مَسْألَة: قليل النجاسة وكثيرها سواء في منع الصلاة معها سوى الدم، فإنه تجوز الصلاة بيسيره، فإن كثر وتفاحش، لم تجز:
نص على هذا في مواضع، فقال في رواية صالح 2: الدم في الثوب أسهلُ من البول، وقال في رواية عبد الله 3: إذا كان يصلي، فرأى في ثوبه بولًا؟ فقال: أما البول والغائط، فإنه يعيد من قليله وكثيره، وقال أيضًا في رواية جعفر بن محمد 4، وحنبل (4): في الدم إذا فحش: أعاد، ولم يوقت فيه شيئًا، وبهذا قال مالك - رحمه الله - 5.1
الجزء: 1 - الصفحة: 518
وقال أبو حنيفة [رحمه الله] 6: تجوز الصلاة مع قدر الدرهم من سائر النجاسات 7. وقال الشافعي - رحمه الله -: لا تجوز الصلاة مع شيء منها إلا يسير دم البراغيث 8. واختلف أصحابه في كثيره 9، وأما غير دم البراغيث، فقال في الإملاء 10: قليله وكثيره سواء، وقال في الأم 11 - وذكره المزني 12 -: يعفى عن قليله، وهو الذي يتعافاه، وقال في القديم: عما دون الكف، والقيح بمنزلة الدم 13. فالدلالة: على أنه لا يعفى عن غير الدم: قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: 4]، فوجب بحق الظاهر تطهير هذا الثوب من هذا
الجزء: 1 - الصفحة: 519
القدر من النجاسة.
وأيضًا: روي عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وأبي هريرة 14، وأنس بن مالك - رضي الله عنهم -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "تنزهوا من البول؛ فإن عامة عذاب أهل القبر منه" 15، ولم يقدره بمقدار، فهو على عمومه.
فإن قيل: المقصود بالآية، والخبر: الأمرُ بالتجنب في الجملة، وليس المراد به المقدار.
قيل: الأمر اقتضى التجنب فيما يسمى رجسًا، وبولًا، فهو عام في جميع ما يسمى بذلك، إلا ما خصه الدليل.
والقياس: أنها نجاسة مقدورٌ على إزالتها؛ قياسًا على ما زاد على قدر الدرهم، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يلحق المشقة في إزالته؛
الجزء: 1 - الصفحة: 520
لأنه يخرج من بدن الإنسان بالجمِّ 16 في البثْر 17، والجَرَب 18، والدُّمَّل 19، وغير ذلك، ولا يلزم عليه أثرُ الاستحاضة؛ لأنه أيضًا يلحق المشقة في إزالته، ولأن ما لا يعفى عنه إذا زاد على قدر الدرهم، لا يعفى عنه إذا كان قدر الدرهم؛ قياسًا على الحدث، ولا يلزم عليه يسيرُ الدم؛ لأنه يعفى عما زاد على قدر الدرهم، فعفي عن قدر الدرهم، وذلك أن الرواية اختلفت عنه في يسير الدم، هل هو محدود؟ فقال في رواية الأثرم 20، وخطّاب بن بشر 21: لا أحدّه (5)، فعلى هذا: ترجع فيه إلى ما يتعافاه
الجزء: 1 - الصفحة: 521
الناس، ولا يتقدَّر بدرهم.
وروى عنه ابن منصور 22، وأحمد بن علي 23، وإسماعيل بن سعيد 24: حدَّه شبرًا في شبر، فعلى هذا لا يلزم؛ لأنه لما عُفي عما زاد على قدر الدرهم، عُفي عن قدر الدرهم.
واحتج المخالف: بأنها نجاسة لا تزيد على قدر الدرهم، فوجب أن تكون معفوًا عنها، دليله: أثر الاستنجاء، وقليل الدم.
والجواب عنه: ما تقدم من أن ذلك تلحق المشقة في إزالته.
فإن قيل: أليس قد قال أحمد - رحمه الله - في رواية أبي طالب 25: في الرجل يكون في المسجد، فيصيبه بول الخشَّاف 26، فقال: أرجو
الجزء: 1 - الصفحة: 522
أن لا يضر، وإن كان كثيرًا، غسل.
وقال أيضًا في رواية إبراهيم بن عبد الله بن مهران الدينوري 27: في لعاب الحمار والبغل: إن كان كثيرًا، لا يعجبني.
وقال أيضًا في رواية الميموني 28: في القَلس إذا ملأ الفم.
وقال أيضًا في رواية أبي طالب 29: في النبيذ إذا كان قليلًا: لم يعد.
وقال أيضًا في رواية صالح 30: في المذي والودي إذا فحش: أعاد.
وهذا كله يدل على العفو عن يسير النجاسة غير الدم، وإن لم تلحق المشقة في إزالتها.
قيل له: قد نص في هذه المسائل على خلاف ذلك، وهو الصحيح عنه، فقال في رواية إسحاق بن إبراهيم 31 - وقد سئل عن بول الخشاف -، فقال: الذي أذهب إليه: أن كل ما أكل لحمُه، فلا بأس ببوله.
وهذا يقتضي أنه لا يُعفى عن يسيره.
وقال أيضًا .................................
الجزء: 1 - الصفحة: 523
في رواية عبد الله 32: في لعاب الحمار وعرقه يصيب الثوب؟ أكرهه، وهو رجس، أو نجس.
وقال أيضًا في رواية أبي داود 33: في القلس: هو مثل ما خرج من السبيلين.
وقال في رواية حنبل 34: في قطرة مسكر: من أقامه مقام الخمر، أنزله هذه المسألة.
وقال في رواية الحسن بن الحسين 35: في المذي يصيب الثوب: يُغسل، ليس في القلب منه شيء.
وهذا كله يدل على أنه لا يعفى عن يسير شيء من ذلك؛ للمعنى الذي ذكرنا، وعلى أنه قد فرّق بين يسير هذه النجاسات، وبين البول، والعذرة، والخمر.
فقيل: في بول الخشاف، هو في المساجد من لدن النبي - صلى الله عليه وسلم -، فلولا أنه معفو عنه، لم يقرره فيه، وقيل: في لعاب الحمار، والبغل: هو مختلف في تنجيسه، فجاز العفو عن يسيره، وكذلك يسير النبيذ، وكذلك يسير المذي؛ لأنه جزء من مني، والمني طاهر.
الجزء: 1 - الصفحة: 524