مَسْألَة: إذا وافق عيدٌ يومَ الجمعة، فالفضل في حضورهما جميعًا، فإن حضر العيد، أسقط عنه فرض الجمعة:
نص عليه في رواية المروذي 4، ..........................123
الجزء: 3 - الصفحة: 309
وصالح 5، وإسماعيل بن سعيد 6، وإسحاق بن إبراهيم (1)، وبه قال إبراهيم 7، والشعبي 8.
وقال أبو حنيفة 9، ومالك 10، والشافعي 11 - رضي الله عنهم -: حضور العيد لا يُسقط الجمعة.
دليلنا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن أبي صالح، عن أبي هريرة - رضي الله عنه -، عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: "اجتمع في يومكم هذا عيدان، فمن شاء منكم، أجزأ العيدُ من جمعته، .............................. = والمحرر (1/ 247)، ومختصر ابن تميم (2/ 456)، والفروع (3/ 194)، والإنصاف (5/ 262).
الجزء: 3 - الصفحة: 310
وإنا مجمِّعون - إن شاء الله تعالى -" 12. وروى بإسناده عن إياس بن [أبي] 13 أرملة الشامي 14 قال: شهدت معاوية وهو يسأل زيدَ بنَ أرقمَ - رضي الله عنه -: هل شهدتَ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عيدين اجتمعا في يوم واحد؟ قال: نعم، قال: كيف صنع؟ قال: صلى العيد، ثم رخَّص في الجمعة، ثم قال: "من شاء أن يصلِّي، فليصلِّ" 15.
الجزء: 3 - الصفحة: 311
وروى بإسناده عن أبي صالح السمان قال: اجتمع عيدان في يوم واحد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "يا أيها الناس! إنكم قد أصبتم ذكرًا وخيرًا 16، فمن شاء أن يجمِّع، فليجمِّع، ومن شاء أن يجلس، فليجلس" 17، وهذه الأخبار نصوص في إسقاط الجمعة بالعيد 18. فإن قيل: لا حجة في هذه الأخبار؛ لأن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبيه - رضي الله عنه - قال: حضرت العيد مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فصلى 19، فلما قضى صلاته، قال: "قد قضينا الصلاة، فمن كان من أهل العوالي، فأحبَّ أن ينصرف، فلينصرفْ 20، ومن أحب أن ينتظر الخطبة، فليجلس" 21، وأهل العوالي لا تجب عليهم الجمعة، فالخطاب حصل
الجزء: 3 - الصفحة: 312
لهم، فلم يكن فيه حجة على من تجب عليه الجمعة.
قيل: ولا يصح حملُ أخبارنا على أهل العوالي؛ لوجوه:
أحدها: أنه قال في حديث أبي هريرة - رضي الله عنه -: "فمن شاء منكم، أجزأ العيدُ من جمعته"، وهذا 22 الجمعة واجبة عليه، وأن العيد تجزئ عنها، وأهل العوالي ما كانت تجب عليهم الجمعة، فتجزئ عنها.
والثاني: قوله: "اجتمع في يومكم عيدان"، فجعل العلة في ترك الحضور اجتماع العيدين، وأهل العوالي كانت العلة في إسقاط الحضور غير هذا.
والثالث: أنا قد علمنا إسقاط الجمعة عن أهل العوالي من غير هذا الخبر، فلا معنى لحمله على حكم قد استفدناه من غيره، ووجب حمله على فائدة مجددة.
وكلّمتُ بعضهم 23 في هذه المسألة، فأورد هذا السؤال على الخبر على وجه آخر، فقالوا: أهل [العوالي] 24 كانوا ممن يلزمهم حضور الجمعة بالمدينة؛ لقربهم منها، لكن سقطت عنهم لأجل حضور العيد، = ينظر: العلل لابن أبي حاتم (1/ 363)، رقم (513)، وفتح الباري لابن رجب (6/ 148).
