وجوازَ الاقتداء به فيها، فإنه لا يؤثر في صلاة القوم بمشاركتها في حال الاقتداء في الفرض.
فإن قيل: فما تقولون في المسبوق إذا أدرك الإمام في الركعة الخامسة، وكان الإمام قد سهى، فصلى خمسًا، هل يعتد بها ركعة؟ .
الجزء: 2 - الصفحة: 337
قيل له: لا يعتد بها على فرضه؛ لأنه نافلة في حقه، وقد نص أحمد - رحمه الله - في رواية المروذي (1): في رجل دخل مع الإمام، وقد فاتته ركعة من الظهر،