مَسْألَة: إذا نوى المسافر إقامة تزيد على أربعة أيام، أتم، وإن نوى إقامة أربعة أيام فما دونها، قصر، في أصح الروايتين:
نص عليها في رواية أبي داود 1، وإسحاق بن إبراهيم 2، فقال في رواية أبي داود: إذا أزمع على إقامة إحدى وعشرين، أتم الصلاة (1). وقال في رواية إسحاق: إذا نوى أن يقيم ببلد أربعة أيام، وزيادة صلاة إحدى وعشرين صلاة، أتم (2)، وبهذا قال داود 3. وفيه رواية أخرى: إن نوى إقامة اثنتين وعشرين فما دون، قصر،
الجزء: 3 - الصفحة: 8
نص عليه في رواية عبد الله 4، والأثرم 5، وهو اختيار الخرقي 6، و [أبي] 7 بكر عبد العزيز 8 - رضي الله عنهما -, ولا تختلف الرواية، يحتسب اليوم الذي يدخل فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة، وقال أبو حنيفة: إن نوى إقامة خمسة عشر يومًا، أتم، وإن كان أقل، قصر 9. وقال مالك 10، والشافعي - رضي الله عنهما -: إن نوى إقامة أربعة أيام، أتم، وإن كان أقل، قصر، إلا أن الشافعي - رحمه الله - لا يحتسب اليوم الذي [يدخل] فيه، واليوم الذي يخرج فيه من المدة 11. والدلالة على أبي حنيفة - رحمه الله -: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: 101]؛ دليله: أن من ليس بضارب في الأرض، فليس له أن يقصر، وهذا ليس
الجزء: 3 - الصفحة: 9
بضارب في الأرض.
وأيضًا: ما روى أبو بكر النجاد بإسناده عن علي - رضي الله عنه - قال: فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة الحضر أربعًا، وصلاة السفر ركعتين 12، وهذا يصلي في الحضر، فيجب أن يصلي أربعًا، ولأنه ليس له الجمع بين الصلاتين، فلم يكن له القصر؛ دليله: إذا نوى إقامة خمسة عشر يومًا، وعكسه إذا نوى إقامة أربعة أيام، فإن له الجمع.
وإن شئت قلت: نوى إقامة تزيد على أكثر عدد اعتبر في الشهادات، فوجب أن يصير مقيمًا؛ دليله: ما ذكرنا.
واحتج المخالف: بما روى أبو حنيفة - رحمه الله - عن عمر 13 بن [ذر] 14 عن مجاهد، عن ابن عباس - رضي الله عنهما -، وابن عمر - رضي الله عنهما - قال: إذا قدمت بلدة وأنت مسافر، وفي نفسك أن تقيم خمس عشرة 15 ليلة، فأكملِ الصلاة بها، وإن كنت لا تدري متى تظعن، فاقصرها 16، ولم يرو عن
الجزء: 3 - الصفحة: 10
أحد من السلف خلافه.
والجواب: أن أبا بكر النجاد روى بإسناده عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن علي - رضي الله عنه - قال: إذا أقام 17 عشرة أيام، أتم الصلاة، وإذا أقام اليوم وغدًا إلى شهر 18.
وروى أيضًا: بإسناده عن نافع عن ابن عمر - رضي الله عنهما -: أنه كان إذا عزم على إقامة ثنتي عشرة ليلة، أتم الصلاة 19.
وروى أيضًا: بإسناده عن سعيد بن المسيب: أنه قال: من أجمع إقامة أربع ليال .......................................... = القرآن (2/ 321)، وفي مختصر اختلاف العلماء (1/ 359)، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه رقم (4343)، وابن أبي شيبة في مصنفه رقم (8301) من فعل ابن عمر - رضي الله عنهما -، وإسناد صحيح.
وينظر: الأوسط (4/ 355).
الجزء: 3 - الصفحة: 11
وهو مسافر، أتم الصلاة 20.
وإذا كان كذلك، حصلت المسألة خلافًا في الصحابة والتابعين - رضي الله عنهم -، فلم يكن فيما ذكروه حجة.
واحتج: بأنه نوى الإقامة في مدة تقصر على أقل مدة الطهر، فوجب أن لا يلزمه الإتمام؛ دليله: إذا نوى الإقامة أربعة [أيام] 21.
والجواب: أن المعنى في الأربع: أنها تنقص عن أقل نصاب الإبل، أو عن الواجب في نصاب الوَرِق، أو عن ألفاظ اللعان، والخمسُ بخلاف ذلك.
واحتج: بأن هذه الإقامة يتعلق بها لزوم الصلاة، فيجب أن يكون أقلها خمسة عشر، أصله: مدة الطهر.
والجواب: أن هذا إثبات تقدير بالقياس، ولا نسلِّم بالأصل؛ لأن الطهر عندنا ثلاثة عشر، وإن سلمنا، فإنما يقدر أقل الطهر بذلك؛ لأنه أقل ما وجد في العادة، ولو وجد أقل منه، أثبتناه، وهذا المعنى متفق عليه؛ لأن أحدًا لا ينكر أن أقل الطهر إنما قدر بخمسة عشر؛ لاقتران
الجزء: 3 - الصفحة: 12
العادة به، وتبين صحة هذا: أن أقل مدة النفاس ومدة أكثره 22 تخالف مدة أقل الحيض ومدة أكثره، وإن كان الجميع مضروبًا لترك الصلاة؛ لاختلاف العادة فيها، ومدة الطهر من الحيض والنفاس واحد؛ لاتفاق العادة، وإذا ثبت أن مدة أقل الطهر إنما رجع فيه إلى العادة، امتنع أن يكون معللًا بما ذكروه.
واحتج: بأن هذا الضرب من المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف 23، أو الاتفاق، وقد حصل الاتفاق على أن خمسة عشر إقامة صحيحة، واختلفوا في غيرها 24، وليس فيه توقيف ولا اتفاق، فلا يثبته إقامة صحيحة.
والجواب: أنا قد بينا التوقيف فيه، وعلى أنه لا اتفاق في خمسة عشر؛ لأن النجاد روى بإسناده عن ليث 25 عن عامر 26 قال: جاورت 27 ابن عمر - رضي الله عنهما - ثمانية أشهر، أو عشرة أشهر بالمدينة، فسألته: كم أصلي؟
الجزء: 3 - الصفحة: 13
فقال: إذا كنت وحدك، فركعتين، وإذا صليت بجماعة، فائتمَّ بصلاتهم، قال عامر: ولو أقمت أكثر من ذلك، ما زادني عليها 28. وروى أيضًا بإسناده عن عبد الرحمن بن مسور - رضي الله عنه - 29: أنه أقام بسابور 30 سنتين يصلي بالناس ركعتين، ثم يسلم، ثم يصلي ركعتين، ثم يسلم 31. وبإسناده عن سالم: ................................
الجزء: 3 - الصفحة: 14
أنه أقام ابن عمر - رضي الله عنهما - بأذربيجان (1) ستة أشهر يصلي ركعتين (2). وروى عن الليث بن سعد (3): أنه قدره بأكثر من خمسة عشر (4)، وقدره إسحاق بن راهويه بتسعة عشر (5). ثم لا نسلَّم هذا؛ فإنه يجوز إثباتها بالقياس عندنا، ولأننا قد بينا في غير هذا الموضع: أنهم قد أثبتوا ذلك بغير توقيف ولا اتفاق مقدارَ مسح الرأس، ومسح الخف، وقدر الخَرْق الذي يمنع المسح، وقدر مدة الرضاع.