الجزء: 3 - الصفحة: 313
وعندنا: أهلُ القرى تسقط عنهم الجمعة بحضور العيد، على الصحيح من قول أصحابنا، قال: وإذا كان كذلك، فقد قلنا بموجب التعليل؛ فإن [العيد] 25 هو المسقِط عنهم الجمعةَ.
فيكون الجواب عنه: أن أهل العوالي كانوا على مسافة، والعلة 26 أعمُّ من اللفظ؛ ولأن اللفظ خاصٌّ في أهل العوالي، والتعليل يعمُّ أهلَ العوالي، وأهلَ المدينة؛ لأنه قال: "اجتمع في يومكم عيدان، فمن شاء، أجزأ"، وهذا المعنى وحده في حق أهل المدينة وغيرهم، وإذا كان التعليل أعمَّ من اللفظ، كان الحكم متعلقًا بالتعليل دون اللفظ 27؛ كما قال - صلى الله عليه وسلم - في المحرِم الذي وَقَصت به ناقته، "لا تُخمروا رأسه، ولا تُقربوه طيبًا؛ فإنه يُبعث يوم القيامة ملبيًا" 28، واللفظ خاص في ذلك المحرم، والتعليل عام في كل محرم، وكذلك قوله - عليه السلام - في شهداء أُحد: "زَمِّلُوهم 29 بكُلُومهم 30 ودمائهم؛ فإنهن يُبعثون يوم القيامة اللونُ
الجزء: 3 - الصفحة: 314
لونُ الدم، والريحُ ريحُ المسك" 31، فاللفظ خاص فيهم، والتعليل أعم، فكان حكم التعليل مستعملًا في حقهم، وحقِّ غيرهم، وكذلك قوله - عليه السلام -: "أينقص الرُّطب إذا يبس؟ "، قالوا: نعم، قال: "فلا إِذَنْ" 32، اللفظ خاص في الرطب، والعلة عامة فيه وفي غيره.
فإن قيل: هذا خطاب لأهل العوالي، وقوله: "عيدان اجتمعا"، ذكر بعض [أهل] 33 اللغة تقديره: عيدان اجتمعا في حقكم يا أهل العوالي، فحذف بعضها، ووكله إلينا، كما قلنا في قوله - عليه السلام - لبريرة: "ملكتِ بُضْعَكِ، فاختاري" 34، تقديره: ملكت بضعك تحتَ عبدٍ.
الجزء: 3 - الصفحة: 315
قيل له: فقلْ مثلَ هذا في المحرِم الذي كان في وقت النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي الشهداء، وإن كان هناك محذوف، وتقديره: يبعث، بعْثتُه ملبيًا، ويبعثون يوم القيامة بأعيانهم، اللونُ لون الدم، والريح ريح المسك، واحدٌ ما قال هذا، وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ملكتِ بُضعك، فاختاري"، فإنما قلنا: إن هناك محذوفًا؛ لقيام الدلالة على أن الحرية لا توجب الفسخ؛ لأنها حال كمال، والرقُّ يوجب؛ لأنه حال نقصان، فأما أهل العوالي، وأهل البلد سواء؛ لما عليهم من المشقة في العَوْد، لا سيما إذا كان البلد متباعدَ الأطراف، وإنما يختلفان في أن مشقة الحضر أقلُّ من مشقة السفر، وهذا لا يوجب الفرق بينهما؛ لأن مشقة المرض أشدُّ من السفر، وكلاهما يُفطر، ورأيت بخط أبي إسحاق: نا الحسين بن إسماعيل القاضي 35 نا: = الشعبي: أن نبي الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبريرة - رضي الله عنها - لما عتقت: (قد أعتق بُضعك معك، فاختاري)، قال ابن حجر في التلخيص (5/ 2339): (هذا مرسل، ووصله الدارقطني)، وأخرجه الدارقطني بلفظ: (اذهبي، فقد عتق معك بضعك)، في كتاب: النكاح، باب: القسم في ابتداء النكاح، رقم (3760)، وأصل التخيير لها بين بقائها تحت زوجها، وعدمه، أخرجه البخاري في كتاب: الطلاق، باب: لا يكون بيع الأمة طلاقًا، رقم (5279)، ومسلم في كتاب: العتق، باب: إنما الولاء لمن أعتق، رقم (1504).
الجزء: 3 - الصفحة: 316
محمد بن عمر بن حنان 36 نا: بقية عن مقاتل بن سليمان 37، عن عطاء، عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اجتمع عيدان في يوم، يقول: "من شهد معنا أولَ النهار، فهو بالخيار آخِرَه" 38. وأيضًا: فهو إجماع الصحابة - رضي الله عنهم أجمعين -: وروى النجاد عن وهب بن كيسان 39 قال: اجتمع عيدان في عهد ابن الزبير - رضي الله عنهما -، فأخَّر الخروجَ، ثم خرج فخطبَ، فأطال الخطبة، ثم صلى، ولم يخرج إلى الجمعة، فعاب ذلك عليه أناس، فبلغ ذلك ابنَ عباس - رضي الله عنهما -، فقال: أصاب السنةَ، فبلغ ابنَ الزبير، فقال: شهدت العيدَ مع عمر - رضي الله عنه -، فصنع كما صنعتُ 40.
الجزء: 3 - الصفحة: 317
وروى بإسناده عن أبي عبد الرحمن قال: اجتمع عيدان على عهد عليّ - رضي الله عنه -، فصلى بالناس، ثم خطب على راحلته، ثم قال: أيها الناس! من صلى منكم العيد، فقد قضى جمعته إن شاء الله 41. ولا يُعرف مخالف لهم.
والقياس: أنها صلاة، فجاز أن يسقط غيرها بفعلها؛ فى ليله: صلاة الجمعة، تسقط بفعلها صلاة الظهر، وقد دل على صحة التسمية: قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: "عيدان اجتمعا"، فسماهما عيدين.
فإن قيل: لا نقول: إن الجمعة أسقطت بفعلها الظهر؛ لأن الفرض المخاطب به يوم الجمعة هو الجمعة.
قيل له: العبد، والمرأة، والمسافر، فرضُهم يوم الجمعة الظهرُ، وسقط عنهم بفعل الجمعة.
فإن قيل: إنما سقطت الظهر بالجمعة؛ لأنهما صلاتا وقت واحد، = باب: الرخصة للإمام إذا اجتمع العيدان والجمعة، رقم (1465)، والحاكم في المستدرك، كتاب: صلاة العيدين، رقم (1097)، وقال: (حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه)، ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو داود عن عطاء قال: (اجتمع يوم جمعة ويوم فطر على عهد ابن الزبير ... )، فذكر نحو.
في كتاب: الصلاة، باب: إذا وافق يوم الجمعة يوم عيد، رقم (1072)، وصحح إسناده النووي.
ينظر: المجموع (4/ 251).
الجزء: 3 - الصفحة: 318
وليس كذلك العيد والجمعة؛ لأنهما صلاتا وقتين.
قيل له: لا نسلِّم هذا في الأصل؛ لأن وقت الجمعة وقتُ الظهر؛ لأنه يجوز فعلُ الجمعة عندنا قبل الزوال، ولا يجوز فعلُ الظهر في ذلك الوقت، وإنما في الفرع، فهما صلاتا وقت واحد؛ لأنه يصلي الجمعة في الوقت الذي يصلي صلاة العيد، فلا فرق بينهما.
وجواب آخر: وهو أنه يبطل بالصلاتين المجموعتين يجمعهما وقت واحد، ومع هذا تسقط إحداهما الأخرى.
فإن قيل: العيد أضعف؛ لأنها فرض على الكفاية، والجمعة على الأعيان، وليس كذلك الجمعة والظهر؛ لأنهما صلاتا فرض على الأعيان، فجاز أن تُسقط إحداهما الأخرى.
قيل له: كونها أضعف منها لا تُسقط لا يمنع 42 الإسقاط؛ بدليل: المسح على الخفين، يُسقط غسل الرجلين، وصلاة القصر يسقط الإتمام، وإن كان [أحد] الفعلين أضعفَ من الآخر؛ ولأنه قد حضر صلاة العيد، فلا يلزمه حضور الجمعة؛ دليله: من يلزمه فرض الجمعة خارج البلد، فإنهم إذا حضروا العيد، لم يلزمهم الحضور، على الظاهر من قول أصحاب الشافعي - رحمهم الله تعالى - 43، كذلك هو في البلد، وليس لهم أن يقولوا: إن عليهم في الرجوع مشقة؛ لأن هذا المعنى لم يؤثر في أصل الإيجاب؛ ولأن المشقة تلحق في البلد.
الجزء: 3 - الصفحة: 319
واحتج المخالف: بما رُوي عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: أنه قال: "إن الله فرض عليكم الجمعة في يوم الجمعة" 44، وهذا عام.
والجواب: أنا نحمله على غير يوم العيد، بما تقدم.
واحتج: بأن الجمعة صلاة تجب في يوم الجمعة، فلا تسقط بالعيد؛ دليله: صلاة العصر.
والجواب: أن ليس إذا لم يؤثر في إسقاط العصر، لا يؤثر في إسقاط الجمعة؛ كما أن الجمعة لا تؤثر في إسقاط العصر، وتؤثر في إسقاط الظهر، كذلك ها هنا، وعلى أن هذا قياس يعارض السنة.
واحتج: بأن كل من لزمته الجمعة إذا لم يصلِّ صلاة العيد، لزمته، وإن صلى؛ دليله: الإمام في صلاة الجمعة، وقد نص أحمد - رحمه الله - على أنها لا تسقط عنه في رواية الميموني 45، فقال: قال - عليه السلام - 46: إذا اجتمع عيدان في يوم، أما الإمام، فيجمعهما
الجزء: 3 - الصفحة: 320
جميعًا 47، ومن شاء ذهب، ومن شاء قعد.
والجواب: إنما لم تَسقط عن الإمام؛ لأن في إسقاطها إبطالَ الجمعة في حق من لم يحضر صلاة العيد، وفي حقِّ من حضرها، إلا أنه يريد حضورها طلبًا للفضيلة؛ لأن فعلها يقف عليه، وليس كذلك غيره من الناس؛ لأنه ليس في إسقاطها عنه هذا المعنى، فلهذا فرقنا بينهما.
واحتج: بأنه لو جاز أن تسقط الجمعة بحضور العيد، لجاز أن يسقط العيد بحضور الجمعة.
والجواب: أنا لا نعرف الرواية في ذلك، ولا يمتنع أن نقول: إذا أخّر العيد بشرط العزم على حضور الجمعة: أنه يجوز له ذلك، ويحتمل أن يقال: لا يسقط؛ لأنها تسقط لا إلى بدل، وعلى أن الجمعة تُسقط الظهر، والظهر لا يُسقط الجمعة إذا فعلَها قبل صلاة الإمام.
واحتج: بأنه لو حضر الجمعة، لزمته، فيجب أن يلزمه، وإن لم يحضر، دليله: من لم يحضر صلاة العيد.
والجواب: أنه يبطل بالمريض إذا حضر، لزمه، ولا يلزمه بعدم الحضور 48، وكذلك من يلزمه حضور الجمعة من غير أهل القرى يلزمه بالحضور، ولا يلزمه بغيره؛ ولأنه إذا حضر، زالت مشقته، وإذا لم = - رحمه الله - كما في طبقات الحنابلة (2/ 95 و 96).
الجزء: 3 - الصفحة: 321
يحضر، فالمشقة موجودة.
فإن قيل: لو سقطت عنهم، لوجب أن يصيروا في حكم أهل الأعذار، فإذا صلوا قبل صلاة الإمام، تجزئهم.
قيل: هكذا نقول، والله أعلم.
174 -